المنهج النبوى والتغيير الحضارى (2)

medine8

نواصل عرض كتاب المنهج النبوى والتغيير الحضارى للأستاذ برغوث عبد العزيز بن المبارك واليوم أقدم الفصل الأول والذى يتضمن :

الإطار العام لدراسة المنهج النبوي

كما هو معلوم في كل نوع من أنواع المعرفة البشرية ، أن دراسة أي مشكلة من المشكلات ، يقتضي بالضرورة أن يمتلك الباحث رؤية ، أو منظوراً منهجياً ، يتصور من خلاله المسائل ، ويحلل في ضوئه الفرضيات ، والإشكاليات المطروحة على بساط البحث . ودراسة السنة النبوية ، كظاهرة دينية ، واجتماعية متصلة بالواقع الإنساني ، في كل مستوياته ، العقلية ، والنفسية ، والسلوكية ، والعمرانية ، الفردية ، والجماعية ، بحاجة إلى مدخل منهجي ، يتيح للباحث فيها فرصة دراستها بشكل مستوعب ، ينكب به إلى فهمها ، واستخراج قوانينها ، وسننها ، وإدراك منطقيتها ، ومنهجها الاستدلالي ، ونظامها الفكري الذي يتفرع إلى ما هو إلهي ، وإلى ما هو بشري . فالدراسة العلمية للسنة النبوية ، باعتبارها مركباً لحضارة من جهة ، وأثراً من آثار الوحي على أرض الواقع من جهة أخرى ، تستدعي فهماً مستوعباً للمفتاح المدخلي ، الذي يمكن الباحث من دراستها بشكل صحيح ، ومثمر .

أهمية النظر الكلي في قضايا السنة

فكثير من البحوث الإسلامية في هذا الميدان ، وعلى اختلاف لمداخل الدراسة أظهرت أن هناك قصوراً منهجياً في إطار الدراسة ، وأرضيته التحليلية ، يؤدي دائماً إلى تقديم السنة من إحدى زواياها المتعددة دون الأخرى . وهذا ما يجعل عملية التفاعل مع السنة تعاني من (النظرة الجزئية) التي تكتشف أحد أبعادها معزولة عن الأبعاد الأخرى .. فالمتكلم ، والأصولي ، والمحدث ، والمفسر ، والفقيه ، وعالم السيرة ، والتاريخ ، وعالم الاجتماع ، والاقتصادي ،والسياسي ، والعسكري ، والفيلسوف ، والتربوي ، والمفكر .. كل واحد من هؤلاء له منهجه في دراسة السنة النبوية ..

فمحاولات الاستفادة منها تتم من زاوية التناول التي تخدم مجال الدراسة .. وكل منهجية تكشف لنا بعداً من أبعاد السنة ، فلو تأتّي لأحد تقديم دراسة تكاملية ، تستفيد من كل هذه المنهجيات ، وتنظر إلى السنة في كل أبعادها ، لقدم لنا منهجاً جديداً ، ومدخلاً متكاملاً ، قد يتيح لنا فرصة فهم السنة ، والإفادة منها في حياتنا العقلية ، والنفسية ، والسلوكية ، والعمرانية..

وسوف لا أزعم في هذه الدراسة ، أنني قادر على تقديم هذا المنهج المتكامل في دراسة السنة النبوية ، لأسباب أذكر منها هنا سببين اثنين هما:

- صعوبة المهمة على الصعيدين المنهجي ، والمعرفي معا . فالمنهجية المتكاملة في دراسة السنة النبوية ، تقتضي سبراً عميقاً للمناهج الجزئية في دراستها ، وهي التي أشرنا إليها قبل قليل .. وكذلك بالنسبة للجانب المعرفي الذي يقتضي إلماماً واعياً بما أنتجه تطبيق المناهج الجزئية من معارف ، وأفكار منثورة في كتب الأمة المتنوعة ، وهذا مما هو متعذر في الوقت الراهن على المؤسسات ، ناهيك عن الأشخاص ..

- أما السبب الثاني فهو راجع إلى منهجية هذا البحث المتواضع ، إذ لا يمكن الحديث عن مثل هذا الطرح قبل وضع إطار منهجي له ، تدرس ضمنه الأفكار ، وتحلل الإشكاليات .

طبيعة الجهد النبوي من الوجهة الحضارية

فمن هنا آثرنا في هذه الدراسة الأولية ، في موضوع (المنهج النبوي والتغيير الحضاري الجديد) ، أن نحاول تحديد مدخل منهجي عام للتعامل مع الظاهرة السنية .

إن دراسة سيرة الرسول صلي الله عليه و سلم وحركته، في مدة ثلاثة وعشرين عاماً  هي في جوهرها دراسة في تشكيل حضارة  وبناء و أن نموذج حياتي جديد  يدين : بـ (لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله) .

فأقواله  وأفعاله ، وتقريراته ، وشمائله ، وفضائله  وأخلاقه هي القواعد التي عليها بني المجتمع الإسلامي ، وعضد لبناته  فلم يكتف عليه الصلاة والسلام بوضع مخططات التغيير  وبرامجه  ومناهجه  وكيفياته ، وموجباته  بل ساهم في البناء حتى وصل به إلى المرحلة التي أكمل فيها (مهمة البلاغ المبين) التي أمره بها الخالق عز وجل . حيث لا يمكن لأي مشكك أو متوهم أن يثير أي شبهة عن كمال هذه المهمة ، وشمولها لكل ما يخص بناء الانسان  والمجتمع والثقافة  والحضارة التي تدين بالإسلام

قال تعالى : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكـم نعمتي ورضيت لكـم الإسلام ديناً )( المائدة : 3) .

ومهمة البلاغ المبين على الصعيد العملي  هي التي أنتجت الحضارة الإسلامية  وأدخلت القبائل العربية الجاهلية إلى مرحلة التفاعل مع القضايا الحضارية الكبرى التي كانت تدور على محوري فارس ، وروما . فالمبلغون الأوائل تحت قيادة الرسول صلي الله عليه و سلم هم المؤسسون (لعلم الدعوة الحضارية العالمية) على الصعيدين النظري ، والعملي .. وبطبيعة الحال تكون دراسة الحضارة الإسلامية الأولى هي دراسة في صميم الجهد النبوي ، وفي منهجيته في البلاغ ، والدعوة ، والتغيير الحضاري  والتي كان من آثارها ذلك العملاق الإسلامي الذي أثرى مسيرة الإنسانية ، وقدم لهما نموذجاً حضارياً فطرياً متوازناً ، ومتطابقاً مع الخطاب الإلهي  فكانت الحضارة الإسلامية هي (حضارة المصلحة) بخلاف الحضارات التي عاصرتها ، والتي نعاصرها نحن اليوم بعد أربعـة عشرة قرناً من الزمـان ، أعني (حضارات المصلحية).

فالدارسون لجهد الرسول صلي الله عليه و سلم الثاوي في كل جانب من جوانب الحضارة الإسلامية ، يجب أن يلاحظوا بأن هذا الجهد كان نتاجاً طبيعياً لتفاعل عناصر أساسية لا يمكن أن نفهمهما إلا في صورة متكاملة ، تقدر قيمة كل عنصر من عملية البناء الحضاري النبوي وهي:

- عنصر الوحي الأعلى (قرآناً وسنة) بما فيه الرؤية ، والمنهاج ، والمشروع الإسلامي.

- وعنصر الواقع الجاهلي ، في معناه الشمولي المتضمن لحضارتي فارس ، والروم.

- والجهد النبوي ، في منهجيته ، ومقاصده ، ووسائله ، وأساليبه.

- وجهد الصحابة  على اعتبار كونهم الجماعة المؤسسة الأولى.

فالنبي عليه الصلاة والسلام بشر ، كان يتحرك بالوحي في واقع إنساني ، ومطالب بالتبليغ عن ربه ، وذلك بدعوة الناس إلى الإسلام ، وتشكيل الجماعة الموحدة التي تحمل هم المشروع ، وهم توريثه للأجيال الإسلامية المتعاقبة . فمهمة الرسول صلي الله عليه و سلم تقتضي وعياً على الخطاب الإلهي ، ووعياً على الواقع ، ووعياً على معادلات البشر ، والمجتمعات المعاصرة ، ووعياً على منهج البلاغ المبين ، ووعياً على علوم التوجيه ، والتربية ، والسياسة ، والاجتماع ، والتاريخ والحروب .. ونحن عندما ندرس جهده عليه الصلاة والسلام ، نجد فيه كل هذه التخصصات منظمة في وحدة متكاملة ، ومتناسقة . ففي كل عمل أو قول أو تقرير أو خلق .. تبرز لك الحكمة ، وترى الوعي يتدفق ليروي عقول العلماء العظام الذين أفنوا أعمارهم في التحصيل ، فلا يسعهم أمام هذا الجهد إلا الاعتراف الصادق و الحقيقي بعظمته ، وصحته ، وفعاليته ..

معالم منهجية الرسول صلي الله عليه و سلم في البلاغ المبين

إن دعوة الرسول صلي الله عليه و سلم كمبلغ عن ربه سبحانه وتعالى ، دعوة عالمية إنسانية ، موجهة إلى كافة الخلق بخطاب أخلاقي ، وعقلي ، غايته بناء الحضارة التي يكون بمقدورها تحقيق مقاصد الشارع في الخلق ، وتوفير موجبات الاستخلاف للعباد . لقد كان عليه الصلاة والسلام يخاطب الناس حسب أفهامهم ، ودرجات وعيهم ، وقدراتهم ، وفي كل خطابه راعى الرحمة ، والتيسير على الخلائق ، وحملهم محمل المصلحة ، ورفع الحرج ، ونبذ شرائع الإصر

والأغلال ، وإدخالهم في السلم كافة ، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء : 107) . وقال رسول الله صلي الله عليه و سلم : (يسروا ولا تعسروا بشروا ولا تنفروا ).

وعليه ، فدراسة منهجية الرسول صلي الله عليه و سلم في البلاغ المبين ، يجب أن تتم على أساس هذا الوعي الغائب ، والجاري على المصلحة.

وإذا كانت منهجية الرسول صلي الله عليه و سلم مستندة إلى قاعدة المصلحة ، واليسير ، والعلم بحاجات الخلق ، وقدراتهم ، ومراعاة أحوالهم في السراء والضراء ، والمنشط والمكره ، فإن فهمها كمنهجية لفعل حضاري توحيدي ، يجب أن يتأسس على هذا الفقه المصلحي . ونحن هنا لكي نفهم المنهجية النبوية لابد أن ندرسها من خلال بعض المداخل المهمة ، والتي منها:

- البعد التوحيدي .

- البعد المقاصدي .

- البعد البلاغي ( الدعوة ) .

- البعد السُنني .

- البعد العقلي ( العملي ) .

- البعد الأخلاقي .

- البعد الزماني .

وفي هذه الدراسة سوف نركز على تحليل بعدين ، مرجئين غيرهما إلى حينه بإذن الله تعالى .

أولاً : البعد المقاصدي للمنهج النبوي

الجهد النبوي بأكمله مبني على مراعاة مقاصد الشارع في الخلق ، ونحن في هذا العنصر ، نريد فهم المقاصد كإطار منهجي ، كان سمة الجهد النبوي خصوصاً ، وكضابط حاكم على الحركة الاجتهادية الإسلامية عموماً.

ملاحظة عن النظام المقاصدي:

فقصد الشارع قد انصرف ابتداءاً إلى درء المضرات على الناس ، وجلب المسرات الدنيوية ، والأخروية لهم . فالنظام المقاصدي ركب أصلاً من أجل تحصيل مقصد كلي عظيم ، يفتقر إليه الوجود البشري بفطرته التي فطره الله عليها ، وهو (مقصد الاستخلاف) الذي تنبني عليه كل المقاصد الأخرى ، وتصدر عنه منظومة المصالح البشرية . يقول الإمام الشاطبي رحمه الله في موافقاته:

(لما انبنت الشريعة على قصد المحافظة على المراتب الثلاث من الضروريات والحاجيات ، والتحسينيات ، وكانت هذه الوجوه مبثوثة ، في أبواب الشريعة ، وأدلتها غير مختصة بمحل ، ولا بباب ، ولا بقاعدة دون قاعدة ، كان النظر الشرعي فيها أيضاً عاماً لا يختص بجزئية دون أخرى ، لأنها كليات تقضي على كل جزئي تحتها "….."

فإذا وجدنا أن الحفاظ على الدين ، أو النفس ، أو النسل ، أو المال ، أو العقل ، في الضروريات معتبر شرعاً ، ووجدنا ذلك عند استقراء جزئيات الأدلة  حصل لنا القطع بحفظ ذلك وأنه المعتبر حيثما وجدناه).

مقصد الاستخلاف

ففي كلية الاستخلاف التي هي أصل الكليات السابقة ، نجد مصالح الفرد ، ومصالح المجتمع ، كما نجد مصالح الإنسانية .. فحفظ الدين ، والنفس ، والعقل ، والمال ، والنسل ، أمور مطلوبة شرعاً .. ولكن كلية الاستخلاف الكبرى التي بعث الخطاب الإلهي من أجل تحقيقها ، لا تقتصر على القضايا الخمسة المذكورة في معظم كتب الأصول ، ولكنها تتعدى لتنبه إلى قضية أخرى في غاية الأهمية ، وسوف لن تتحقق مصالح العباد على الوجه المطلوب إذا لم تراع . وهذا معناه أن النظام المقاصدي القائم ، يحتمل إضافة كليات ، يمكن أن تكون مما دل الشرع على اعتبارها ، وجاء أصلاً للمحافظة عليها ، وفي هذا يقول ابن تيمية – رحمه الله – عن علماء الأصول المشتغلين بفكرة المقاصد:

(… رأوا أن المصلحة نوعان : أخروية ودنيوية ، جعلوا الأخروية ما في سياسة النفس ، وتهذيب الأخلاق ، من الحكم ، وجعلوا الدنيوية : ما تضمن حفظ الدماء ، والأموال ، والفروج ، والعقول ، والدين الظاهر ، وأعرضوا عن العبادات الباطنة والظاهرة من أنواع المعارف بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله، وأحوال القلوب ، وأعمالها : كمحبة الله ، وخشيته ، وإخلاص الدين له ، والتوكل ، والرجاء لرحمته، ودعائه ، وغير ذلك من أنواع المصالح في الدنيا والآخرة ، وكذلك فيما شرعه من الوفاء من العهود، وصلة الأرحام ، وحقوق المماليك ، والجيران ، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض ، وغير ذلك مما أمر به ونهى عنه : حفظاً للأحوال السنية ، وتهذيب الأخلاق ، ويتبين أن هذا جزء من أجزاء ما جاءت به الشريعة من مصالح).

إن ملاحظة شيخ الإسلام تبحث في صميم (النظام المقاصدي)، وكأنه يريد أن ينبه على ضرورة إعادة قراءة مقاصد الشريعة ، ومحاولة إدراج أهداف أخرى دل الشرع على اعتبارها ، حيث رأى أنه من الضروري إلحاقها بالكليات السابقة .. وسواء أكان ما اقترحه من مقاصد يمكن أن يشكل كلية جديدة ، تدرج في عداد الكليات الموجودة ، أو كان داخلاً أصلاً في الكليات القائمة ، ولكن الاشتعال بها كان قليلاً فوجب التنبيه عليها ، فإن الأمر الذي يهمنا هنا هو طلب الاجتهاد ، والدعوة إليه في قضية تبدو أنها اكتملت حلقتها .. وحتى الإمام الشاطبي الذي أدار البناء الأصولي بأكمله على مقاصد الشريعة ، ركز على نفس الكليات الموجودة من قبل.

كلية الكون

إننا ونحن نستقبل العصر العالمي بكل ظروفه ، وموجباته ، نلاحظ بأن الإنسانية بحاجة إلى فهم أعمق لمقاصد الشارع في الخلق ، تلك المقاصد التي إذا لم تعتبر في حياة الناس ، فإن ذلك سيفتح عليهم مسالك المضرات ، والمشقات ، والأهواء التي لا تحمد عقباها في الدارين.

ومن بين المقاصد الكلية الضرورية التي دل الشرع على حفظما واعتبارها (مقصد المحافظة على الكون) بمفهومه الواسع ، الذي يشمل على كل ما سخره الله لخلقه من بحار ،و أرض وجبال ، ومعادن ، وطبيعة .. وآيات التسخير في القرآن كثيرة جداً . فما يحصل اليوم في حياة الناس من جراء التفاعل غير الصحيح مع الكون ، وما تعانيه البشرية من تلوثات ، ومجاعات ، وتهديد بنفاد المسخرات الإلهية – حسب البناء الفلسفي للنظرية الاقتصادية المادية – إنما يعبر عن جهل الناس لمقاصد الشارع الحكيم ، التي دلت على حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل ، كما دلت على حفظ الكون ، فهذه الكلية الأخيرة تؤدي غرضين في موضوع الاستخلاف:

- التسخير المادي وما يشتمل عليه من خيرات هي قوام العمران البشري ، والبناء الحضاري في جانبه المدني والمعاشي..

- التسخير السنني وما يشتمل عليه من آيات ، وسنن ، وقوانين دالة على أنه الحق تبارك وتعالى .. قال عز وجل :

(سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) (فصلت : 53) . فللكون دور أساسي وضروري في هداية الناس إلى الحق تبارك وتعالى . والناس عندما لا يحافظون على الكون ولا يسخرونه كما أمر تبارك وتعالى ، فإنهم سيهلكون ، وما تلوث البيئة الحالي ، الذي يهدد بهلاك النسل ، إلا مظهر من المظاهر الدالة على أزمة عدم المحافظة على كلية الكون ، التي دل الشرع على اعتبارها ، إذ بدون ذلك ستضيع كل مصالح الناس الخاصة بحياتهم

المادية ، والمعنوية.

وهناك توجيه نبوي عظيم الدلالـة في هذا الميدان ، قل ما يدركه الباحثون وهو قولـه ص : (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ).

إن مقاصد الشارع في الكتاب ، والكون والأنفس ، وضعت لتحقيق مصالح العباد في الدارين ، وبها سيحصل الاستخلاف الذي وجد البشر من أجله أصلاً ، كما أنها تمثل أصلاً ، منهجاً تغييرياً مستقيماً على الطريقة .

المنهج النبوي كإطار عملي للمقاصد

من استقراء السنة النبوية ، يتضح بجلاء البعد المقاصدي ، في السيرة النبوية ، فكل ما صدر عنه صلي الله عليه و سلم يقع في دوائر التيسير ، والرحمة ، والعدل ، ورفع الآصار والأغلال ، ويهدف إلى حفظ مصالح الخلق المتعلقة بحياتهم الفردية ، والجماعية ، والإنسانية .. وحياتهم المعاشية ، والروحية .. فمنهجية الرسول عليه الصلاة والسلام المضمنة في أقواله ، وأفعاله ، وتقريراته ، وأخلاقه ، وشمائله ، مصبوغة بالمنطق المقاصدي الهادف.

فكل جهده يجب أن يدرس في إطار مقاصد الشارع .. فاعتماده على منهج التربية ، والتكوين ، والتدريب على الاجتهاد ، والتشاور ، والتفكير ، والتبيين ، والسير في الأرض ، والجهاد ، إنما كانت غايته الأساسية توفير الجو والوسط ، الذي تنمو فيه (العقلية المقاصدية) المتدبرة لخطاب الله ، والتي تسبر أعماق البلاغ الرباني المبين ، وتحمل رسالة القول الثقيل .. حيث كان عليه الصلاة والسلام (مرجعية مقاصدية) توجه الناس إلى الأسرار ، والمقاصد التي حملها التكليف الرباني للخلق.

فعندما نقوم بدراسة سنن نبينا عليه الصلاة والسلام ، وأحاديثه التي حوت أقواله ، وأفعاله ، وتقريراته ، وسائر أعماله ، علينا أن نلاحظ المسحة المقاصدية ، التي لم تكن علماً صناعياً ينكب فيه عليه الصلاة والسلام مع صحابته الكرام على طاولات البحث ، والدرس ، والتحصيل المدرسي ، بل كانت سلوكاً وروحاً ، تسري في عروق الناس ، وتغذي جنين الحضارة برسالة الإنسان في الأرض ، وتريه حقيقة وجود الكتاب ، والكون ، والناس ، وتبين له أن كل شيء وجد ليحقق مصالح الناس في الدارين.

About these ads
This entry was posted in مشروع النهضة الإسلامي, الفقة الحركي. Bookmark the permalink.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s