الحرية فى المفهوم الإسلامى (موسوعة مصطلحات سياسية)

hole-to-the-sky

حديثنا فى هذه التدوينة عن الحرية فى المفهوم الإسلامى ضمن موسوعة مصطلحات سياسية ومقارنتها بالمفهوم الإسلامى :

الحرية  ضد العبودية  والحر : ضد العبد والرقيق .. وتحرير الرقبة ، عتقها من الرق والعبودية ، فالحرية هي الإباحة التي تمكن الإنسان من الفعل المعبر عن إرادته ، في أي ميدان من ميادين العمل ، وبأي لون من ألوان التعبير ..

وفي المصطلح القرآني ، الذي يقابل بين الحر والعبد (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) (البقرة /178) ومن المأثورات الإسلامية كلمات الراشد الثاني عمر بن الخطاب ، التي يقول فيها "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟!! " .

ولقد كان مبحث الحرية والاختيار أول المباحث التي بدأت بها الفلسفة الإسلامية في تاريخنا الحضاري ، بعد ظهور الإسلام  ودلت ملابسات هذه النشأة على ارتباط "الحرية" بـ "المسئولية" في النظرة الإسلامية ، لأن القضية التي أثارت الجدل فولدت البحث في هذه القضية ، هي التغيرات التي أحدثتها الدول الأموية في نظام الحكم الإسلامي ، والصراعات التي حدثت بين المسلمين حول هذه التغييرات  وهل القائمون بها مسؤولون عنها ؟  يحاسبون عليها  فهم أحرار مختارون ؟؟  أو أنهم غير مسؤولين ؟  كلياً ؟  أو جزئياً ؟  ولا حساب عليهم؟  لأنهم مسيرون مجبرون؟؟.

فنشأ مبحث الحرية – الذي عُبر عنه أحياناً بالكلام في "القَدَر" – مرتبطاً بالمسؤولية  مسؤولية الإنسان .

وإذا كان "التكليف" – وهو عنوان المسؤولية في القانون – - الفقه – الإسلامي – فرعاً عن "الحرية" .. فلقد تجاوزت الحرية – في النظرة الإسلامية – نطاق الفرد – الحرية الفردية – إلى النطاق الاجتماعي – الحرية الاجتماعية – للأمم والجماعات  ففي التكاليف الإسلامية "فروض عينية" على "الفرد" تستلزم حرية هذا الفرد المكلف .. وفيها ، كذلك ، "فروض كفانية" – أي فروض اجتماعية – تجب على الأمة والجماعة – وتستلزم حرية اجتماعية للأمة والجماعة .. الأمر الذي يقطع بتجاوز نطاق الحرية ، في النظرة الإسلامية ، منذ البدء ، نطاق الفرد ، إلى الجماعة والاجتماع ..على عكس ما يظن الذين حسبوا مبحث الحرية والاختيار "فردياً – دينياً" لم يتجاوز هذا الإطار .. فإذا كانت التكاليف الفردية – الواجبة على الفرد – وهي فروض العين – تستلزم حرية المكلف بها .. فإن التكاليف الاجتماعية – الواجبة على الأمة – وهي فروض الكفاية – تستلزم حرية الأمة المكلفة بها .

ونظرة الإسلام إلى الحرية  ومن ثم مقامها فيه  نظرة متميزة  وخاصة إذا كانت المقارنة مستحضرة نظرة الحضارة الغربية وبعض الحضارات الشرقية القديمة إلى هذا الموضوع .

فالحرية  في النظرة الإسلامية  ضرورة من الضرورات الإنسانية ، وفريضة إلهية وتكليف شرعي واجب .. وليست مجرد "حق" من الحقوق ، يجوز لصاحبها أن يتنازل عنها إن هو أراد .

ومقام "الحرية" يبلغ في الأهمية ، وسلم الأولويات ، مقام "الحياة" التي هي نقطة البدء والمنتهى وجماع علاقة الإنسان بوجوده الدنيوي .. لقد اعتبر الإسلام "الرق" بمثابة "الموت" واعتبر "الحرية" إحياء و "حياة" .. فعتق الرقبة ، أي تحرير العبد ، هو إخراج له من الموت الحكمي إلى حكم الحياة .. وهذا هو الذي جعل عتق الرقبة – إحياءها – كفارة للقتل الخطأ ، الذي أخرج به القاتل نفساً من إطار الأحياء إلى عداد الأموات .. فكان عليه .. كفارة عن ذلك ، أن يعيد الحياة إلى الرقيق بالعتق والتحرير؟ ..

(ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة) (النساء/92) .. وبعبارة واحد من مفسري القرآن الكريم – الإمام النسفي (710هـ – 1310م) " .. فإنه –أي القاتل- لما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الحياء ، لزمه أن يدخل نفساً مثلها من جملة الأحرار ، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها ، من قِبل أن الرقيق مُلحق بالأموات ، إذ الرق أثر من آثار الكفر ، والكفر موت حكماً " أو من كان ميتاً فأحييناه .. " ، فالإسلام عندما يهدي إنما يحرر وعندما يحرر فإنه يحقق للإنسان الضرورة المحققة لمعنى "الحياة" وحقيقة الحياة .

وكلمات الإمام النسفي التي تقول : "إذ الرق أثر من آثار الكفر"  تلفت النظر إلى الموقف العملي الذي اتخذه الإسلام  إبان ظهوره من نظام وواقع الرق والاسترقاق .

لقد ظهر الإسلام ونظام الرق – إن في شبه الجزيرة العربية أو فيما وراءها – نظام عام وبالغ القسوة ، ويمثل ركيزة من ركائز النظامين الاقتصادي والاجتماعي لعالم ذلك التاريخ .. وإذا نظرنا إلى المحيط الذي ظهر فيه الإسلام وجدنا الروافد والمنابع المتعددة دائمة الإمداد لنهر الرقيق الزاخر بالجديد من الأرقاء .. فالحروب العدوانية .. والغارات الدائمة .. والفقر المدقع.. والعجز عن سداد الدين .. والحرابة وقطع الطريق .. وأسواق النخاسة التي تعج بالصغار المجلوبين – فتياناً وفتيات- كانت من المعالم الأساسية لكل المجتمعات، حتى لا نغالي إذا قلنا إن الرقيق كان "العملة الدولية" لاقتصاد ذلك التاريخ ؟.

فلما جاء الإسلام  وقامت دولته بالمدينة ، حرم وألغى كل المنابع والروافد التي تمد نهر الرقيق بالجديد .. ووسع مصبات هذا النهر ، عندما حبب إلى الناس عتق الأرقاء، بل وجعله مصرفاً من مصارف الأموال الإسلامية العامة ، وصدقات المسلمين .. وعندما جعل العديد من الكفارات هي تحرير الرقبة .. وعندما سنَّ شرائع المساواة بين الرقيق ومالكه ، في المطعم والمشرب والملبس .. ودعا إلى حسن معاملته ، والتخفيف عنه في الأعمال .. حتى لقد أصبح الاسترقاق – في ظل هذه التشريعات- عبئاً اقتصادياً يزهد فيه الراغبون في الثراء ؟ .

فلم يكن موقف الإسلام من "الحرية" .. وعداؤه "للعبودية"  مجرد موقف "فكري  نظري"  وإنما تجسد على أرض الواقع تجربة إصلاحية شاملة غيرت المجتمع الذي ظهر فيه تغييراً جذرياً .. – وذلك هو الذي يحسب للإسلام  ولا تحسب عليه "الردة" التي حدثت عندما استشرى الاسترقاق ، بعد عصر الراشدين ؟.

لقد وقف التشريع الإسلامي من الاسترقاق عند أسرى الحرب المشروعة، ليبادلهم مع أسرى المسلمين .. بل وشرع لهذه الحالات ، المحدودة العدد "المَنَّ" و "الفداء"  (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناّ بعد وإما فداً حتى تضع الحرب أوزارها) (محمد/4) .

وإذا كان هذا هو مقام الحرية ، في النظرة الإسلامية .. فإن هذه النظرة قد ربطت قيمة الحرية بالإنسان .. مطلق الإنسان .. وليس الإنسان المسلم وحده .. وإذا كان الدين والتدين هو أغلى وأول ما يميز الإنسان .. فإن تقرير الإسلام لحرية الضمير في الاعتقاد الديني لشاهد على تقديس حرية الإنسان في كل الميادين .. فهو حر حتى في أن يكفر ، إذا كان الكفر هو خياره واختياره .. (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (البقرة/256) .. (قال : يا قوم ، أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعُميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟) (هود/28) .. (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟) (يونس/99) .

لقد أراد الله للناس الهدى والإيمان .. لكنه جعل لهم ، مع هذه الإرادة الإلهية ، الحرية والتخيير والتمكين .. فكان انتصار الإسلام للحرية الإنسانية في كل الميادين .

وإذا كانت شهادة التوحيد – لا إله إلا الله – هي جوهر التدين بالإسلام .. فإنها ، في مفهومه ، ثورة تحرير للإنسان من كل الطواغيت ومن جميع الأغيار .. فإفراد الله بالألوهية والعبودية ، هو جوهر تحرير الإنسان من العبودية لغير الله .. إنها العبودية للذات المنزهة عن المادة ، والتحرير – في ذات الوقت – لهذا الإنسان من كل ألوان الطواغيت المادية التي تستلب منه الإرادة والحرية والاختيار .

بل إن الإسلام عندما يدعو الإنسان إلى الاقتصاد في الاقتناء والامتلاك – بتهذيبه لشهوات وغرائز التملك – وبالوقوف بها عند حدود "الاستخلاف" و "الانتفاع" لا "ملكية الرقبة" و "الاحتكار" إن الإسلام بصنيعه هذا إنما ينجز إنجازاً عظيماً على درب تحرير الإنسان .. تحريره من العبودية للأشياء ، التي يحسبها مملوكة له ، على حين أنه لها مملوك .

لكن للإسلام مذهباً متميزاً في "نطاق" الحرية الإنسانية و "آفاقها" و "حدودها" .. فالإنسان خليفة عن الله سبحانه في عمارة الوجود .. ومن ثم فإن حريته هي حرية الخليفة وليست حرية سيد هذا الوجود .. إنه حر ، في حدود إمكاناته المخلوقة له – والتي لم يخلقها هو – هو حر ، في إطار الملابسات والعوامل الموضوعة الخارجية ، التي ليست من صنعه ، والتي قد يستعصي بعضها على تعديله وتحويره وتغييره ، هو حر ، في إطار أشواقه ورغباته وميوله ، التي قد لا تكون دائماً وأبداً ثمرات حرة وخالصة لحريته وإرادته الخالصة .. وإنما قد تكون ، أحياناً ، ثمرات لمحيط لم يصنعه ، ولموروث ما كان له إلا أن يتلقاه .

ثم إنه "الخليفة .. والوكيل الحر" ، في إطار ظواهر الطبيعة وقواها .. ليتحرر من العبودية لها .. فإنه قد أقام ، أو أراد ، إخاء بين قوى الإنسان وقوى الطبيعة ، لتمتزج حريته بهذا التسخير المتبادل .. فهو أخ للطبيعة ، بن قواه وقواها تسخير متبادل ، هو أشبه ما يكون بالارتفاق .. كل مرفق مسخر للمرفق الآخر .. الأمر الذي يجعل الحرية الإنسانية حرية المخلوق .. المسؤول .. لا حرية الذي لا يُسأل عما يفعل .. الفعّال لما يريد .

المصادر

- الإسلام وحقوق الإنسان : للدكتور محمد عمارة – طبعة القاهرة – سنة 1989م .

- المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية : للدكتور محمد عمارة – طبعة القاهرة – سنة 1988م .

About these ads
This entry was posted in علوم سياسية. Bookmark the permalink.

رد واحد على الحرية فى المفهوم الإسلامى (موسوعة مصطلحات سياسية)

  1. اللهم حرر اعناقنا من الرق واجعلنا من الذين يقولون الحق ويعملون له واجعلنا عبيدا لك وحدك يارب العلمين

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s