الحركة الإسلامية التركية

c 

صدر حديثا كتاب الحركة الإسلامية التركية.. معالم التجربة وحدود المنوال في العالم العربي تأليف: جلال ورغي
عدد الصفحات: 120 الناشر: مركز الجزيرة للدراسات، والدار العربية للعلوم، الدوحة وبيروت الطبعة الأولى 2010

الكتاب عرض ملخص له فى مركز الجزيرة الدراسات عرض/ عمر كوش وأنقل العرض لهذا الكتاب الهام هنا :

يدخل كتاب "الحركة الإسلامية التركية.. معالم التجربة وحدود المنوال في العالم العربي" في سياق الاهتمام المتزايد التي باتت تحظى به التجربة أو النموذج التركي في المجال الفكري والثقافي العربي، حيث صدرت في الآونة الأخيرة مؤلفات ودراسات عديدة من طرف كتاب وباحثين عرب، تناولوا تفاصيل مختلفة من التجربة التركية وتنامي الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن استقطاب هذه التجربة أنظار واهتمامات قطاعات شعبية عربية واسعة، خاصة في بلدان المشرق العربي، إلى جانب اهتمام النخب السياسية والثقافية العربية.

ويبدو أن اهتمام النخب العربية -بمختلف تياراتها- وتنويهها المتزايد بالتجربة التركية، شجع مؤلف الكتاب جلال ورغي على تبيان أهم مفاصل التجربة التركية التي يمكن للعرب أن يستلهموها، آملاً في تشكيل رؤية نهضوية جديدة تخرجهم من حالة انسداد الأفق والانكسار المستحكمة، وتشيع فيهم حالة من الأمل والعبور إلى المستقبل، وذلك بالرغم من أنه يعي تماماً أن هذه التجربة لم تكتمل بعد، وما زالت عرضة لضربات وهزات متوقعة وغير متوقعة، سواء في العلاقة بالصراع الاجتماعي والسياسي والثقافي الداخلي، أم في العلاقة بالسياسة الخارجية، وما يمكن أن تتعرض له من اهتزازات، خاصة أن تركيا توجد في إحدى أكثر المناطق الملغومة بالصراعات القابلة للانفجار في أي وقت.

ينطلق المؤلف من فرضية تفيد بأن التجربة التركية تبدو في أيامنا هذه، الأكثر قرباً من العالم العربي تاريخاً وجغرافيةً، والأوفر حظاً في أن تلهم العالم العربي معالم تجربة فريدة في النهوض والتنمية.

ويذهب إلى حد القول بأن تجربة التنظيمات العثمانية وما صاحبها من إصلاحات في تركيا العثمانية خلال القرن التاسع عشر، مثلت تاريخياً التجربة الأكثر إلهاماً للعرب في قضايا الإصلاح والنهوض. وتتأهل تركيا اليوم باقتدار لتلعب من جديد دوراً شبيهاً في عالم متغير، قد تكون فيه هذه التجربة أكثر نضجاً وأصلب عوداً من سابقتها، نظراً للتحول في موازين القوى واختلاف الأفق التاريخي بين تلك التجربة وتجربة القرن الواحد والعشرين.

علاقة الدين بالدولة
تستحق التجربة التركية الحديثة والمعاصرة التوقف عندها ملياً بغية إبراز أهم معالمها ومحطاتها ومقوماتها، خاصة التطور والتغير المستمر الذي طال علاقة الدين بالدولة فيها، وبالتحديد علاقة الدولة الأتاتوركية بالدين الإسلامي، ومن ثم تبيان الديناميكية التي ميزت علاقة التيار العلماني بالتيار الإسلامي، وإظهار أهم المحطات المفصلية التي طبعت هذه العلاقة.

وفي هذا المجال، يتناول المؤلف التجربة التركية منذ قيام الجمهورية الكمالية عام 1923، محاولاً إعادة قراءة التجربة الكمالية من منظور جديد ووضعها في سياقها التاريخي، وراصداً تجربة الحركة الإسلامية التركية وأطوارها المختلفة، وما عرفته من ديناميكية في التحول والتطور، وباحثاً في حدود الاستفادة من المثال أو النموذج التركي من قبل المهتمين في العالم العربي.
التجربة التركية تميزت بتقديم رؤية مختلفة لعلاقة الدين بالدولة على امتداد مسارها وتحولاتها، وتوقع الدين في التجربة في العلاقة بالفضاءات الأخرى، بشكل مختلف عن السياقات العربية

ولا شك في أن العلاقة التي طبعت الدولة التركية في نسختها الكمالية بالحركة الإسلامية بمختلف تياراتها، هي علاقة معقدة ومركبة، ومختلفة عن الفهم التبسيطي الذي يصور مسار التدافع بين الطرفين على أنه مواجهة واضحة بين العلمانية التركية والإسلام، كونها أكثر تعقيداً من هذا التفسير الذي ينحو منحى أيدولوجياً ثقافياً ضيقاً، حيث تقدم تركيا في أيامنا هذه نموذجاً حيوياً وفريداً في امتحان واختبار دور الإسلام في الحياة السياسية وتأثيراته في رسم معالم السياسات الخارجية للدول الكبرى.

ويعتبر المؤلف هذا "المنوال" الفريد الذي يشق طريقه بثقة وثبات على طريق مسيرة "ديمقراطية" مميزة، تجربة تطبعها إرادة القيادة السياسية التركية بالتحرك ليس فقط كإحدى القوى الغربية وكقوة أوروبية أيضاً، بل أيضاً بأريحية وسيادة كاملة في اجتراح سياسة خارجية بعيدة عن الارتهان لأي إملاءات خارجية، الأمر الذي مكنها من تحقيق نتائج مهمة في إحدى القضايا الداخلية الملتهبة بسبب أبعادها الدولية والإقليمية، ألا وهي القضية الكردية، ولعبت دوراً هاماً في مجمل قضايا منطقة الشرق الوسط والعالم المحيط بها.

وينظر المؤلف إلى موقع الدين في المشهد التركي الراهن على الصعيد العام والخاص، بوصفه عاكساً للتطور الطارئ على الفكر العلماني الذي وجد نفسه تحت ضغوطات الجدل والحوار الدائر بين نخبة من المثقفين الجدد، خصوصاً بعدما بات التدين حالة عامة، بل ومقبولة حتى في الممارسة الشخصية للعلمانيين، مع الحرص في نفس الوقت على أن لا يتم الخلط بين الإسلام والسياسة، وأن لا يتم الانزلاق إلى الحالة المتوترة التي يشهدها الشرق الأوسط بسبب هذا الخلط حسب رؤيتهم، ذلك أن الأساس الذي يوحد العلمانيين اليوم هو أن لا تتم التضحية بالقيم الغربية التي تشبعوا بها، ولا المصالح التي وحدت بينهم.

ويخلص إلى أن التجربة التركية تميزت بتقديم رؤية مختلفة لعلاقة الدين بالدولة على امتداد مسارها وتحولاتها، وتوقع الدين في التجربة في العلاقة بالفضاءات الأخرى، بشكل مختلف عن السياقات العربية، وبشكل جعله حاضراً بقوة في مسارات التجربة التركية، تحييداً واستدعاء.

صعود الإسلاميين
عرفت العقود الأخيرة في تركيا صعوداً ملحوظاً للتيار الإسلامي بشكل عام، بعدما كان هذا التيار قبيل مرحلة السبعينيات من القرن الماضي مجرد تعبير من عدد من التعبيرات السياسية ضمن ما يعرف بأحزاب وسط اليمين، إلا أنه مع بداية السبعينيات ظهر كحركة سياسية مستقلة بزعامة نجم الدين أربكان الذي سبق أن أسس ما يعرف بحركة "ميلي غورش".

وتعرضت الأحزاب الإسلامية لاختبارات صارمة من طرف النظام العلماني، أفضت إلى حلّ الحزب الذي كان يعبر عنها في كل مرة. ومع ذلك كان الإسلاميون ينجحون في كل مرة في إعادة التعبير عن أنفسهم في حزب جديد بشكل مغاير وجديد، مصرين على حقهم في الوجود والعمل السياسي، لا سيما مع ما أبدوه من مقدرة على كسب ثقة قطاعات مهمة من الناخبين الأتراك.

ويمثل النجاح الذي حققه حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2002 ثم 2007، مؤشراً على القدرة المتصاعدة للحركة الإسلامية، حيث تحول هذا الحزب إلى فاعل أساسي ومحدد في المشهد السياسي التركي بعدما حصد أصوات أكثرية الأتراك، وأكثر من ضعف الأصوات التي حصدها حزب الشعب التركي الذي يقدم نفسه المعبر والحارس الوفي والتقليدي لقيم الكمالية العلمانية. وما يزيد من أهمية ما تحقق في الانتخابات ودلالاته العميقة، أن الحزب الذي حققها لم يكن موجوداً قبل عام 2001.

تبنى حزب العدالة والتنمية بعد وصوله إلى الحكم في تركيا برنامجاً تنموياً إصلاحياً بعيداً عن الجدل الأيدولوجي، وشدد على احترام تقاليد العلمانية والتحرك ضمن الإطار العلماني

وتبنى حزب العدالة والتنمية بعد وصوله إلى الحكم برنامجاً تنموياً إصلاحياً بعيداً عن الجدل الأيدولوجي، وشدد على احترام تقاليد العلمانية والتحرك ضمن الإطار العلماني، وعلى تنفيذ خطوات التحرير الاقتصادي والإصلاح الهيكلي، والاندماج في الإطار الأوروبي عبر فتح الطريق أمام البلاد لاكتساب العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، إلا أن الشكوك والاتهامات ظلت تثار بقوة حول "أجندته الخفية"، وخاصة من طرف النخب العلمانية والعسكر وأصحاب المصالح والنفوذ التقليديين في تركيا.

ولم يلجأ الحزب -رغم خلفيته الإسلامية- إلى تبني برنامج لأسلمة المجتمع، بل منح الأولوية في برامجه لدخول تركيا في النادي الأوروبي، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وإصلاح النظام القانوني، بما في ذلك إلغاء عقوبة الإعدام، وقضايا مثيرة للجدل على غرار قانون منع الحجاب في المؤسسات، والحرص على تحديد دور العسكر في النظام السياسي، وتحويل مجلس الأمن القومي إلى مؤسسة مدنية لا يهيمن عليها العسكر، وتوسيع مجال حرية الإعلام لصالح الأقليات لا سيما الأكراد، والمصادقة على كل مواثيق حقوق الإنسان الدولية.

وأثارت الإصلاحات التي قام بها الحزب مخاوف التيار العلماني، إذ رأى قادة هذا التيار أن الإسلاميين سلكوا إستراتيجية جديدة في "الزحف الإسلامي" تبدو مرنة وغير جذرية في بعض القضايا الحساسة، لا سيما النص الدستوري الذي يجرّم من يهين "القومية التركية" تجنباً للاحتكاك بالعلمانيين.

ويعتبر المؤلف أن هذا الحزب نجح في التعامل مع الدين في إطار يجعله حاضراً من حيث هو غائب في الشأن السياسي التركي، ويعكس ذلك تميز التجربة التركية عن غيرها في التعامل مع الدين، وهو تعامل يتضمن آلية من آليات اشتغال "العلمانية التركية" المستندة إلى اللائكية الفرنسية، ضمن إطار خاص لعلاقة الدين بالدولة يضرب بجذوره في الميراث والتقاليد العثمانية التي "تخضع" الدين لسلطة الدولة أو "تضمنه" ضمن سلطة الدولة.

 

النموذج التركي
يُمكن فحص التجربة التاريخية التركية الحديثة، لا سيما "الكمالية" من منظور السياق التاريخي الذي انطلقت فيه، من فهم أبعاد وخلفيات المشروع "الكمالي" القائم على مجموعة من المبادئ الصارمة المعروفة بالمبادئ الستة، والمتمثلة في اللائكية والجمهورية والقومية والشعبوية (الجماهيرية) والدولانية والإصلاحية، والتي ترمز إلى المقومات الأساسية للدولة.

ووفق هذا المنظور يمكن التخفيف من قسوة الأحكام القاسية التي انطبعت في الذهنية العربية حول شخصية مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك ومشروعه الذي أطلقه عقب إعلان الجمهورية، بما في ذلك منظوره للعلاقة بين الدين والدولة، حيث كانت القناعة راسخة لدى أتاتورك ومن جاء بعده، بأنه لا يمكن حماية الحلم "الجمهورية الفتية" والمضي به بعيداً في ظل الانقسام القومي والديني والثقافي، الأمر الذي استدعى مجموعة من المبادئ كضمانات لحماية "الجمهورية" المؤسسة لتوها.

"
النموذج التركي يشكل منوالاً يجسد فيه الإسلام عاملاً مهما في ديناميكية الحياة السياسية، إلى جانب العامل القومي، وسعي تركيا لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي، بالاقتران مع الدور النشط في قضايا الشرق الأوسط
"

وعليه، فإن التجربة التركية تتميز بمقاربة فريدة ومميزة لقضية من أعقد القضايا التي تلقي بظلالها على الوضع في الشرق الأوسط توترا واستقرار، وهي العلاقة الملتبسة والمثيرة للقلق بين الدين والدولة، وتحديدا بين الإسلام والسياسة، وبالتالي فإن النموذج "التركي" يشكل منوالاً يجسد فيه الإسلام عاملاً مهما في ديناميكية الحياة السياسية، إلى جانب العامل القومي، وسعي تركيا لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي، بالاقتران مع الدور النشط في قضايا وملفات الشرق الأوسط، ووضع طور جديد في العلاقة بالولايات المتحدة الأميركية يتجاوز بالتأكيد العلاقة التقليدية خلال الحرب الباردة وما بعدها.

ويخلص المؤلف إلى أن الحاجة ملحة لاستدعاء "المنوال التركي"، خصوصاً في هذا المشهد القاتم لأوضاع الكثير من الحركات الإسلامية، حيث يبدو النموذج التركي في أيامنا هذه كفرصة تاريخية تساعد في إعادة رسم هذه العلاقة المتوترة بين النخب الحاكمة العربية والنخبة العلمانية من جهة، والتيار الإسلامي من جهة أخرى، وذلك مع استمرار المأزق السياسي العربي المجسد في غياب الديمقراطية

هذا المنشور نشر في علوم سياسية, عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s