أنوار الفطنة تبدد ظلمات الفتنة (نظرات تربوية فى كتاب العوائق للشيخ الراشد)

hourglass2 

بعد أن أحدث الراشد هزة اليقظة التى تحدثنا عنها فى تدوينة سابقة فى نظراتنا التربوية فى كتاب العوائق يضع لنا أنوار تبدد ظلمات الفتنة فيقول :

وعبر عتاب سريع من الداعية لأذنه، يلتفت خلاله إلى مناد يناديه أن: (يا أيها الرجل: لا تكن كالمنخل، يرسل أطيب ما فيه، ويمسك الحثالة) ويتعهد له أن يشيع أطيب ما يسمع، ويستر لفظ المستعجل النادم، وخيالات الحالم النائم: ينتقل رابعا إلى عتاب طويل لعينه. يسألها أولا: لم تخطئ فتختار الجفاف وتقحط؟

فهذه هى البداية تألم وبكاء يعصر القلب على الأخطاء

يقول الراشد :فصوابها أن ترسله وابلا صيبا على أرض الأخطاء، بين يدي رب غفور يحب أن يتملق له عبده بالدمع، ويحب أن يسمعه، في الثلث الآخر من الليل، و بالعشي والإبكار، يحاسب نفسه ويلوم، ويكرر مع ابن القيم يخاطب نفسه أن: (لله ملك السموات والأرض، واستقرض منك حبة، فبخلت بها. وخلق سبع أبحر، وأحب منك دمعة، فقحطت بها عينك) ويظل يرددها حتى يظن أنه قد استوفى إنذارها

ثم ينتقل بنا إلى وضع أصبحنا نشاهده كثيرا فى واقعنا المعاصر قيادات كانت محل القدوة أصابها اليأس والتشاؤم من طول الطريق وعدم وجود نتائج سريعة للتغيير المنشود فإما قعدوا عن العمل وإما تركوا الجماعة لطريق آخر يرونه سريعا فى التمكين الإسلامى وتحقيق التغيير المنشود والأمثلة واضحة لكل ذى عقل وكل لبيب بالإشارة يفهم

قول الراشد :ثم يعاتب عينه من بعد ثانية: لم تنظر ضياء العمل الإسلامي ظلاما؟ ولم تتشاءم بدل أن تتفاءل لدعوة الإيمان بالخير؟ نعم صعب هو الوصول لدولة القرآن، ولن يأتي الدهر بعجيبة من دون جد.

لكنه ضياء كله العمل لها، ليس بظلام، وإن ظن المستعجل وجود تباطؤ أو تعثر وهل أسطع من ضياء النية، وضياء الأجر، وضياء الأخوة؟ إن طول الطريق لن يعدم هذه الأضواء أبدًا، ولئن يرجع الداعية بها وحدها خير له من قعود يوسوس به التشاؤم.

ولكن بعض الدعاة يظلمون أنفسهم بنظرة متشائمة إلى مستقبل الدعوة، ويتهمون التخطيط والقادة والرعيل، فيعتزلون مجالات العمل الوضاءة وهي من حولهم تنادي وتهيب وإنما الظلام ظلام المتشائم فحسب، إذ حبس نفسه عن الضياء، والأضواء تنير درب غيره وتفهيم المتشائم بهذه الحقيقة معضلة صعبة، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، ولا يستطيع تصور ما نقول والتصديق بوجود الأضواء.

لكن عبد الوهاب عزام ضرب مثلا تشبيهيا انتقل منه إلى التفهيم فأجاد، فافترض للمتشائم أنه في حجرة مقفلة سوداء، أليس يبقى من حولها ضوء الشمس؟

حجرة ملؤها الظلام حوتني وحوتها أشعة القمراء

فلما أثبت هذه الحقيقة: قاس للمتشائم حالة عليها، فقال معقبا:

رب نفس تلفها ظلمات وهي في عالم كثير الضياء

أي كذلك النفس أحيانًا، تضع نفسها في الظلام باختيارها والضياء من حولها كثير وافر، حتى تنسى تدريجيًا أن هناك ثمة ضياء عافته، فتنكر وجوده، فيعجب المستنيرون، فيزداد المحبوس الواهم إنكارًا، ويظن العجب تكلفا وملاحاة، فيفتتن، ويصرخ في حجرته المغلقة السوداء، فلا يجد إلا صدى الظلمات، فيزداد فتنة، يظن الصدى تأييدًا.

لكن الذين فطنوا لمثال عزام في الساحات و عرصات العمل ماضون، تغمرهم أنوار الفطنة، وتغشاهم السكينة.

إنه الخبر القديم الحديث لأنوار الآمال وظلمات الفتن، ليس هو خبر من نراهم اليوم فحسب، فإن عبد القادر الكيلاني صادف المستظلمين، فوضع لهم معادلة قصيرة سهلة، لو أدركوا لخرجوا من تيههم، فقال:

(إذا خرج الزور: دخل النور) زور سوء الظنون في القلب، المسبب للتشاؤم وعبوس الوجه، فالظلام.

وخروج الزور يكون بالابتسامة وبانشراح الوجه عند اللقاء، فإن فيهما حماية أكيدة من الوقوع في أخطاء الظنون والتعرض لسهام الوسوسة، وما أكفهر وجه وعبس إلا ترك في نفس المقابل من التصارح والتناصح.

ولا يطاوع الابتسام الفم إلا بلزوم حسن التأويل، يرى الداعية الخطأ والاجتهاد المخالف فيسبق صاحبهما إلى تلمس العذر والتبرير، ويميل إلى أجمل تفسير، ثم يحرص على أن يقرن الابتسامة والطلاق بحياء لتتميز عن ابتسامة الاستصغار، التي قد يزينها الشيطان بل يتخلق بخلق البهاء زهير حين فخر فقال:

أو: هي الفطنة، مفتاحها: ابتسامة الحياء يبتسمها الداعية، فتتوالي الأنوار، وتفيض تباعًا، وتتكامل، يعضد بعضها بعضا، لتبدد ما هنالك من ظلمات الفتنة وتعصم من قواصم الإغواء…

إنها مصادر نور أوقدها فقه الدعوة من قبل، لا تزال قائمة تضيء، تنتظر من يلوز بها من المحتاطين الحذرين، والمستدركين التائبين، لتريهم درب السلامة الصحيح يوم تغزو الفتن زمرة القلب الواحد، ويستدرج التأويل الدعاة، وتولد الغيبة سلاسل العيوب، ويرمي الشيطان بسهام الغرور والهوى والكبر وحب المدح، فتفترق الأرواح بعد تأليف، ويحتد التنازع في الرئاسة.

النور الأول:

الاستعاذة بالله من الفتن

فأول قبس يتناوله الذي يري الفتنة مقبلة: قبس الاستعاذة بالله منها، كما أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين لقننا التعوذ منها بإطلاق، وكما فعل عمار بن ياسر رضي الله عنه لما تعوذ من فتنة الخلاف بين المسلمين، فقال: -فيما أخرجه البخاري- حين بدت بوادرها: (أعوذ بالله من الفتن).

مع أن عمار قد شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه من فئة العدل، وتقتله الفئة الباغية.

قال ابن حجر في الفتح:

(فيه دليل على استحباب الاستعاذة من الفتن ولو علم المرء أنه متمسك فيها بالحق، لأنها قد تفضي إلى وقوع ما لا يري وقوعه) فقل مع عمار أيها الداعية وردد: أعوذ بالله من الفتن، وأكثر منها في كل أحوالك: يعيذك الله منها ويقبلك ويعصمك وإن كنت ساذجا، فإنه سبحانه معين معيذ يرحم رجفة الخائف، وذلك الظن به عز وجل دومًا، فإن تجربة المستعيذين تجزم بأنه:إذا اعتصم المخلوق من فتن الهوى بخالقه: نجاه منهن خالقه

ولكن انتبه: ليست الاستعاذة العابرة تجزيك بل أقرع باب الله بإلحاح، واهجر من يأبي القرع معك وتجنب صحبته، واطرح نفسك على عتبة ربك العزيز بذل، حتى تسمع نداء الأمان.

تلك وصية الناصح الحكيم، إليك وإلى الزاهد يوسف بن الحسين، لما شكا له يوسف من نفسه أخلاقا لا يرضاها، وركونا إلى الدنيا يفتنه، فكتب إليه أن:

(بسم الله الرحمن الرحيم : وصل كتابك وفهمت ما ذكرت، ومخاطبك أكرمك الله شريكك في شكواك، ونظيرك في بلواك، إن رأيت أن تديم الدعاء وقرع الباب، فإن من قرع الباب ولم يعجز عن القرع: دخل، وإن تهيأ لك ما تريد من الصفاء والطهارة فدع ما أنت فيه من البلاء واقتراف مساوئ لا تجدي منفعة في دينك ولا دنياك، وتجنب قرب من لا تأمنه على نفسك في مواصلة الغفلة والبطالة، واستعن على ذلك كله بالقناعة والتجزي، وسله أن يمنك عليك بتوبة).

نواصل فى تدوينة قادمة ان شاء الله باقى أنوار الفطنة والتى تبدد ظلام الفتنة

About these ads
This entry was posted in الفقة الحركي, سلسلة تربوية. Bookmark the permalink.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s