التقوى فى الغضب الهاجم (أنوار الفطنة التى تبدد ظلام الفتنة )

w 

أواصل معكم هذه الرحلة الممتعة للقلب والعقل فى كتاب الشيخ الراشد الأبرز العوائق ونواصل مع الشيخ أنوار الفطنة التى تبدد ظلام الفتنة وكنا توقفنا عند التناصح والتغافر ويكمل الراشد أهمية التغافر وخاصة فى إعادة من أثرت فيه الفتنة فابتعد عن الصف يقول الراشد :

دليل ماهر رفيق، عالم بديار آبائه وأجداده وشعابها، بينا هو يمشي معه سلاحه، في ليلة غياب القمر، بعيدًا عن العمران: رأى تائها هائما في الظلام، لا يميز معاني مواقع النجوم، أيتركه يهيم بين يدي الذئاب؟ فكذلك الداعية المجرب الذي لقنه المحنكون أصول الدعوة، ينكسر قلبه شفقة ورحمة كلها رأى هائما في ظلمات الفتنة بين يدي أصحاب المطامع والأغراض فيؤمنه ويوصله أهله، ويؤنسه أثناء الطريق بدروس في مواقع النجوم وأبراج السماء ودلالتها على الجهات كي لا يضل ثانية، ويوصل غيره لو رآه تائها.وأنوار الفطنة هذه هي:

الكواكب الدراري في سماء الدعوة، تزداد بريقا ولمعانًا كلما زاد الظلام لتزيل وحشة المنفرد وتهدي التائه الطريق.

و للتغافر الذي أصر عليه ابن السماك وتنوعت له ألحان الشاعر: أهمية خاصة كأهمية نجم قطب الشمال بين نجم السماء، فان الكثير من حوادث نكوص الدعاة ترجع إلى فلتة لسان أو هفوة تعامل لم يغتفروها، والغفران منهم قريب. أو إلى ظن يتوهمون معه حصول تعد تجاههم أو تقصير، وتمحيص الأخبار أو طلب التعليل منهم أقرب ولو أنهم عتبوا بلسان خفيض نم غير استفزاز لكان خيرًا لهم، و لوجدوا من يثني على طيبهم كثناء الشاعر على أصحابه حين أسر عتبهم قلبه فقال:عتبتم فلم نعلم لطيب حديثكم


أذلك عتب أم رضى وتودد؟ وأظهر من ذلك خيرًا لو قدم المستعتب بين يدي عتبه مقدمة تفسير، فيطمئن صاحبه أنها جلسة تصارح و تغافر، لا معركة تناحر، وأنه يريد أن يفرغ ما في صدره أمام كفؤ له وحبيب، ترويحا للقلوب، وقطعا لمحاولات الشيطان، لا التماسا لسبب هجر، ولا تفكيرًا باتهام ثم كم هي إيمانية هذه الجلسة، وكم روحانيتها لو ختما بخاتمة ابتسام يقول معه لأخيه.

قد قضينا لبانة من عتاب وجميل تعاتب الأكفاء ومع العتب والعتاب فإني حاضر الصفح واسع الإعفاء

فهو تعاتب أحباب، يؤتي لجماله، وإكرامًا للذي يتوجه إليه العتاب، ليس فيه نوع انتصار للنفس، وقبول العذر بعده يكون أدعى و آكد وأحرى بالتقديم.

فعذرك مبسوط لدينا مقدم وودك مقبول بأهل ومرحب ولست بتقليب اللسان مصارما خليلي إذا ما القلب لم يتقلب

وهذا هو المهم المهم أن القلب لم يتقلب تقلبا دنيويا تحركه الأهواء، وإنما كان يعتقد ما تمليه مصالح الدعوة فيصيب ويأتي الخطأ، ولاجتهاده المصيب أجر بعد أجر، وأما الخطأ فينتظره تغافر بين الإخوان، وغفران من الله أكبر.

فإذا عرفت السالك يسر التغافر، وغلظة الظلام: طمع واندفع نحو:

نور خامس شعاعه: التقوى في الغضب الهاجم

فلا يتكلم إلا حقا صدقا، إذ: (يروي أن الفتنة لما وقعت قال طلق بن حبيب: اتقوها بالتقوى..)

فهي دواء عام يوصف لكل أعراض الفتن، ولكن خصص بكر بن عبيد الله المزني مذهبين من مذاهب التقوى المتعددة لأصحاب الدرجات العالية، فقال:(لا يكون الرجل تقيا حتى يكون تقي المطعم، وتقي الغضب)

فالداعية المرتقي لا يكمل إلا بأن يكون غضبه لله، فإن كان: وصل إلى قمة أحمد بن حنبل، وشاركه في الفخر باعتلائها، فإنه كان:(يغضب لله ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، فإذا كان في أمر من الدين: اشتد غضبه حتى كأنه ليس هو

وإنما تتحقق هذه الصورة بإلجام اللسان، فلا يدعه حرًا، وازنًا كل كلمة يفوه بها، ألا يتهم بريئا أو يحتج يظن مجرد أو يستنجد بسخرية وتنابز، فيقطع المحسن إحسانه بسببه، ويعتزل العزيز.

وذو التجربة يعرف ما يكمن في الكلام وطبائع نبراته من إمكانات الإصلاح والإفساد، فيتعود الحذر، ويدقق في وزن حروفه، إذ هاهنا يظهر الورع، فليس غير النادر الشاذ من الناس يستعمل يده ورجله للبطش والأذى، لكنه اللسان اللسان الذي أشار إليه عمر بن الخطاب فقال:(لا يعجبنكم من الرجل طنطنته، ولكنه من أدى الأمانة وكف عن أعراض الناس فهو الرجل) طنطنة التفاخر و التفيقه، وأمانة الدعوة، وأعراض الدعاة العاملين.

ولذلك قال يونس بن عبيد:(يعرف ورع الرجل في كلامه إذا تكلم).

وباللسان الطاهر: سبق من سبق، وتقدم أبو بكر بدر بن المنذر المغازلي الزاهد صحبه بمراحل، فقال الإمام أحمد:(من مثل بدر؟بدر قد ملك لسانه)ملكة وسيطر عليه، وتصرف فيه كيف شاء الورع لا كيف ينطلق الهوى.

وسئل إبراهيم الخواص الزاهد عن الورع ما هو؟ فقال: ( أن لا يتكلم العبد إلا بالحق، غضب أو رضي) فجعله كل الورع.

لا يعني بذلك نفي صورة أخرى للورع، وإنما راعي حاجة السائل وطبيعة الظرف التي راعاها النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث:(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)

نور سادس، مصدره:وزن المسلم بحسناته وأخطائه معًا

فنذكر لصاحب الهفوة المستفزة صوابه الذي قد يطغي عليها، ونرى للأميري المجتهد بذله وتاريخه وسابقاته المنتجة وعطاءه المستمر إذا خالفناه في مذاهبه.

والذي يتأمل الأعمال الجماعية يدرك أن معادن الرجال إنما تستبين في المواطن الحرجة التي تستدعي الفقه والقلب المؤمن، وبمواقفه فيها يرجح ميزانه إلى إحدى الكفتين: الجداره أو الضعف، كمواطن الخلاف العارمة التي يطيش خلالها التعامل، والعذاب والمحن التي لا يصبر لها إلا ملئ الهمة، ومواطن الأغراء وتسهيل كسب الأموال والمناصب التي لا يفضل الانغماس في أعمال الدعوة اليومية عليها إلا من يطل ببصره على جنان عريضة. أما الزلات العادية، و اللمم، والحرف الغاضب، والنبرة المنفعلة، وكسل يومين، فلم يبرأ منها أحد، ولا يكاد.

والشريعة كلها قد بنيت على مراعاة هذا التكافؤ، واعتبار هذه القاعدة في الترجيح، ورب الناس يزن بهذا الميزان يوم القيامة، ولكن البعض ينسى.

فمن أراد إتقان أدب الإسلام في الجرح والتعديل: عليه أن يعلم أن: (من قواعد الشرع، والحكمة أيضًا، أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل لغيره، ويعفي عنه ما لا يعفي عن غيره، فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل، فإنه لا يحتمل أدنى خبث.

ومن هذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمر: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". وهذا هو المانع له -صلى الله عليه وسلم- من قتل من جس عليه وعلى المسلمين وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم، فأخبر -صلى الله عليه وسلم- أنه شهد بدرًا، فدل على أن مقتضى عقوبته قائم، لكن منع من ترتب أثره عليه ما له من المشهد العظيم، فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات.

ولما حض النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصدقة، فأخرج عثمان رضي الله عنه تلك الصدقة العظيمة قال: ما ضر عثمان ما عمل بعدها)

إن سمت التشدد، وطلب الصفات المتكاملة، إنما يجب للقادة والمربين، وأما ما دون ذلك فإن العمل الإسلامي ينتفع من كل إمكانية خير مهما ضمرت وصغرت، ويدير في فلكه كل متعاطف مهما أقلته العيوب التي لا تعود بضرر على مجمل الدعاة.

وأولى لنا وأصوب أن نقتدي بعائشة رضي الله عنها في إنصافها، وبتلميذها سعيد بن المسيب لما أسرع فهم طريقتها فأوجزها وصاغها بندًا في قانون الجرح والتعديل الإسلامي فقال:(ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه: وهب نقصه لفضله)

فإذا رسخ فيك خلق الإنصاف، ووزنت غيرك بصوابه كما تزنه بأخطائه: كنت أهلا لأن يصارحك أميرك في أمر لعلك تنساه، كما صارح ذاك الخليفة القوى الحجة من الخلفاء المسلمين الأوائل جيل المسلمين الذي حكمه فقال:(أنصفونا يا معشر الرعية. تريدون منا أن نسير فيكم سيرة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر وعمر)

ونقول لك كالذي قال:أنصف أيها الداعية، وكن عادلا واقعيا، فإنك تريد من القادة إنجاز لعله الآن في مثل صعوبة فتوح أبو بكر وعمر، وأنت لا تهب دعوتك ما وهبه جند أبي بكر وعمر…!

تجمع الأموال، وتخشى الفقر، وتطيل سمرك مع زوجك، وتعطي الدعوة فضول الأوقات، ثم تريد أن ترى المعجزة.

كلا، كلا…

بل شرط بشرط.

من أراد أميرًا كأبي بكر… فليكن كخالد وكسعد.

ثم ليس أبعد من ذلك، فإن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يطقها أبو بكر نفسه، بل قال:

(أيها الناس: لوددت أن هذا كفانية غيري، ولئن أخذتموني بسنة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- ما أطيقها، إن كان لمعصومًا من الشيطان، وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء)

ولئن أخذنا القادة بسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- ما يطقونها، ولكن لنا عليهم الحرص كل الحرص على تحري الأصوب والأصلح، وبذل المجهود في تحري المنافع للمؤمنين.

هذا المنشور نشر في الفقة الحركي, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s