الخلط بين النصيحة والفتنة (من تراث المهندس حسام حميدة رحمه الله )

المهندس حسام حميدة رحمه الله عز وجل كان من قيادات ورموز جماعة الإخوان المسلمين فى محافظة البحيرة توفى رحمه الله منذ سنوات ولأنه كان صاحب تراث عظيم الفائدة فسأقدم لكم فى هذه التدوينة أمثلة من هذا التراث عبر لقاءات مصورة معه منقولة من موقع تراث الإخوان وهذه المقالة والتى هى درة فى مجالها وهى بعنوان الخلط بين النصيحة والفتنة يقول فيها :

للفتن والملاحم في تاريخ الإسلام مساحات كبيرة ومؤثرة وفقه هذا التاريخ باب من أبواب فقه العمل الجماعي بل ولعله من أروع أبواب الفقه لمن أراد لنفسه السلامة .
وتحديداً هذا الباب من أبواب الفقه  هو ما كان يعنيه الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان عندما قال " كان الناس يسألون عن الخير وكنت أسأل عن الشر مخافة أن يدركني " بل ذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبعد من ذلك ، أعنى أبعد من مجرد سؤال إلى أنه جعل جهل هذا الفقه سبباً من أسباب زوال وانهيار عرى الإسلام .
فقال " تنقد عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية "
ويقول ابن تيمية تعقيباً على مقولة :عمر- رضى الله عنه- .

" هو كما قال عمر فمن نشا في المعروف ولم يعرف غيره لا يكون عنده من العلم بالمنكر وضرره ما عند من علمه ولهذا يوجد عند الخبير بالشر وأسبابه من الاحتراز عنه ما ليس عند غيره ".
ومن درس تاريخ الفتن والملاحم وتعرف على فقه الفتنة يعلم أن ما يمكن أن يطلق عليه علاج الفتنة إنما هو أمر لم نرى له أثراً في تاريخ الفتنة فالفتنة إذا ما وقعت لو قدر الله فإنها تتطور وتفلت السيطرة عليها وكل من تعرف على فقه الفتن والملاحم يعلم أن الوقاية من سلوك الفتنة إنما هو المتاح وصف لا يتربى على فقه الوقاية من الفتن هو صف لم يعرف بعد مواطن الشر التى كان يسأل عنها حذيفة بن اليمان رضى الله عنه .
ومن درس فقه الفتن وتعمق فيه يدرك أن معظم الفتن تمت من فساد دخيلة النفس والقلب و من أعظم الفتن فتنة النفاق والخطر من فتنة النفاق إنما يرجع إلي أثره علي الأفراد داخل الصف لا من حجم وقدرات المنافقين .
فغالبا ما يستغل المنافقين قليلي الفقه و أصحاب النيات الحسنة ولعل حسن النية في إيقاظ الفتنة هو مدخل من أكبر مداخل الشيطان فالعمل الخاطئ لا يصح معه ادعاء صلاح ولا تبرره النية الحسنة والضرر يُزال ويتجنب ولو لم يقصد فاعله الإساءة وكل ناوٍٍ فله ما نوى .
ولقد حدد الحق سبحانه أن ضرر المنافقين ليس في أشخاصهم المريضة ولكن يرجع إلي أثره على أصحاب النيات الحسنه في الصف " لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ً و لأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة و فيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين " [التوبة :-74] .
فمن الدعاة أناس يريدون الخير للدعوة ولكنهم ورثوا سذاجة صاحب السفينة الذي قص علينا رسول الله صل الله عليه وسلم خبره فقال كما في لفظ البخارى " فإن أخذوا على يده أنجوه ونجوا أنفسهم ، وإن تركوه اهلكوه وأهلكوا أنفسهم " .
فكان النعمان بن بشير رضى الله عنه إذا أراد سرد هذا الحديث يقول قبله :" يا أيها الناس خذوا على أيدي سفهائكم "فإذا سرده عاد فقال :"خذوا علي أيدي سفهائكم قبل أن تهلكوا"
و المنافقين علي رأس السفهاء في الصف ومن لا يملك فقه التعامل مع سمات و إلقاءات المنافقين يصنف مع السفهاء قليلي الفقه و خصوصا فقه العمل الجماعي و أن كان من أصحاب المقامات التعبدية فمن المأثور أن فقيه واحد أشد علي الشيطان من ألف عابد .
ويصف صاحب كتاب العواصم من القواصم من قام بفتنة عثمان بن عفان رضى الله عنه بأنهم كانوا :" زهادا عباداً قليل الفقه "
ومن أكبر أبواب الفتنة التى كان روادها الزهاد والعباد قليلوا الفقه كان باب الطعن في الأمراء وأصحاب الفضل و السبق وكل من درس تلك الفتنة علم أن باب تلك الفتنة كان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ذلك الفعل الشرعي والواجب الديني الذي تم توظيفه بواسطة النيات الحسنة وتم تحت ستار ذلك الواجب المقدس اكبر وأعظم فتنة في تاريخ الإسلام والمسلمين .
فلقد كتب عبد الله بن سبا إلى أعوانه يقول :
" انهضوا في هذا الأمر ، فحركوه وابدءوا بالطعن على أمرائكم ، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر "
إذا فالبداية كانت في منهج الطعن على الأمراء وإظهار ذلك في ثوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهذا ما يجب التعامل معه بحذر فقه من أدرك مداخل الفتنة وأبواب الشيطان ، ورحم الله الحسن البصرى عندما قال
" الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم وإذا أدبرت عرفها كل جاهل "
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما :
قال رجل في غزوة تبوك :ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء ،ولا أرغب بطونا ولا أكذب حديثا ولا أجبن عند اللقاء .. فقال رجل في المجلس : كذبت ولكنك منافق و لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم" .
وهكذا نري منهج المنافقين في الطعن في أصحاب الفضل من القراء كما طعنوا في شخص رسول الله –صلي الله عليه وسلم – الممثل لقيادة الصف و هذا ما يحذر منه الحق العاملين في الصف فالنفاق باقي و المنافقين ومنهج فكرهم وممارساتهم ستبقي باقية ما وجد دعاة وصف وقيادة و شيطان .
فنحن لا نرى أن أصحاب الفضل والسبق في الصف ومن تولوا أمرنا أشخاص لهم قداسة أو لهم عصمة من الوقوع في الخطأ أو عدم القدرة على إصابة الحق في مسالة ما .ونحن لا نرى أنهم فوق مستوى المساءلة أو المحاسبة أو تقديم النصح ، ولكن منهج الطعن المستخدم في فقه الفتنة هو ما نحذر منه ومنهج الحكم على صاحب الفضل و السبق والمسئول هو ما يجب أن نتعامل معه بفقه وبحذر.
ففى ظلال ذلك المعنى وضع سعيد بن المسيب بنداً في قانون الجرح والتعديل يقول :
" ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وهو فيه عيب ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه فمن كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله " .
ومن قواعد الشرع والحكمة أيضاً ، أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثيراً ظاهراً فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره ويعفى عنه مالا يعفى عن غيره فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث بخلاف الماء القليل فإنه يحتمل أدنى خبث .
ومن هذا قول النبى  لعمر " دعه فلقد شهد بدراً "
فدل على أن مقتضى عقوبته قائم ولكن منع من ترتيب أثره عليه ما له من المشهد العظيم فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ماله من حسنات و من أدب التغافل ، التغافل عن أخطاء أصحاب الفضل والسبق والإمارة حتى لا يضيع عليك ما معهم من خير وفضل وفي ذلك أثر عن السلف في التعامل مع أصحاب الفضل .
" إذا طلبت الأجمل فاستر ولا تخبر وتخلق بخلق الكرام "
إننا ونحن ندرس اليوم سمات وأساليب المنافقين وندرس فقه الفتن و الملاحم من خلال سورة التوبة مدعوين إلي استدراك ما صنعته فتن الأمس مدعوين إلى الاستفادة من قصة عبد الله بن عكيم وتجربته الصادقة
" لا أعين علي دم خليفة ابدً بعد عثمان "
ويسأل " يا أبا معبد أو عنت على دمه "
فيقول :
" إني لأرى ذكر مساوئ الرجل عوناً على دمه "
فهو يتهم نفسه بجزء من دم عثمان لأنه رأى كيف استغل الرعاع ما قاله نصيحة وكيف طوروه حتى قتلوا عثمان رضى الله عنه فلأصحاب الفضل والسبق والإمارة النصيحة ولكن بأدب النصيحة وفي المجالس المغلقة حتى لا تسوق مثل تلك النصيحة وتتحول إلى فتنة قاتلة .
إن تكون جبهات المعارضة لا تعرفها أخلاق الإسلام ولا يدخل بها الشيطان إلا على صاحب فقه ضعيف ونهج إشاعة النقد للأمراء نهج باطل لا اصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قاله أحد من الأمة ولا أئمتها ولا سلكه داعية عرف عنه الثبات فقيادات الدعوة ليست كراسى حكم يتنازع عليها كما تتنازع الأحزاب الأرضية ولكنها مسئولية ضخمة وإمامة في الدين كالإمامة في الصلاة أي خير يبقى في الصف إذا لم يعرف اللاحق فضل السابق وبأي قيم يعتز الصف إذا لم يقدم أصحاب الفضل والسبق إلى المكان اللائق بهم رحم الله أبو سفيان عندما علق على الإذن لبلال قبله :
" سبق وتأخرنا "
أكرم بها من قاعدة وميزان فمن سبقنا بيوم في ميزانه فضل يوم وعطاء يوم يثقل الله به الميزان يوم القيامة .
قال تعالي :
(إن تصبك حسنة تسؤهم و إن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل و يتولوا و هم فرحون ) [التوبة :50]
يخبر الله تعالي رسوله الكريم –صلي الله عليه وسلم – بعداوة هؤلاء المنافقين له بأنه مهما أصابه من حسنة ، أي فتح ونصر و ظفر علي الأعداء مما يسره و يسر أصحابه ساءهم ذلك (وإن تصبك مصيبة ) أي وإن تصبك في بعض الغزوات مصيبة أي نكبة و شدة نحو ما جري في أحد يفرحوا .
لذلك وضع العلماء شرط هو فضلا عن كونه شرط فقهى فهو نور يكشف لنا عما في الصدور وسؤال يجب ألا نطمس الإجابة عليه بخداع لفظي لأنه يوضح النية الخفية التي قد تخفى حتى على صاحبها فكل من أراد توجيه النصح إلى المسئول أن يضع إجابة هذا السؤال أمام قلبه قبل عقله وهو هل يشعر بألم نفسي بخطأ المسئول أم إنه يجد في صدره انشراح وسرور لذلك الخطأ .

فمن علامات الصدق والإخلاص في نصح المسؤل هو أن يجد أحدهم الألم في نفسه لما أصاب المسؤل من عدم توفيق أو عدم القدرة علي إصابته الحق .
تأمل الفضيل رضي الله عنه هذه النفسية وتلك الممارسة وضرر ما تعكس من فساد قلب صاحبها فيقول
"ان من علامة المنافق أن يفرح إذا سمع بعيب أحد من أقرانه " .
ومن شروط وآداب النصح للمسؤل أن يتمنى صاحب النصيحة أن تكون من غيره وأن يفرح إذا علم أن غيره قد كفاه تلك المهمة ورفع عنه الأمانة وتلك ممارسة توضح حقيقة الإخلاص روي تابعي حال أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فيقول :
"لقد رأيت في مسجد رسول الله صلي الله عليه وسلم اثنا عشر ألف من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم ما تكلم أحدهم إلا ودي أن أخاه قد كفاه الحديث وما أفتي أحدهم إلا ودا أن أخاه قد كفاه الفتية .
وأخيراً يحذر فقه الفتنة وتاريخ الفتنة من أن تتحول النصيحة إلي ماده للنجوى فلقد وجد باستقصاء عام لتاريخ الفتنة أن كل بدعة في تاريخ المسلمين تبدأ بالنجوى . ومن تأمل مجالس المنافقين في غزوة العسرة لا يري إلا مجالس مغلقة وبعيدة عن الصف و القيادة ثم يكون الاستدراج ولا تغير النية الصالحة في طبيعة النجوى أو تسحب عليها ذيل الصلاح فلقد أظهرت لنا التجارب الكثيرة أن معظم التناجي يؤدي إلي الخروج ونكث البديعة ولا يتجاوز أن يكون مرحلة أولية للماشي في درب الفتنة دري أو لم يدري ولا تتجاوز حجة المتناجي أن تكون هي نفسها حجة الخارج كلاهما يدعي أنه يريد مصلحة الإسلام وأنه يمارس ضرباً من العبادة والخطأ يلفهما لفاً .
"لا خير في كثير من نجواهم , إلا من أمر بصدقه أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً" [النساء :
يعقب صاحب الظلال علي تلك المفاهيم التربوية الخالدة فيقول :
"لقد تكرر في القرآن النص عن النجوى , وهي أن تجتمع طائفة بعيداً عن الجماعة المسلمة وعن القيادة المسلمة لتبيت أمراً" .
وكان اتجاه التربية الإسلامية . واتجاه التنظيم الإسلامي كذلك أن يأتي كل إنسان بمشكلته أو بموضوعه فيعرضه علي النبي صلي الله عليه وسلم والحكمة في هذه الخطة هو الا تتكون جيوب في الجماعة المسلمة و ألا تنعزل مجموعات منها بتصورتها ومشكلاتها أو بأفكارها واتجاهاتها وألا تبيت مجموعه من الجماعة المسلمة أمرا بليل وتواجه به الجماعة كأمراً مقرراً من قبل" .أ هـ
فمن سمع أيام الفتن نوع تشكيك أو أتهام أو طعن يقول به الأحاد وعلم أن غيره من الثقات البعيدين عن اللغط لم يسمعوا بهذا التشكيك وأنهم في عافية منه فليستره عنهم فإنه لا يدرى ما عسي أن يعلق بقلوب بعضهم من هذا التشكيك بإغراء الشيطان وليوصل الخبر إلي أميره فحسب .
وعلي هذا الفهم وعلي ضوء ممارسة سفيان الثوري كانت وصيته :
"من سمع بدعه فلا يحكيها لجلسائه ولا يلقيها في قلوبهم"
وللشيطان مداخل كثيرة جداً و دقيقة للغاية وقد يقع فيها الداعية المخلص وممن غاب عنه فقه الفتن فيختلط عليه التناصح الصافي مع التنابذ العدائي والحرص علي الدعوة مع الحرص علي أهواء النفس والعاصم من كل ذلك الالتزام بقواعد العمل الجماعي وأن يكون النصح للمنصوح في السر أحب إليه في العلن وأن تكون استقامة المسؤول أحب إليه من وقوعه في الخطأ وأن يود لو أن غيره كفاه مؤنة النصح فهذه ونحوها من علامات نجاة الداعية من التورط في حبائل الشيطان .
ولذلك كان السلف عموماً علي أشد الخوف من هذا الخلق الذي قد يلبسه إبليس داء النصح والأمر بالمعروف وصاحب القلب الحي يميز هذا عن هذا بوضوح ولكنها الغفلة التي عبروا عنها يقول عبد الله بن عبيد :
"ما أحسب أحداً تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه" .
وأخيراً ندعو مع عمار بن ياسر رضي الله عنه فيما أخرجه البخاري حين قال :
"أعوذ بالله من الفتن" .
وقال ابن حجر في الفتح "فيه دليل علي استحباب الاستعاذة من الفتن ولو علم المرء انه متمسك فيها بالحق لأنها قد تفضي إلي وقوع ما لا يري وقوعه" .
"ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون" [التوبة :-65-] .
فوائد :-1-
(فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله , وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله , وقالوا : لا تنفروا في الحر . قل : نار جهنم اشد حراً لو كانوا يفقهون .) [التوبة :81]
(إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة , وطراوة الإرادة , وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب , وينفرون من الجهد , ويؤثرون الراحة الرخيصة علي الكدح الكريم , ويفضلون السلامة الذليلة علي الخطر العزيز . وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات . ولكن هذه الصفوف تظل في طريقها المملوء بالعقبات والشراك , لأنها تدرك بفطرتها أن كفاح العقبات والأشواك فطرة في الإنسان , وانه ألذ وأجمل من القعود والتخلف والراحة البليدة التي لا تليق بالرجال .) [ في ظلال القرآن ]
(هؤلاء الذين آثروا الراحة علي الجهد – في ساعة العسرة – وتخلفوا عن الركب في أول مرة . هؤلاء لا يصلحون لكفاح , ولا يرجون لجهاد , ولا يجوز ان يؤخذوا بالسماحة والتغاضي , ولا أن يتاح لهم شرف الجهاد الذين تخلوا عنه راضين :
(فان رجعك الله إلي طائفة منهم فاستأذنوك للخروج , فقل لن تخرجوا معي ابدأ , ولن تقاتلوا معي عدواً , إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين .) [في ظلال القرآن]
(ان الدعوات في حاجة إلي طبائع صلبة مستقيمة ثابتة مصممة تصمد في الكفاح الطويل الشاق . والصف الذي يتخلله الضعاف المسترخون لا يصمد , لأنهم يخذلونه في ساعة الشدة فيشيعون فيه الخذلان والضعف والاضطراب . فالذين يضعفون ويتخلفون يحب نبذهّم بعيداً عن الصف في ساعة الشدة , ثم يعودون اليه في ساعة الرخاء . جناية علي الصف كله , وعلي الدعوة التي يكافح في سبيلها كفاحه المرير .
(فقل : لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً.) لماذا (إنكم رضيتم بالقعود أول مرة.)ففقدتم حقكم في شرف الخروج , وشرف الانتظام في الكتيبة والجهاد عبء لا ينهض به إلا من هم له أهل , فلا سماحة في هذا ولا مجاملة : (فاقعدوا مع الخالفين .) المتجانسين معكم في التخلف والقعود . هذا هو الطريق الذي رسمه الله تعالي لنبيه الكريم , وانه لطريق هذه الدعوة ورجالها ابداً.) [في ظلال القرآن]
قال الشافعي : فأظهر الله عز وجل لرسوله صلي الله عليه وسلم أسرارهم – أي أسرار المنافقين – وخبر السماعيين لهم وابتغاءهم ان يفتنوا من معه بالكذب والإرجاف والتخذيل لهم , فأخبره انه كره انبعاثهم فثبطهم ، اذ كانوا علي هذه النية , وكان فيهم ما دل علي أن الله عز وجل امر ان يمنع من عرف بما عرفوا به من ان يغزو مع المسلمين , لانه ضرر عليهم .
قال الشافعي : فمن شهر بمثل ما وصف الله تعالي المنافقين : لم يحل للإمام أن يدعه يغزو معه , لطلبه فتنتهم و تخذيله إياهم وان فيهم من يستمع له بالغفلة والقرابة والصداقة , وان هذا قد يكون اضر عليهم من كثير من عدوهم . ) [ الأم الشافعي]
ويقول ابن قدامة : (ولا يستصحب الامير معه مخذلاً , وهو الذي يثبط الناس عن الغزو ويزهدهم في الخروج اليه والقتال والمشقة , مثل أن يقول الحر أو البرد شديدة , والمشقة شديدة ،ولا تؤمن هزيمة هذا الجيش , واشتباه هذا .
ولا مرجفاً , وهو الذي يقول : قد هلكت سرية المسلمين وما لهم مدد , ولا طاقة لهم بالكفار , والكفار لهم قوة ومدد وصبر ولا يثبت لهم احد , ونحو هذا .
ولا من يعين علي المسلمين بالتجسس للكفار وإطلاعهم علي عوارت المسلمين ومكاتبتهم بأخبارهم ودلالتهم علي عوارتهم او إيواء جواسيسهم .
ولا من يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد , لقوله تعالي : (ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين . لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولا وضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة . ولان هؤلاء مضرة علي المسلمين فيلزمه منعهم .) [المغني لأبن قدامة]
.وهذا من الكلام الحق الذي لا يستغربه المعالج لسياسة الجماعات .
فوائد -2-
قال تعالي :
(سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون ) [التوبة:95]
"لتعرضوا عنهم " أي فلا توبخوهم ولا تعاتبوهم " فأعرضوا عنهم " أي فأعطوهم طلبتهم "إنهم رجس " تعليل لترك معاتبتهم بمعني أن المعاتبة لا تنفع معهم و لا تصلحهم ، إنما يعاتب من يحتمل منه القبول و الرجوع إلي الحق والصواب والتوبة .
ومن ذلك يفهم كم من الوقت والجهد من الممكن أن يبعثر و يضيع بغير نفع لو أن الحركة الإسلامية استغرقت في جدال وحوار مع الطابور الخامس من الصحفيين والإعلاميين و الجهات المشبوه المعروفة بعدائها البين للفكرة الإسلامية أو لعملاء هذه الجهات المنتشرين في أنحاء العالم الإسلامي ، والحل الأمثل لتعامل مع هذه الجهات والهيئات و من يمثلهم من أفراد هو الأمر الرباني (فأعرضوا عنهم ) فليس لهم إلا الترك والإعراض عنهم ، إعراض مقت لا إعراض صفح .وقوله تعالي : (ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون ) هو تمام التعليل فإن من كان من أهل النار لا ينفع معه عتاب ولا دعاء إلي الخير وإقلاع عن الشر .
فوائد – 3-
وفي نهاية العام التاسع توفي عبد الله ابن سلول و تراجعت حركة النفاق في المدينة حتى أننا لم نجد لهم حضوراً بارزاً في العام العاشر ولم يبق إلا العدد الغير معروف إلا لصاحب سر رسوا الله – صلي الله عليه وسلم – حذيفة بن اليمان و كان عمر فيما بعد لا يصلي علي جنازة من جهل حتى يصلي حذيفة بن اليمان لأنه كان يعلم أعيان المنافقين .
و في ذلك ما يؤكد أن النفاق لم يكن في أي عصر حركة منهج أو فكر ولكنه كيان يستمد وجوده و تكتله دائما من هيكل خارجي قادر علي إعطاء تجمع المنافقين ما يحتاجون إليه من عوامل البقاء و التجميع المتمثل في المصلحة أو المنفعة أو حظ من حظوظ النفس البشرية .
ويزول الأثر السلبي لهذا التجمع أو ينفرط بإزالة ذلك الكيان الخارجي الذي قد يتمثل في هيئة أو منظمة أو مؤسسة مالية ، ثقافية ، سياسية .
فكم من طابور خامس من الصحفيين أختفي و تلاشي أثره السيئ في المناخ الإعلامي المضاد بخروجه من دار النشر التي كان يستمد منها فكره أو مصادر دعمه ،وكذلك أعداد كبيرة ممن كان يخدم في هيئات و منظمات معادية ومشبوه ، وكوادر العديد من الأنظمة المستبدة التي اختفت

والآن أترككم مع بعض الأحاديث المصورة للمهندس حسام حميدة رحمه الله وتقبل الله منه عمله :

هذا المنشور نشر في الفقة الحركي, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s