مع الله فى كل حال العلاج الناجح (نظرات تربوية حديثة فى كتاب العوائق للراشد)

مع الله فى كل حال العلاج الناجح (نظرات تربوية حديثة فى كتاب العوائق للراشد)

 


7

بعد أن تعرض الراشد فى كتاب العوائق لسلاسل العيوب يضع لنا فى كلمات بسيطة عميقة المعنى العلاج الناجح وهو التجرد لله عز وجل وما أحوجنا جميعا لتلك النصائح فى زمن التآكل الروحى وقسوة القلوب يقول الراشد :

إن الله جميل يحب الجمال يحبه لعبده، يريده أن يكون جميلا وأجمل الجمال: تجريد العبودية لله تعالى، خالصة، نقية، من غير خلط ليس للجمال الذي يحبه الله ترجمة أرفع من هذه.

عيش مع جمال موازين الإسلام ومع جمال حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم ومع جمال فقه ورثته من المجتهدين ومع جمال سيرة أئمة المؤمنين، من مجاهد وزاهد، وجندي وقائد باستقلال


فمن خلط المعية فقد شان الولاء وغلظ  الإختلاط هنا قاتل للقلب والعلاج بالتجريد ولكنه  تجريد على مذهب أبي القاسم الجنيد البغدادي

قال أبو بكر الكتاني:

جرت مسألة في محبة الله تعالى بمكة، فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سنا، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي فأطرق رأسه، ودمعت عيناه، ثم قال: (عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر به، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله فهو بالله، ولله، ومع الله) مع الله في كل حال…

مع الله في سبحات الفكر

يسبح فكره في خلوات الليالي مع عظيم صنع الله، يتدبر خلق الأرضيين والسماوات وما فيهن من جمال وكمال، وتجول خواطره مع ما يوجبه الله عليه من النذارة والدعوة إليه.

مع الله في لمحات البصر:

يرى الآيات التي تدل على أنه واحد، ويطالع دلائل إعجازه، ويشاهد واقع الناس، ما بين محبوب مطمئن أنزل الله سكينته عليه وألبسه رداء المهابة، وقلق مذموم ملعون، قد حلت نقمة الله فيه.

مع الله حال احتدام الخطر:

يوقن أن الله لا يخذله عند وقوع الأذى وتصاعد الصراع، وأن فوق عسر المحن يسرًا ربانيًا، يستجلبه بوحدة يحرص عليها مع إخوانه المؤمنين، يراغم الشيطان بها عند اختلاف الاجتهاد، وتزيينات الانفراد.

مع الله في الرهط والمؤتمر:

يستمتع بجمال زحف النبي بعد النبي، يقاتل معهم من أرهاط الربيين كثير، ويعرف ما يحبه الله من ضوابط العمل الجماعي والتآمر بالمعروف، وأنه لا مؤتمر إلا واحتمال تباين الرأي قائم خلال محاوراته، وأنه لا خطر في التباين إذا لم يكن ثم انتصار للنفوس.

مع الله في حب أهل التقي:

يغبطهم على حكمة أوتوها، ومزيد عمل وفقوا له، فيشغفهم ودًا، ويتملق لهم لما يرى كلمتهم مجتمعة، وخطتهم واحدة، عساهم يدخلونه الزمرة.

مع الله في كره من قد فجر:

يفاصلهم في استعلاء، ويتميز بعزة، ويتطهر عن تشبه، ويستصغر كيدًا ما هم بضارين به من أحد إلا بإذن القدير.

فكذلك يكون في كل حال… مع الله

مع الله في سبــحات الفكر مع الله في لمحــات البصر

مع الله حال احتــدام الخطر مع الله في الرهط والمؤتمـر

مع الله في حب أهــل التقى مع الله في كره قـد فجـــر قصيدة

للأميري في ديوان مع الله

ومع حقيقة الإنسان ومصيره

ثم يتم واقعيته، فيرى حقيقة ضعف الإنسان وقصوره، ويرثي حاله بألفاظ الحسن البصري، يقلب كفيه، ويرسل دمعته عليه، ويقول معه:(مسكين ابن آدم..محتوم الأجل، مكتوم الأمل أسير جوعه، صريع شبعه، تؤذيه البقة، وتقتله الشرقة)

يطيل التأمل في هذا الأجل الذي يطوق الإنسان، ويخوف نفسه بحقيقة الموت الآتي المحتوم، ويعير سمعه إلى الفقيه القادري العلوي، إن أعوزته البلاغة، وهو يعظه:

الدهر عن طمع يغــر ويخدع وزخارف الدنيا الدنية تطمع

وأعنه الآمال يطلقها الرجـــأ طمعًا، وأسياف المنية تقطع

والموت آت، والحياة مــريـرة والناس بعضهم لبعض يتبع

واعلم بأنك عن قليل صــائــر خبرا، فكن خبرا بخير يسمع

ويظل يرتقي في المشاهدة حتى يستشعر الآخرة من بعد الموت، وتكون رؤيته القلبية لها كالرؤية العيانية، مثل رؤية المحدث الزاهد عبد العزيز بن أبي رواد الذي كان: (كأنه يطلع إلى القيامة)، فيتردد قلبه بين بشاشة الإطلال على الجنة، ولذعة الإطلاع على النار، حتى يرتجف بدنه طمعًا وخيفة، فيعتقل لسانه عن ذكر الأموال، والقصور والمناصب والنساء، وتصير مجالسه كمجالس الإمام أحمد:

(مجالس آخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا)

المرتقى يخاف السقوط هنا تنبه وقف يقول الراشد

فما يزال بعد ذلك محاصرًا بمشاهد القيامة، وحقيقة الموت القريب، وفضيحة الضعف البشري، فيفر يطلب فهما لحكمة الله أسمى، ويجدد التجرد، يبغي زيادة سكينة تحميه هول المشاهد والحقائق والفضائح، ثم يطلبه أخرى، فأخرى، في تجديد نيات وتوبات، حتى يحلق عاليا، ويبلغ ذروة العيش مع أوامر الله.

هنا: يميل بصره إلى أدنى، فيهوله احتمال السقوط بدفعة من شيطان عدو، فيحذو ، ويخشى هوى يهوي به نزولا وتدحرجًا، فيشرع يدرس أوصاف هذا الهوى، من قبل أن ينقض عليه في أعالي جوه وهو لا يعرفه، ويسأل فقهاء القلوب، من زاهد وشاعر، ينعتونه له.

فإنما سمى الهوى (لأنه يهوى بصاحبه) كما يقول الشعبي، التابعي الكوفي أي أنه مشتق من السقوط وقول الله تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) معناه: سقط وجنح للغروب فالذي يتمكن منه الهوى، ويخالف دلالة القرآن والحديث ووصايا الفقهاء: لن تراه إلا في تعثره ووقوع يكبه على وجهه، لا يعرف اتزانًا ولا صعودًا.

سيكون هذا هو موضوع التدوينة القادمة إن شاء الله ولعل الدرس الأهم الذى نخرج منه فى دراستنا لهذا الكتاب هو مراجعة القلب والتجريد وإخلاص المعية لله فى كل حال

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s