الداعية الحي

534f6632ab

إنه الداعية المتحرك في كل صوب ، المتقن لدعوته في كل ثوب  إن كان في بيته فنعم العائل والمربي  فإن نزل الشارع وخالط الناس ، وسعهم بدعوته ، فإن ركب وسيلة مواصلات تناثرت بركات دعوته على من حوله من الركب ، إذا دخل مصلحة لم يخرج منها إلا بغنيمة دعوية ، نصيحة يسار بها موظفاً ، أو موعظة يسمعها لسافرة ، أو كلمة معروف يذكر بها من يقف معه في الطابور ، إنه المبارك في حله وترحاله ، كالغيث أينما وقع نفع :

فلا مزنه ودقت ودقها *** ولا أرضاً أبقلت أبقالها

قلب عامر وعقل يثابر ، تقي حفي ، نقي أبي ، نفعه متعد ، وخيره عام ، يتجذر هداه في كل أرض أقام فيها ، تنداح جحافل وعظه كالسيل العرم ، تذهب بكل سد منيع جاثم على قلوب الغافلين ، إذا قال أسمع ، وإذا وعظ أخضع ، دؤوب الخطو ، بدهي التصرف ، إذا اعترضته العوائق نظر إليها شزراً ، وقال : أقبلي يا صعاب ، أو لا تكوني ، محمدي الخلق ، صِدّيقيّ  الإيمان ، عُمَريّ الشكيمة ، عثمانيّ الحياء ، علويّ الصلابة ، فَضليي العبرة ، حنبلي الإمامة ، تيموي الثبات .

إن مظهره متناسق مع وظيفته السرمدية ، هندام نظيف ومتواضع ، وهيئة تقية ، وإخبات غير متكلف ، إذا رآه الخلق ذكروا الله تعالى .

نه لا يساوم الباعة ويلح في خفض الأسعار ، ولا يأنف من إماطة الأذى عن الطريق ، يبتسم في وجوه الناس أجمعين ، ويحفظ حشمته من نزق الطائشين ، وسمود العابثين .

مستعد للدعوة في كل ميدان ، إذا فتشت حقيبته وجدتها مليئة بالحلوى والكتيبات والهدايا الصغيرة غير المكلفة . يصطحب معه في سيره أشرطة الدعاة والخطباء والوعاظ ، بل وأشرطة القرآن الكريم لمشاهير القراء . يحمل معه العطر والطيب دوماً . إنها أسلحة الداعية الحي .

يستخدم الحلوى في التعارف ، والكتيبات في التأليف والوعظ والإرشاد ، والهدايا مع دعوة لحضور محاضرة أو خطبة ، والأشرطة لتكون البديل عن شريط غناء أقنع صاحبه بهجره ، والطيب لإزالة حزازات النفوس ، وتوجس الخائفين من مظهر الدعاة .

فإذا ما رأيته أقبل بوجهه الضحوك ، وسلامه الرونق ( ألفيت كل تميمة لا تنفع )

لقد وقع القلب في شرك هذا الداعية ، واشتبكت القلوب المؤمنة وائتلفت والتقت العيون والمقل  فإذا أدمعُ الخوف من الله تتعرف على نفسها ، حتى إذا ما سكب ذلك الداعية الحي كلمات الود والمحبة في الله ، والتقت إرادة الله بالهداية ، أبصرت الهوى صريعاً في ساحته ، والقلب تتهاوى شهواته وغرائزه أمام هذا السيل الدافق من فيض الإيمان والتقى ، وكأنك بالشيطان رابض ثمة ينادي بالويل والثبور : ويلي ويلي ، قد اختطفه فلان الصالح مني !.

يعتمد الداعية الحيّ على كل الإمكانات المتاحة , ويستغل الظروف لصالحه . لا يلعن الظلام , ولكنه يشارك في إيقاد شمعة , إذا قصرت به وسيلة نزل إلى التي دونها , حتى لو لم يجد إلا لسانه أو الإشارة باليدين لا ستعملهما متوكلاً على الله الهادي إلى صراطٍ مستقيم .

إن الداعية الحي يترقب الفرص , ويسعى إليها ولا ينتظر مجيئها إليه , يباغت المواقف , ولا يكون هو رد فعل لها , لا يترك فرصة لما يسميه الناس الصدف أو الفجأة , بل تراه بدهياً مستعداً لكل موقف بما يناسبه .

من سمات الداعية الحي : جدية أنه يعمل في صمت , ويؤثر العمل الدؤوب على الثرثرة والتفيهق , ليس بالمنان ولا بالمعجب , شعاره بعد سماع الأمر من القادة : علم وسينفذ إن شاء الله , وإذا سئل عن تكليف أنيط به, قال : التنفيذ جارٍ بعون الله , فإذا أتم مهامه . أبلغ المسؤول في صمت : تم التنفيذ والحمد لله ..إنها الجندية في أرقى صورها .

إن الداعية الحي متحرك لدينه , سواء كان مدرساً أو طالباً , مهندساً أو طبيباً , عالماً أو متعلماً , سائقاً أو راكباً , حالاً أو مرتحلاً , أميراً أو مأموراً , رئيساً أو مرؤوساً , زوجاً كان أو عزباً , فقيراً كان أو غنياً , صحيحاً كان أو سقيماً , مبصراً كان أو أعمى , سليم الأعضاء أو معوقاً , في الشارع أو في البيت أو في الجامعة أو في المدرسة أو في الدكان أو في الحافلة أو في الشارع أو في أي مصلحة حكومية , بلسانه ويده ,بنفسه وماله بكله يتحرك للدين وينافح عنه , لسان حاله : { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام:162، 163) وشعاره {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف:108)

21 Responses to الداعية الحي

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    هي سلام اهل الجنة الى الصالحين االمصالحين في كل مكن واقول لهم السلام عليكم ورحمة اله وبركاته واخص بهذ السلام الى زعيم التغير الفكري والروحي والسياسي والاقتصادي الى من غير الدنيا هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسلام الى المجدد في القرن العشرين الامام حسن البناء الذي عاش ععلى هذ النهج الجميل الرقيق الدقيق الانيق واخرج لانا دعوة جميلة اسمها (جماعة الاخوان المسلمين)دعوة قامت في توزان بين العقيدة والربانية والسياسه والفن والاقتصاد وعلم الاجتماع وبين الفرد والمجتمع انه دعوة تكامل وتوحد وجزاك الله خير على هذ الموضوع يا فضيلة الدكتور على هذه الكلمات ورينا فيك التوزان الوقعي
    اخوك في الدعوة/فكري الاغبري

  2. المؤمن الرباني مثل المطر اينما نزل نفع

  3. فاطمة الزهرء علي الشيخ كتب:

    السلام عليكم. مدونة رائعة، وأعجبتني مقالة الداعية الحيّ. إلى مزيد من التميز والتوفيق بإذن الله.

  4. سوزان كتب:

    نحن اليوم احوج ما نكون الى الداعية الحي فلنكن جميعا كذلك

  5. yuosef khan كتب:

    السلام عليكم ورحمته الله وبركاته
    اننى اكتب عبر موقعكم يا د/ابو مروان للوضعى السى ماديه فى هذه الحياه واننى كل مارجوا منكم مساعدتىعبر موقعكم حيث اننى مواطن لا راتب التقاعد ولا سياره استرزق منها ومنزل بلايجار ارجوا منكم مساعدتى عبر موقعكم ولكم جزيل الشكر والله على ماقوله شهيد
    lمعذرة أخى حذفت بعض المعلومات الشخصية وهى معى لمن أراد مراسلتى والحصول عليها لمن يستطيع مساعدتكم

  6. جزاك الله خيرا دكتور ابو مروان ونسأل الله جميعا أن نكون من الدعاة إلى الله بصدق وتقبل اله من ومنكم

  7. محمد عيد جمعة كتب:

    جزاك اللة كل خير واتمنى لكل الدعاة الصالحين ان يصمدوا امام التيارات التى تواجههم واتمنى تواصل صوتهم الى جميع المسلمين وليس فى مصر فقط
    اللهم امين…..

  8. منى محمود كتب:

    الكلام على الأوراق جميل ولكن المطلوب ان نكونه بالواقع ، فالرسول القدوة صلى الله عليه وسلم كان قرآنا يمشى على الأرض ، فما أحوجنا لهذا المعنى……..هدانا الله وإياكم

    دكتور ابومروان

    جزاكم الله خيرا على التعليق والمرور والتذكرة وأرجو أن تطالعوا ارشيف المدونة ففيها برامج تدريبية وعملية كثيرة تحقق هذه الأخلاق

  9. شادي عمر ظاظا كتب:

    السلام عليكم يادكتور أبومروان
    أثلجت قلبي بهذه المقالة الرائعة ورقصت على وزنها أذناي حتى وصلت خطواتها إلى قلبي فجعلته يتهلل فرحاً وإكباراً
    أسأل الله أن يجعل لنا نصيب من هذا الكلام وأن يجزي مؤلفه خيراً
    أكرمكم الله

  10. وفقكم الله وجزاكم ربي كل خيرر مقالة رائعة بماتعنيه الكلمة

  11. محمد فياض كتب:

    وكيف لا وقد اخلص القلب لله

  12. drmohajer كتب:

    مقال اكثر من رائع جزاكم الله كل خير …
    واسمحوا لنا بالنقل …

  13. مروان كتب:

    انا عاوز اعرف ادخل المو قع الانتخابى
    مروان ماجد
    خن

  14. منة الاسلام كتب:

    ما أجمل هذا النوع من الدعاة وما أحوجنااليوم له والعجيب أن المعظم يلقي بمسؤلية الدعوة على غيره ( اللهم انفعنا بما علمنا )

  15. نورالدين ابن العربي كتب:

    اكرمك الله ورعاك استاذنا كلمات رائعة..
    انه الفرد المسلم الايجابي الذي اراد الاسلام ان يكونه وبالفعل تكونت هذه الشخصية الجذابة المؤثرة المتميزة التي تترك الأثر اينما حلت وارتحلت بصمتها واضحة في كل الميادين في الطب والصناعة والفلاحة والسياسة …وفي كل مكان في المصنع والمسجد والجامعة والشارع والبيت ……نعم شخصية بناها الرسول صلى الله عليه وسلم في عهده باتخاذ القرآن منهج حياة ففيه الجمال والعمل فيه الطاعة والعمل فيه الفطانة
    والاحترام كل هذا وإخلاص وتجرد واستعداد بلا ملل …قرأت -سيدي الدكتور- الواقع وصدقت عينك عين داعية وقلبك حي مازال يغترف من حوض الشمائل المحدية ….وقلمك مبدع وواقعي ……شكرا لك وأدامك الله .

  16. العربي بتقة كتب:

    يا له من دين لو كان له رجال …..ويالهم من رجال لو كانت عندهم قيادة؟

  17. ان الداعية الحى هو الضمير الذى احياه الله بنور القران فنال قسطا من هالة ضوئية يمشى بها فى الناس..وبواعث هذة الهالة الضوئية هى جاذبية المشاعر الوجدانية التى تجذب قلوب الناس حوله.ويستشعروا بعظمة الله فتلين قلوبهم وجلودهم من خشية الله فعالى.

  18. نعيمة عبدالله كتب:

    بالله اناشدك يادكتور ان تشرح وتكمل ما بداتة في تفهيم كتب الراشد وخاصة العوائق وبارك الله في امثالكم
    موضوعات جميلة ورائعة

  19. نعيمة عبدالله كتب:

    نعيمة عبدالله من غلسطين كاتبة التعليق السابق الايميل ema

  20. nema_1966@hotmail.com ايميل نعيمة عبدالله من فلسطين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s