الهجرة وإستراتيجيات الدعوة

yyyy89 

مقالة مميزة للأستاذ الدكتور حسين شحاتة منشورة بموقع اخوان اون لاين :

تعتبر الهجرة حدثًا تاريخيًّا، تتضمن مناهج إيمانية وأخلاقية وسلوكية وتربوية، كما تتضمن أسسًا اقتصاديةً وإداريةً، ويجب على المسلمين أن يتدبروا هذا الحدث العظيم، ويستنبطوا منه الدروس والعبر؛ لتنفعهم في حاضرهم ومستقبلهم، كما لا يجب أن تكون ذكرى الهجرة مجرد خطب منبرية وخواطر عاطفية؛ لاستثارة العواطف دون الخروج منها بمعالم تساهم في ترشيد الدعوة الإسلامية وتطويرها والنهوض بها.

وتتعلق هذه الدراسة باستنباط الإستراتجيات الإدارية والتنظيمية والتنفيذية من سيرة وذكرى الهجرة، وكيف نطبقها في واقعنا على مستوى البيت، وعلى مستوى المجتمع، وعلى مستوى الدعوة الإسلامية، ونهجر قِصَر النظر، والعشوائية، والتخبط إلى التخطيط المحكم، والتنظيم الدقيق، والتنفيذ السليم؛ لتحقيق المقاصد المنشودة في إطار التوكل على الله.

معنى الإستراتيجيات في الفكر الإداري الإسلامي:

يقصد بالإستراتيجيات كما يراها علماء التنظيم والإدارة في الإسلام: هي الرؤية المستقبلية لأي عمل أو مهمة أو شأن في المستقبل؛ حتى يكون متخذ القرار على بصيرة من أمره عند تحقيق المقصد، وهذا المعنى ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته، فإن كان خيرًا فامضه، وإن كان غيًّا فانته عنه" (رواه عبادة بن الصامت)، والدرس

المستقى من هذا الحديث أنه يجب على مَنْ يُفكر في القيام بأي عمل أن يدرس ويقيِّم النتائج المتوقعة، فإن كانت خيرًا ويحقق المقاصد فيتوكل على الله ويأخذ بالأسباب وينفذه، وإن كان شرًّا أو لا يحقق المقاصد فلا ينفذه، وصدق الله القائل: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14)﴾ (القيامة).

وتتضمن الإستراتيجيات ما يلي:

– تحديد الأهداف الإستراتيجية المنشودة والمشروعة.

– وضع السياسات الإستراتيجية المناسبة للالتزام بها لتحقيق الأهداف.

– إعداد التخطيط الإستراتيجي المحكم لترجمة الأهداف إلى برامج أداء وعمل.

– تصميم النظم والبرامج الإستراتيجية الموضوعية والدقيقة اللازمة لتحويل الخطط إلى برامج.

– إجراءات تنفيذية، باستخدام السبل والأساليب والأدوات المتاحة.

– المتابعة الفعلية وتقويم الأداء للاطمئنان من تحقيق الأهداف المنشودة.

ولقد أُخِذَ بهذه الأركان أو العناصر السابقة في حادث الهجرة النبوية الشريفة، وتحققت المقاصد بفضل التوكل على الله والأخذ بالأسباب المناسبة على النحو الذي سوف نُبَيِّنُه في الفقرات التالية حتى نبرز الأعجاز التنظيمي والإداري للهجرة، ونستفيد منه في وضع إستراتيجيات الدعوة الإسلامية.

الأهداف الإستراتيجية للهجرة:

من دراسة كتب السيرة، يتضح جليًّا أن الأهداف المنشودة من الهجرة كانت كما يلي:
– إقامة دين الله ولا شيء أغلى عند المسلم من دينه، ولا شيء أسمى من رسالة التوحيد، فهي التي عليها نحيا، وعليها نموت، وفي سبيلها نجاهد، وعليها نلقى الله، ولذلك هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجله.

– حماية الجماعة التي آمنت بدين الله عزَّ وجلَّ، وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم من بطش المشركين الكافرين؛ حتى تتمكن من إقامة هذا الدين.

– نشر دين الله، وجعل كلمة الله هي العليا، وكلمة المشركين الكافرين السفلى، وصدق الله العظيم القائل: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)﴾ (التوبة).

– تأسيس الدولة الإسلامية التي تطبق شرع الله في كلِّ نواحي الحياة؛ من خلال المجتمع الإسلامي المتآخي المترابط المتحاب.

– الانطلاق بالإسلام إلى العالم لتكون له الأستاذية باعتباره الدين التام والشامل، وأن رسوله قد أُرسل إلى الناس كافة، مصداقًا لقول الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ(28)﴾ (سبأ).

ومن أجل تحقيق هذه الأهداف الإستراتيجية كانت الهجرة التي أُذِنَ للرسول بها، وهذا أمر مهم وإستراتيجي وعظيم يجب أن توضع له السياسات ويخطط له بحكمة، وينفذ بنظم وبرامج وبأساليب رشيدة على النحو الذي سوف نوضحه في الفقرات التالية.

السياسات الإستراتيجية للهجرة:

– لقد رسم وانتهج رسول الله صلى الله عليه وسلم مجموعةً من السياسات؛ لتحدد له معالم الهجرة منها ما يلي:

سياسة كتم الأسرار، حتى لا يعلم المشركين والكفار أي معلومات عن الهجرة، حتى وأنه قد أخافها لمرحلة معينة عن صاحبه المخلص الأمين أبو بكر الصديق، وعن الذين سوف يكلفون بمهام خاصة فيها، تقول كتب السيرة: "لقد استعد أبو بكر للهجرة إلى المدينة؛ ليلحق بمن هاجر من قبل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي"، فقال له أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: "نعم"، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه.."، ولكن لم يُعْلِم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر بميعاد الهجرة، والنموذج الثاني من كتمان أسرار الهجرة عندما ذهب النبي صلى الله علية وسلم إلى أبي بكر؛ ليبرم معه مراحل الهجرة، قالت عائشة رضي الله عنها: "بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداك له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلاَّ أمر؛ قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "أخرج مَنْ عِنْدك"، فقال أبو بكر: إنما هم أَهْلُكْ، بأبي أنت يا رسول الله، قال: "فإني قد أُذِنَ لي في الخروج"، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم" (رواه البخاري)، ويستنبط من ذلك الموقف كتمان ميعاد الهجرة عن أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر حتى ساعة التنفيذ، وهذه سياسة رشيدة عند التعامل مع الأعداء، ويجب أن يستفاد منها في مجال الدعوة الإسلامية.

سياسة التمويه، لقد مَوَّه رسول صلى الله عليه وسلم خروجه من البيت، ثم غادر هو وأبو بكر من بيت الأخير من باب خلفي، وسلك طريقًا غير طريق المدينة المعتاد، وهو الطريق الواقع جنوب مكة والمتجه نحو اليمن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسير على أطراف قدميه كي يخفي الآثار، وكان عامر بن فهيرة يتبع عبد الله بن أبي بكر عند ذهابه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ووالده في الغار؛ ليزيل آثار الأقدام، ونجحت هذه السياسة في إخفاء محاولة المشركين في العثور على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه، كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام علي بأن ينام في فراشه، وذلك للتمويه على الكافرين، ولردِّ الأمانات، وهذه سياسة يجب الأخذ بها في مجال الدعوة عند التعامل مع الأعداء.

سياسة الاستعانة بالخبراء حتى ولو كانوا من غير المسلمين، لقد استعان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أريقط الليثي؛ ليدله على أفضل الطرق الخفية إلى المدينة باعتباره من الخبراء في ذلك، تقول كتب السيرة: "لقد استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر عبد الله بن أريقط الليثي الكافر، وكان هاديًا ماهرًا بالطريق وَأَمِنَاهُ على ذلك، وسلما إليه الراحلتين، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، وجاءهما عبد الله في المكان والميعاد المتفق عليه، ولقد استنبط فقهاء الإسلام أنه يجوز الاستعانة بغير المسلم عند الضرورة متى كان خبيرًا وأمينًا.

سياسة تحديد وتوزيع الاختصاصات والمسئوليات، لم تكن الهجرة عملاً عشوائيًّا، بل كانت خطة محكمة جدًّا وتنظيمًا دقيقًا، وُزِّعَت فيها الاختصاصات وحُدِّدَت المسئوليات، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يرافق الرسول ويعاونه ويساعده، وهذا علي رضي الله عنه ينام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم للتمويه ولرد الأمانات، وهذا عبد الله بن أبي بكر يأتي بالمعلومات، وهذه أسماء تأتي بالطعام، وهذا عامر بن أريقط دليل الطريق، وهذا عامر بن فهيرة ليزيل آثار الأقدام.. توزيع دقيق للمسئوليات في إطار سياسة رشيدة وخطة محكمة، ولذلك تحققت المقاصد والأهداف بدون ارتباك أو خلل، وهذا ما يجب الاستفادة منه في إدارة شئون حياتنا كلها وفي دعوتنا الإسلامية.

سياسة الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، لقد ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم السبب والتوكل على الله في تخطيط وتنظيم وتنفيذ الهجرة، فلقد أخذ بالأسباب ومنها التمويه، واختيار خبير في الطريق، واختيار أبي بكر للصحبة، وشراء الراحلتين، والتزود بالمعلومات.. وإلقاء التراب على وجه المشركين، وتلا قَوْلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ(9)﴾ (يس)، وفي الغار عندما وصل المشركون إليه وتقطعت الأسباب تمامًا، فَتَتَدَخَّل عناية الله عزَّ وجلَّ ويحفظهما، يقول الله عزَّ وجلَّ في تصوير هذا الموقف: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)﴾ (التوبة). وتقول كتب السيرة: "عندما وصل المشركون إلى باب الغار، يقول أبو بكر: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار فرفعت رأسي، فإذا بأقدام القوم، فقلت يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال النبي: "اسكت يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما" (البخاري)، من ذلك نأخذ الدرس والعبرة وهي على المسلم أن يكون مخلصًا في التوكل على الله، ويتقن الأخذ بالأسباب.

الخطة الإستراتيجية للهجرة وتنفيذها وأساليبها:

لقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم خطةً إستراتيجيةً رشيدةً ومحكمةً؛ لتحقيق الأهداف المنشودة، ومن عناصر (مكونات) هذه الخطة ما يلي:

– التهيئة للهجرة: حيث كان يقابل بعض الناس ممن كانوا يأتون إلى المدينة ويعرض عليهم الإسلام، ثم كانت بيعة العقبة الأولى والثانية، ولقد سجَّل القرآن ذلك، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحا قَرِيبا(18)﴾ (الفتح).

وكان من إستراتجيات الرسول صلى الله عليه وسلم من تلك البيعتين هو تأسيس وطن جديد لاستقبال هذه الدعوة والانطلاق بها وحماية الجماعة المؤمنة، وتلي ذلك هجرة المسلمين إلى المدينة، كما أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سفراء يسبقونه، ومنهم مصعب بن عمير رضي الله عنه؛ للتمهيد لاستقباله ومن آمنوا معه.

– توفير وسائل الهجرة: طلب رسول الله صلى من أبي بكر شراء راحلتين، وتم استئجار أحد الخبراء في الطرق وهو عبد الله بن أريقظ؛ ليدلهما على الطريق، ثم طلب من أبي بكر ليكون في الصحبة: فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم"(رواه البخاري)، كما طلب من علي بن أبي طالب أن ينام في فراشه، وطلب من عبد الله بن أبي بكر جمع الأخبار، وطلب من أسماء بنت أبي بكر إحضار الزاد، وطلب من عامر بن فهيرة السير خلف عبد الله بن أبي بكر بالأغنام ليزيل آثار الأقدام.

– التوقيت المناسب للهجرة: لقد أَوْحَى الله عزَّ وجلَّ إلى نبيه صلى الله عليه وسلم وأخبره بمؤامرة قريش، وَأَذِنَ له في الخروج، وحدَّد له وقت الظهيرة، وذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه في ذلك الوقت، في ساعة لا يظن أحد أن يخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَمَكَثَ في الغار ثلاثة أيام حتى تهدأ الأمور ويأمن الطريق، لقد اختار الله عزَّ وجلَّ لنبيه التوقيت المناسب في إطار خطة محكمة وترتيب دقيق.

– اختيار الطريق المناسب: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه من الغار نحو الجنوب إلى اليمن، ثم اتجه غربًا إلى الساحل حتى سارا في طريق لم يألفه الناس إلا نادرًا بهدف تجنب شر الأعداء.

– اختيار المنزل المناسب في المدينة: لقد أحسن رسول الله المنزل الذي ينزل فيه وهو بيت أخواله ليكرمهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: "أي بيوت أهلنا أقرب"؟ فقال أبو أيوب: أنا يا رسول الله، هذه داري وهذا بابي، قال: فانطلق فهيِّئ لنا مقيلاً، قال: "قُومَا على بركة الله"(البخاري).

* بناء المسجد:

لقد أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء، وهو أول مسجد أُسس على التقوى بعد النبوة، ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا المسجد رسالته على النحو التالي:

– مركزًا لبناء المسلم عقديًّا وأخلاقيًّا وسلوكيًّا.

– مركزًا لانطلاق الدعوة الإسلامية إلى الناس جميعًا.

– مركزًا لإدارة شئون الدولة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

– مركزًا لتخطيط وإدارة الغزوات.

– مركزًا للصلح والتحكيم الشرعي والقضاء بين الناس.

فهل يمكن أن نعيد للمسجد رسالته كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحتى تنطلق الدعوة الإسلامية منه إلى الناس جميعًا، فلا يجوز للحكومات الإسلامية أن تضيق على رواد المساجد وتمنع انطلاق الدعوى منها.

* بناء المجتمع على أخوة الإسلام:

لقد اهتمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم برابطة وعقد الأخوة كأساسٍ للمجتمع القوي السليم المتضامن المتكافل، فقد آخى بين المهاجرين والأنصار، ونزل في ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الأنفال: 72)، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (الحشر).

كما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على العصبية، فلا حميةَ إلا حمية الإسلام، فقد كانت الحروب والحقد والكراهية بين الأوس والخزرج، وبعد الهجرة قويت رابطة الأخوة بينهم وذابت الفوارق، وأصبح المؤمنون كالبنيان المرصوص، وتمكَّن هؤلاء من نشر الإسلام خارج الجزيرة العربية.

* بناء السوق الإسلامي:

كان اليهود يسيطرون على أسواق المدينة، ويحتكرون تجارة المواد الغذائية مثل: الحبوب والتمر والثياب، كما كانوا يتعاملون بالربا، ويستغلون المسلمين ويقولون: "ليس علينا في الأميين سبيل"، وكان ذلك حافزًا وباعثًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُنشئ للمسلمين سوقًا في المدنية.

تروي كتب السيرة: "كانت في المدينة سوق تُسمَّى: "سوق بني قينقاع"، وكانوا يتعاملون فيها بالربا والمقامرة والتدليس والغش والغرر والاحتكار، ويفرض على المتعاملين فيها الإتاوات، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُنشئ سوقًا للمسلمين، فذهب إلى مكان قريب وضرب فيه قُبَّة (خيمة) كبيرة؛ لتكون رمزًا وعلامة يتجمع حولها المسلمون للبيع والشراء، فاغتاظ اليهود من ذلك، وقام كعب بن الأشرف زعيم اليهود وعدو المسلمين بهدم الخيمة وقوضها وقطع أطنابها، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يجعل لهذا التصرف الصغير قيمة، فقال: "والله لأضربن له سوقًا هو أغيظ له من هذا"، ومضى إلى مكانٍ آخر فسيح واشتراه من صاحبه وضرب فيه برجله وقال: "هذه سوقكم لا تتحجروا ولا يضرب عليه الخراج".

وبذلك يكون قد اكتملت البنيات الأساسية للدولة الإسلامية، وهي: بناء المسجد ليكون مقرًّا لها، وإقامة المجتمع المتآخي المترابط، وإنشاء السوق الإسلامية لتكون أساسًا للاقتصاد الإسلامي، وانطلقت بعد ذلك الدعوة الإسلامية إلى كل أرجاء الجزيرة العربية ثم إلى العالم، أي كانت الهجرة بناء دولة وتأسيس أمة.

* تقويم الأداء ومدى تحقيق أهداف الهجرة:

سبق وأن ذكرنا أنه كانت هناك أهداف إستراتيجية للهجرة، ثم رسمت السياسات، ووضعت الخطة، وتم تنفيذها باستخدام أفضل السبل والأساليب المناسبة، وهنا يُثار التساؤل المهم: هل حققت الهجرة مقاصدها المنشودة؟

من تقييم أداء الخطة التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، تكون الإجابة: "نعم" ودليل ذلك ما يلي:

* لقد كانت الهجرة لإقامة دين الله، ولقد تحقق ذلك، ودخل الناس في هذا الدين أفواجًا، وصدق الله القائل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)﴾ (النصر).

* لقد حفظ الله الجماعة المؤمنة الموحدة من بطش المشركين والكفار، سواء في مكة أو في المدينة، وأصبح المسلم يعيش في أمن وسكينة، وصدقت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليتمن الله ذلك الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخشى إلاَّ الله والذئب على غنمه".

* لقد تم بناء المجتمع الإسلامي الموحد، والذي يسود فيه الإخاء والحب والتكافل والتضامن المترابط، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (رواه البخاري ومسلم).

* لقد تم تأسيس الدولة الإسلامية، والتي تحكم بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية في كل نواحي الحياة، الدولة ذات المرجعية الإسلامية القادرة على تحقيق الحياة الرغدة في الدنيا والفوز برضاء الله في الآخرة.

* لقد تم انطلاق الدعوة الإسلامية إلى ربوع العالم، وأظهر الله هذا الدين على الدين كله، وصدق الله القائل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)﴾ (الفتح).

* لقد أتم الله هذا الدين ولو كره الكافرون، وصدق الله القائل: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ (32)﴾ (التوبة).

* دروس وعبر دعوية مستفادة من إستراتيجيات الهجرة:

نخلص من إستراتيجيات الهجرة وبرامج تنفيذها عمليًّا وما أسفرت عنه من نتائج إلى العديد من الدروس التي يمكن الاستفادة بها في الوقت المعاصر للنهوض بالدعوة الإسلامية، من هذه الدروس:

– لا بد وأن يكون لكل داعية إلى الله هدفًا وغاية، وغاية الغايات هي إقامة هذا الدين.

– أن يخطط كل داعيةٍ إلى الله دعوته طبقًا لمجموعةٍ من السياسات المطابقة لشرع الله، ويتجنب العشوائية والارتجالية، وصدق الله القائل: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى﴾ (طه: 123).

أن يقرن كل داعيةٍ إلى الله التوكل على الله بالأسباب، فإن تحقق التوكل الخالص لا ينافى السعي الأخذ بالأسباب التي قدَّرها الله وأمر بها، وصدق الله القائل: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك: 15).

يقوم أي عمل عظيم على التضحية بكل شيء عزيز، فالنصر يحتاج إلى جهاد، وكل جهاد يحتاج إلى تضحية، فلا كسبَ بلا جهد، ولا جهد بلا كسب، يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (60)﴾ (الأنفال)؛ ولذلك يجب ألا نبخل على الدعوة بأي تضحيةٍ مهما كانت عزيزة.

* تقوم الدولة الإسلامية على مقومات أساسية منها: المؤسسات الدينية، والمؤسسات المجتمعية، والمؤسسات الاقتصادية، وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم: بناء المسجد، بناء المجتمع، بناء السوق، وكل هذا مسخر لخدمة دعوة الله.

* الحذر الشديد من اليهود ومكايدهم وكرههم الشديد للمسلمين، فلا يرقبون في مسلم إلاًّ ولا ذمة، يقول الله عز وجل فيهم: ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ (التوبة: 10) فيجب على رجال الدعوة الإسلامية الحذر الشديد من مخططات الصهيونية، وليس ما يحدث في فلسطين منَّا ببعيد.

– الإيمان العميق بأن النصر من عند الله، وإن التزمنا بشرع الله فسوف ينصرنا الله؛ مصداقًا لقوله عز وجل: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ (التوبة: 40) فيجب على رجال الدعوة تجديد النية مع الله.

* ألم يأن أن يكون للدعوة الإسلامية المعاصرة إستراتيجية؟!

من الدروس المستفادة من الهجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له إستراتيجية واضحة المعالم، خَطَّطَ وأعد لها، ونفَّذها حتى تحققت أهداف الدعوة الإسلامية، ونزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية 3)؛ لذلك يجب على رجال ومنظمات الدعوة الإسلامية على مستوى كل قطر وعلى مستوى الأمة الإسلامية أن تكون لهم إستراتيجيات محددة وواضحة بدلاً من أن تكون جهودهم آنية في ضوء الأحداث المستجدة، وبدلاً من أن تكون أعمالهم رد فعل، تكون وفقًا لإستراتيجية، يتعاون الجميع لأن يكون عملهم وفقًا لها.

ألم يأنٍ لرجال الدعوة أن يهجروا التفرق والاختلاف ويعتصموا حول إستراتيجية عامة، ويطبقوا المبدأ الدعوي: "نعمل فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه".

* ألم يأنِ للمنظمات الإسلامية العالمية، أن يكون لها خطة إستراتيجية في الدعوة الإسلامية العالمية نحو الانتقال من منهجية الدفاع عن الإسلام واستجداء الحضارات الأخرى، بأن تكف عن تشويه صورته إلى تقديم الإسلام إلى الناس بعزةٍ وكرامة.

* ألم يأنِ للمسلمين أن ينصروا الله حتى ينتصروا، وصدق الله القائل: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7).

* مقومات النهوض بالدعوة الإسلامية من نهج الهجرة:

يجب أن يكون لدعوتنا:

– أهداف إستراتيجية.

– سياسات إستراتيجية.

– خطط إستراتيجية.

– برامج أداء إستراتيجية.

– نظم متابعة وتقويم وتطوير إستراتيجي.

وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تحققت غاية الغايات، وهي إقامة الدين.

هذا المنشور نشر في تنمية بشرية, دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s