أئمة التزوير وانتقام القدير

مجلس 

بقلم: محمد رجب سالم

بالبلطجة والعدوان، وبالزور والبهتان، كسب النظام الحاكم في مصر جولةً ضد شعبه ورعيته في انتخابات مجلس الشعب لسنة 2.1.م، وبذلك سطَّر صفحة سوداء أخرى، تنضاف إلى سجله الحافل بالقهر والكبت والجبروت، دون خشية لرب الملك والملكوت، وكأنما بات الشعب قطيعًا يسوقه الراعي، إلى الوجهة التي يريد، ومن شذَّ أو خالف فالسياط تلهب ظهره، وترغم أنفه.

إنهم أحفاد الفراعنة الذين قال جدهم الأظلم من قبل لرعيته: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾- (النازعات: من الآية 24)، وقال أيضًا: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية 29).

لقد حبس العالم كله أنفاسه، وهو يتابع مهزلة الديمقراطية التي جرت أحداثها في مصر المحروسة ذات الحضارة التي تربو على السبعة آلاف سنة، فما وجدها غير مأساةٍ وملهاة، وإنها لحقًّا مأساة وملهاة في آنٍ واحد.

أرأيتم كذَّابًا يلبس ثوب صديق، ومدنسًا يرتدي مسوح قديس، وخائنًا يتزي بزي أمين؟!!، إنهم مَن قاموا على هذه المسرحية الهزلية.

إنه النفاق السياسي برذائله وبوائقه، ذكرت أوصاف المنافقين التي حددها رسول الله- صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف الذي رواه أبو هريرة، ويقول فيه: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" وفي رواية أخرى لعبد الله بن عمرو وابن العاص: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".

وقلت في نفس كم هي منطبقة عليهم ومتحققة فيهم تلك الصفات، بل تلك الرذائل، وأدركت أن أولئك الأفاكين يعيشون في الجنة المزعومة للنفاق التي عناها الشاعر بقوله:

ما دمت في جنة النفاق

فاعدل بساق ومل بساق

ولا تقارب ولا تباعد

ودر مع الثور في السواقي

وضاحك الشمس في الدياجي

وداعب البدر في المحاق

ولا تحقق ولا تدقق

وانسب شامنا إلى العراق

وقل كلامًا بغير معنى

واحلف على الإفك بالطلاق

ولا تصادق ولا تخاصم

واستقبل الكل بالعناق

فأي شخص كأي شخص

بلا اختلاف ولا اتفاق

وأي شيء كأي شيء

ما دمت في جنة النفاق

والثمرة المُرَّة لهذا النفاق هي هذه الانتكاسات التي يعاني منها هذا الشعب المهضوم الحق، المحروم من الصدق بسبب ولاة أمر لا تعنيهم إلا مصالحهم الشخصية، وشعارهم في الحياة: "أنا وبعدي الطوفان".

ساءلت نفسي في حسرةٍ وأسى: ألم يطرق سمع أولئك الفراعنة دعاء النبي- صلى الله عليه وسلم- عليهم وعلى من على شاكلتهم: "اللهم مَنْ ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به" (رواه مسلم).

وليس هذا فقط، بل وينتظرهم العقاب الشديد والحرمان من الجنة والرضوان، كما بيَّن ذلك أيضًا سيد الإنسانية، وإمام البشرية في حديثه الذي رواه معقل بن يسار، ويقول فيه: "ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته، إلا حرَّم الله عليه الجنة" (متفق عليه).

تبادر إلى ذهني بيتان من الشعر قالهما شاعر عاش جانبًا من عصر المماليك في مصر، يقول فيهما:

نبكي على مصر وسكانها          فقد خربت أركانها العامرة

وباتت بالذل مقهــورةً           بعد أن كانت هي القاهرة

قلت في نفسي ترى ماذا كان يقول هذا الشاعر المكلوم لو أنه عاش عصرنا هذا الذي ارتفع فيه الأسافل، وساد فيه السفهاء، فضيعت الأمانات، وانتهكت الحرمات، وكثرت الحماقات؟!

أعتقد أن ملكة الشعر عنده كانت ستموت، بل كان سيموت هو نفسه كمدًا وغمًّا، لهول ما كان سيرى من زورٍ وببهتان، وإهدار لكرامة الإنسان.

تنفستُ الصعداء، وأيقنت أننا بحق نعيش في السنوات الخادعات التي أخبر عنها المصطفى- صلى الله عليه وسلم، والتى تنقلب فيها الموازين، وتسود الرذائل، وتنكمش الفضائل، فقد صح عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "سيأتي على الناس سنوات خادعات يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، ويتكلم فيها الرويبضة؛ قيل من الرويبضة يا رسول الله؟ قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة".

إن مصرنا الحبيبة الآن كسفينة تتلاطمها الأمواج، وتتهددها الأخطار، وهي معرضة للغرق والبوار، فهي معطوبة في كيانها، والأنواء شديدة من خارجها، فمن غلاء وبطالة، وقهر وكبت في الداخل إلى تهديد خارجي، بل وتربص وترصد من أعدائها للانقضاض عليها، بينما ساستها الأشاوس وقادتها المغاوير لا يبالون، ولا يأبهون.

إن السفه نفسه ليعجب من أولئك السفهاء الذين ينفقون الملايين لنصرة التزوير، ورفع لواء البهتان، وإسكات صوت كل مَن يقول ربي الله وديني، الإسلام، وشريعة السماء هي الكفيلة وحدها بإحقاق الحق، وإرساء قواعد العدل، في الوقت الذي ينفق الأعداء أموالهم لتقوية أنفسهم، وللصدِّ عن سُبل الله، بل ويصرُّ قادتهم على يهودية دولتهم المغصوبة وإرساء ملكهم على أسس من التوراة المحرفة، والعقيدة الباطلة.

يقول الإمام ابن القيم- رحمه الله: "إن الله لينصر الدولة الكافرة بعدلها على الدولة المسلمة بظلمها".

والواقع خير شاهد على صدق قول الإمام، فهل سمعنا مرة عن تزوير في انتخابات الكنيست الإسرائيلي، أو مجلس النواب الأمريكي، أو مجلس العموم البريطاني؟!

من أجل ذلك: هم يرتفعون، ونحن نسقط، وهم يتقدمون، ونحن نتقهقر، وهم يقوون ونحن نضعف، وهم يسودون ونحن نُستعبد.

إنه الظلم الذي حرَّمه الله على نفسه، وجعله بين عباده محرمًا، إنه الداء العياء، وسبب انتقام رب الأرض والسماء، فلا يغترن الظلمة بحلم الله وإمهاله، فإن وراء ذلك أخذًا أليمًا، وبطشًا شديدًا، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال:

قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)﴾ (هود)" (الحديث متفق عليه).

ولنردد في يقين مع شاعر الدعوة الإسلامية الدكتور جابر قميحة:

أيها الظالمون في الأرض مهلاً = إنّ في الأرض والسّما جبَّارا

فاتقوا اللهَ" إن للهول يومًا = فيه- من ظُلمكم- ستصلَونَ نارا

يوم تبيض من تُقَاها وجوه = ووجوه تسودُّ خزيًّا وعارا

لا تظنوا السلطانَ يبقَى لحيًّ   = خُلقَ الدهرُ قُلَّبا دوَّارا

إن تَرَ اليومَ منهُ أمنًا وودًّا  =    فستلقاهُ في غدٍ.. غدَّارا

فاصبروا أنصار دعوة الحق، وتوقعوا في قابل الأيام مزيدًا من بطش الطغاة، وكيد البغاة، ولكن أيقنوا أن خيوط الفجر سوف تشق ليل الظلم والظلام بقدرة وعون العزيز العلام، وأن يد القدرة الإلهية ستأخذ الظالمين أخذًا لا هوادة فيما ولا رحمة.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).

المصدر

هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s