أهمية وأسس تطوير المنهج التربوى

7 

أهمية تطوير المنهج :

لا تقل عملية تطوير المنهج أهمية عن عملية بنائه ، ولما كان المنهج يتأثر – كما سبق – أن ذكرنا بالدارس والبيئة والمجتمع والثقافة والنظريات التربوية ، ونظراً لأن كل عامل من هذه العوامل يخضع لتغيرات سريعة متلاحقة ، فإنه ينبغي أن تتطور المناهج لتساير تلك التغيرات ، ومن ثم تسهم في ارتقاء المجتمع وتطويره ، أما إذا تركت المناهج عدة سنوات دون أن تساير نبض الحياة وتغيراتها ، فسيحكم عليها بالجمود والتخلف ، وستشكل بذلك عقبة في سبيل تقدم المجتمع .

أسس تطوير المناهج :

لن يحدث تطوير فعلي للمنهج بغير أسس يستند عليها ، ومن أهم هذه الأسس ما يلي :

1- التكامل بين مؤسسات المجتمع المعاصر .

2- الإفادة من التكنولوجيا الحديثة .

3- الإفادة من التدفق المعلوماتي في المجالات المتنوعة .

4- الإفادة من تراثنا الحضاري والاتجاهات العالمية .

5- الاعتماد على الموارد المادية .

6- الاعتماد على الموارد البشرية .

وفيما يلي عرض لكل أساس منها بإيجاز :

(1) التكامل بين مؤسسات المجتمع المعاصر :

لكي يحدث التطوير الشامل والمستمر للمنهج ، لابد أن يكون هناك تكامل بين مؤسسات المجتمع ، بما تتضمنه من موارد بشرية ومادية متنوعة ، لتحقيق هذا الغرض ، ولكي تتكامل مؤسسات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية ، ومن ثم تسهم – بشكل عام – في دفع عجلة التنمية بالمجتمع ، فإنها مطالبة – بحكم ارتباطها بما يجري حولها في المجتمع – بتقديم خبراتها وتوجيهاتها العلمية والفنية المتنوعة ووجهات نظرها حول تحديث المناهج وتطويرها بصورة علمية ، وربما يسهم في دفع عجلة التنمية في المجتمع .

(2) الإفادة من التكنولوجيا الحديثة :

لقد أضاف التطور العلمي والتكنولوجي كثيراً من الوسائل التكنولوجية الحديثة ، التي يمكن الإفادة منها في إعداد أفراد على مستوى عال من الكفاءة المؤهلة لمواجهة تحديات العصر .. ومن هذه الوسائل : الإذاعة ، والتلفاز ، والأقمار الصناعية ، وشبكة الإنترنت ، والكمبيوتر ، وهذه كلها وسائل وأدوات تكنولوجية تسهم في الحصول على البيانات والإحصاءات من مصادرها المتنوعة .

ومن الوسائل التكنولوجية التي – يمكن الإفادة منها أيضاً في تطوير المناهج استخدام مواد مطبوعة ، وأشرطة سمعية ، وشرائح ضوئية ، وأفلام ثابتة ، ونماذج وبرامج الحاسب الآلي وهذه الوسائل وغيرها إذا احسن استخدامها والإفادة منها ، فسوف تسهم إسهاماً فعالاً في رفع مستويات الأداء لدى المربين والدارسين بشكل عام ، وسوف تعالج مشكلات تعليمية كثيرة .

(3) الإفادة من التدفق المعلوماتي في المجالات المتنوعة :

إن النمو السريع لوسائل الاتصال ، والتوسع في استخدامها ، وتقدم تكنولوجيا المعلومات ، كل لك أدى إلى تدفق معلوماتي فتح آفاقاً جديدة في ميدان التربية ، وزاد من ضرورة الإفادة من هذا التدفق في إيجاد بيئة تربوية تعليمية جديدة ، ومن ثم فإن البيئة التعليمية النمطية تفقد أرضاً لها ، ويضعف احتكارها للتربية يوماً بعد يوم .

وتشير إحدى الدراسات إلى ضرورة الأخذ بسمات العصر عند تطوير التعليم ، وقد ذكرت أن من سمات هذا العصر أنه عصر المعلومات ، فمن لم يستفد منها لا يحسب من بين أبناء العصر ، كما أنه عصر التقنية ، فمن لم يتفاعل معها ولم يستخدمها فإنه يصاب بالتخلف ، وأنه عصر التفاعل الثقافي والتمازج الحضاري .

ولهذا فمن الضروري عند تطوير المناهج الإفادة من التدفق المعلوماتي في المجالات المتنوعة ، ولا بأس في ذلك ما دام لم يتعارض مع الدين والقيم والمبادئ الحاكمة في مجتمعاتنا .

(4) الإفادة من تراثنا الحضاري والاتجاهات العالمية :

ينبغي ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين – والعولمة الثقافية يزداد انتشارها يوماً بعد يوم – أن نطلع على ما وصل إليه الآخرون ، وقبل أن نأخذ به … نعرضه على ديننا وقيمنا ، فنأخذ ما يقره الشرع ويفيدنا ، وننبذ ما يرفضه الشرع ويضرنا ، بيد أننا لكي نقوم بهذا الدور في تنقية النتاج الحضاري للغير ، لابد من إعداد الفرد القادر على الاختيار ، وقراءة المستقبل تحتم علينا القيام بهذا الدور ، لأن القضية لم تصبح اختياراً بعد أن غزتنا ثقافة الغير ، واقتحمت علينا مساكننا بعد انتشار الأطباق التلفازية وشيوعها .

إن مهمة إعداد الفرد لاختيار ما ينفعه من ثقافة الغير هي مهمة ملقاة – بلا شك – على التربية في المقام الأول ، وتعد هذه المهمة تحدياً يواجه التربية ونحن ننتقل إلى الألفية الميلادية الثالثة .

والحق أننا لا ننكر ما أحرزه الغير من سبق في ميادين الحياة بوجه عام ، وميادين التربية والتعليم على وجه التخصيص ، ولكننا نجد على الجانب الآخر سلبيات للعطاء الحضاري الأجنبي ، تلحق الضرر بأصحاب الحضارة ، وبمن استوردها ، دون تمحيص، فلا يصح أن نأخذ أفكار الغير ونظرياته ونقدمها في مناهجنا على أنها حقائق لا تقبل المناقشة ، على الرغم من فساد كثير من هذه الأفكار والنظريات ، وفقاً لما أشارت إليه الدراسات الحديثة ، فالقاعدة الحاكمة – إذن – في الانفتاح على الغير المقولة التالية : "أفتح نوافذي لأجدد الهواء ، ولكن لا أسمح للهواء أن يقتلعني من جذوري " ، ولهذا ينبغي عند تطوير المناهج تحليل الواقع الاجتماعي ، ورصد الاتجاهات العالمية الحديث ، والأخذ بما يناسبنا منها في ضوء أهداف محددة تركز على تنمية المجتمع تنمية شاملة .

(5) استثمار الموارد المادية المتاحة :

إن عملية تطوير المناهج تتطلب كثيراً من الموارد المادية ، وهذه الموارد تستغل في عدد من المجالات ، مثل إقامة المباني المدرسية المتطورة وتجهيزها بأحدث الأجهزة والمعدات ، وتأليف الكتب الدراسية وطبعها ، وتأثيث المكتبات وتجهيزها وتزويدها بكل ما يلزمها من كتب ومجلات ووسائل تقنية وغيرها ، وزيادة الرواتب والحوافز المادية للقائمين بالعملية التعليمية ، وإقامة الدورات التدريبية والتنموية لهم ، وفقاً لمتطلبات عملية التطوير … الخ .

لذا فمن الضروري – عند القيام بعملية تطور المناهج – أن تؤخذ في الحسبان الموارد المادية المتاحة ، ومحاولة توظيفها لتحقيق الأهداف المرجوة من عملية التطوير ، حتى لا نصطدم بمعوقات مادية أثناء التنفيذ .

(6) استثمار الموارد البشرية :

من أسس عملية تطوير المناهج إشراك جميع الأفراد الذين لهم دور في ذلك ، من خبراء ، ومتخصصين ، وقياديين تربويين ، ومربين ، وفنيين ، ودارسين ، ومواطنين عاديين … وغيرهم .

فالخبراء والمتخصصون هم الفئة التي تقود عمليات التطوير وتقوم بالدور الرئيس فيها ، وهؤلاء يعملون في تخطيط المناهج والبرامج ، وفي تقويم الجوانب المختلفة للعملية التربوية ، وفي تأليف الكتب الدراسية ، وفي إعداد المربي وتدريبه ، وفي إجراء البحوث اللازمة … وكلنا يعرف الدور الفعال للبحوث في مجال تطوير المناهج ، ومما لا شك فيها أن النقص في هؤلاء الخبراء يؤثر في عملية التطوير .

كما يؤدي القياديون بمختلف مستوياتهم (مديرو الإدارات التعليمية ، مديرو المدارس … الخ) دوراً رئيساً في إنجاح عمليات التطوير ن فهم صانعو القرار والمشرفون على تنفيذه ، ويجب أن يحكم علاقات العمل بينهم وبين المرءوسين مبدأ التطوير والتيسير والمساعدة ، ولذا فمن الضروري – عند تطوير المناهج – تطوير هؤلاء القياديين ، وحسن اختيار المدراء على أساس الكفاءة والقدرة على القيادة والمساعدة .

وإلى جانب ما سبق ، يأتي المربون كأحد الأطراف المهمة في العملية التعليمية ، فالمربي إما أن يكون عاملاً مساعداً على إنجاح النظام التعليمي ، وإما أن يكون عاملاً على فشله ، فهو يمثل حلقة الوصل بين المنهج والدارس .

فمهما كان المربي ذا رغبة صادقة في العطاء لا يمكن أن يعطي ما نريده منه إذا لم يجد المردود والتقدير الضروري لعطائه ، ولا يمكنه أن يعطي العطاء المنشود إذا لم يحصل على مكانة اجتماعية لائقة ، أو إذا شعر بأن جهوده تذهب هباءً ، وأن سلامته وسلامة ممتلكاته مهددة ، لذا لابد عند تطوير المناهج من مراعاة تلك الأمور مجتمعة ، وأن يراعى توفير الأعداد الكافية من المعلمين في جميع التخصصات ، مع حسن اختيارهم ، وتدريبهم المستمر ، وتنميتهم مهنياً ، وتقويم أدائهم وتطويره .

ويشكل الفنيون – أيضاً – عاملاً مهماً في المنظومة التعليمية ينبغي أن يؤخذ في الحسبان عند تطوير المناهج ، فالتطوير يتطلب – دائماً – التوسع في الاعتماد على الأنشطة والوسائل التعليمية ، وهذه الوسائل قد تكون مرتفعة الأثمان ، وتحتاج إلى فنيين على مستوى عال من الكفاءة والمهارة ، لتشغيلها ، وصيانتها ، وإصلاحها ، والمحافظة عليها ، لذا فمن الضروري توفير العدد الكافي من هؤلاء الفنيين (كماً ونوعاً) .

والدارس من العوامل التي ينبغي أن تؤخذ في الحسبان أيضاً ، فهو المستهدف من جميع الجهود التربوية ، فجميع هذه الجهود المبذولة تنتهي عند محطة الدارس ، لذا وصف بأنه محور العملية التعليمية التربوية ، فعندما نتكلم عن إصلاح أو تطوير في التعليم ، فإننا نقصد إصلاح الدارس وتطويره ، ولهذا السبب يصبح الدارس المرآة العاكسة لكل الجهود التربوية المبذولة ، وعليه فينبغي أن يكون للدارس دور إيجابي ، وهذا الدور لم يكون إلا بمناهج دراسية تستطيع أن تستثير قدراته وطاقاته ، وترفع من دافعيته ، وتنمي ميوله ، واتجاهاته ومهاراته .

وبالإضافة إلى ما سبق يبقى لدينا المواطن العادي ، فكل مواطن له رؤية خاصة تجاه التعليم بصفة عامة ، والمناهج على وجه التخصيص ، قد يعبر عن ذلك في جلساته ، وفي أثناء تبادله الحديث مع الآخرين ، أو من خلال ما يلجأ إليه بعض المواطنين عندما يبدون آراءهم في التربية والتعليم من خلال الصحف والمجلات والإذاعة وغيرها من وسائل الإعلام ، ويجب أن نعرف أن كثيراً من هذه الآراء لا تخلو من الرؤية السديدة ، فلابد أن يكون هناك نظام لرصد تلك الآراء ، وتجميعها ، وتصنيفها ، وتبويبها ، حتى يستفاد منها من منظور أن التربية تهم الجميع ، فيجب أن يهتم بها الجميع .

About these ads
This entry was posted in سلسلة تربوية. Bookmark the permalink.

3 ردود على أهمية وأسس تطوير المنهج التربوى

  1. يقول حسن:

    أريد شرح منهج الوحدات الدراسية كاملا من حيث المفهوم والأسس
    والخصائص والمميزات والعيوب

  2. يقول علاء عسكر:

    أشكرك أخوي على الشرح الجميل لعملية تطوير المناهج وبالفعل كلام سديد

  3. يقول ahmadalakhras:

    Reblogged this on ahmadalakhras and commented:
    رائع!

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s