دوائر الاهتمام (من كتم دائه قتله 2)

frustration

نواصل عرض موضوع من كتم دائه قتله للأستاذ أديب الصانع والذى وضعه منذ سنوات فى منتدى الملتقى وف هذا الجزء يتعرض لدائرة الاهتمام يقول :

كنت مرة في زيارة لأختي  ابنتها الصغيرة منهمكة جدا في إصلاح لعبتها وقد بدت عليها علامات الغضب حتى وصلت لحد البكاء لعدم جدوى الإصلاح  ظهر أخوها الذي يكبرها بسنوات متعجبا من بكائها على هذا الأمر التافه ولكنه كان غاضبا لأن دراجته الهوائية قد تعطلت وهو يبحث عن أبيه ليدفع له أجر إصلاحها  فهرع إلى أخيه الأكبر الذي بدوره لم يلتفت إليه فقد كان منهمكا في إصلاح اللاقط فاليوم هناك مباراة مهمة في الدوري الإسباني وكان متوجبا عليه تشجيع فريقه !!! …
جاء الأب متعبا من عمله فاجتمع عليه أبناؤه المصلحون يشكون همومهم ويبثون شكواهم من العيوب التي لحقت بهم من اللعبة حتى اللاقط
سخر منهم لهذه الاهتمامات فهو منزعج جدا وغير متفرغ لسماع هذه الشكاوى فقد جاءه إنذار في العمل وقد قرر إصلاح عيبه بعدم التغيب من غير إذن بعد اليوم  لم يكترث أبناؤه لهذا الكلام فعندهم من الهموم ما يصرفهم عن التفكير في هذا الأمر
كل منا كذلك  يعيش في دائرة اهتماماته  ويعطيها قلبه وحياته

وعندها لا تعجب حين ترى أهل الآخرة يسخرون من اهتمامات بعض الخلق فهي عندهم مثل تلك اللعبة بالنسبة للأب ولا تعجب كذلك حين ترى انصراف الخلق عن الاهتمامات العليا فدوائر اهتمامهم أقل من أن تصل لهذا المستوى
وهذا ما قرره القرآن إذ وصف الحياة الدنيا باللعب واللهو . ووصف بعض الناس بأنهم اتخذوا الدين لعبا ولهوا!

لا يتحرك الإنسان إلا لشيء مهم عنده  ولا يضحي إلا لشيء مهم عنده  ولا يطور نفسه إلا في الأمور المهمة عنده … وكذلك لا يسعى للتخلص من العيوب إلا في دائرة اهتماماته …
جاءني شاب تظهر عليه علامات التعلق بصديق له  وقد سألني عن طريقة التخلص من العيوب والأخطاء … وقد كان مهتما جدا لدرجة البكاء
وأنا أعرف في دواخلي أنه لا يبكي إلا على صديقه الذي جفاه ولقد حاولت أن أفهمه أن المشكلة الأساسية عنده تكمن في أنه يعيش في دائرة خاطئة هي أساس همومه.
أول شيء أود أن أقوله لك أنه لا يكفي كونك تبحث عن عيوبك أنك في طريق صحيح قبل أن تحدد أين أنت وما هي دائرة اهتماماتك وحتى أصل معك لما أريد من خطورة هذا الأمر لا بد من عدة قواعد تمهد للمطلوب :
الاهتمام ثمرة
نعم هو ثمرة واحد من ثلاثة أمور الحب  الخوف  الرجاء
فالذي يحب شيئا يهتم به وعلى هذا سر شاب يقف أمام بيت محبوبته تحت المطر لمدة ساعة  فلم يكفه الهاتف ولا بد من اللقاء وإذا دققت الفكر ستجد أن هذه المحبوبة في رأس اهتمامات الشاب والسبب هو (الحب)
جاءني شاب يريد أن يتقدم للعمل في إحدى دول الخليج يمسك طلبه بيده قد شد أمره ينظر إلى ساعته بين الفينة والأخرى فالأمر جلل ولا بد من إتقان المقابلة بكل تفاصيلها (الموعد – اللباس – وحتى أدق التفاصيل)  سألني بلهفة وقد اتسخ طرف ورقة الطلب هل هذا يؤثر على المقابلة فضحكت منه وتذكرت أولياء الله الصالحين وكيف يدققون في علاقتهم مع الله سبحانه وتعالى
فما الذي دفع الشاب لهذا الاهتمام الدقيق إنه (الرجاء والخوف) فهو يرجو الوظيفة ويخاف زوالها بفشل المقابلة
الله أو النفس
قيل لحمدون ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا قال : لأنهم كانوا يتكلمون لعز الدين والرغبة في الآخرة ورضا الله  ونحن نتكلم لعز أنفسنا والرغبة في الدنيا ورضا الخلق
هي دوائر ستة كل اهتمام يندرج تحتها  وأنت تعيش في واحدة منها وبعضهم قد فرخ في الثلاثة الأخيرة وباض وهو لا يدري …
ونحن بدورنا سنقلل دوائر الاهتمامات لتصبح اثنتين بدلا من ستة
فالذي يعمل لمرضاة الخلق فهو في الحقيقة طالب لجلب منفعة أو دفع مضرة سواء كانت مادية كالمال أو معنوية كالجاه  ولذا فطلب الخلق في حقيقته هو سير وراء شهوات النفس ولذا يمكن دمج دائرة الخلق في دائرة النفس
وكذلك الذي يسعى لشهوات الدنيا إنما يطلب ذلك بدافع من شهوات نفسه وإلا ما الذي يدفعه لهذا السعي  ولذا نقرر بكل راحة أن دائرة الدنيا والنفس هما وجهان لعملة واحدة إلا أن الدنيا هي مكان تواجد الشهوات والنفس هي طالبة هذه الشهوات ولذا تجد القرآن الكريم يركز كثيرا على هاتين الدائرتين والتحذير منهما.
وملخص القول ان الدوائر السلبية كلها تجتمع في دائرة واحدة هي دائرة النفس
وكذلك لو دققنا النظر في الدوائر الإيجابية سوف نجد أن جميع الدوائر تلتقي تحت مظلة واحدة هي دائرة الاهتمام المتعلقة بالخالق سبحانه … فالآخرة هي فضله وجزاؤه وكذلك عز الدين هو أمره وطلبه … والآخرة لن ينالها الإنسان إلا برضا الله … وكذلك عز الدين لن يندفع له الإنسان إلا إذا انبثق عن تعظيمه لأمر الله سبحانه(هذا إن كان يسير سيرا صحيحا)
وعليه فالدوائر اثنتان الله أو النفس وانت في واحدة (فأين أنت؟)

ويأتى السؤال الهام كيف أعرف دائرة اهتمامى يقول الأستاذ أديب صانع فى موضوعه من كتم دائه قتله :

هناك ثلاث دلائل تعرف بها دائرة اهتمامك ؟

كثرة الحديث
ومن أحب شيئا أكثر من ذكره  راقب الشخص حديثه تعرف من هو والإنسان بطبعه يتكلم عن الأشياء التي تتملك قلبه اهتماما  فهذا أحد أفذاذنا يأتي النبي ويقول  دلني على عمل يدخلني الجنة  وآخر يقول : أسألك مرافقتك في الجنة  وأما الأعراب المبتدئون فحديثهم : اعطني من رزق الله الذي أعطاك  ولهم في عصرنا أشباه  ولا تعجب من دعاة لله لا يتكلمون عن الله في حديثهم سوى كلمات خجلة ونادرة لا ترقق قلبا ولا تنقذ غريقا.
وأما الحديث عن الآخرة فمفقود منذ زمن  وقد لا نتعجب عندما لا نسمع هذا ممن شغلتهم الدنيا  ولكن تصيبك الدهشة عندما تكتشف ان هذه هي السمة البارزة لمن يدعون للآخرة  وقد يتعذر بعضهم فيقول شغلتنا الوسائل عن الغايات وفي كل خير وهذه مراوغة وسيأتي تفصيلها لاحقا.

الاستغراق والتفكير
فالذي يشغلك هو الذي يشغل تفكيرك والنبي صلى الله عليه وسلم بقي مستغرقا في الله والدين حتى قرن الثعالب  ونبي الله إبراهيم كانت دعوته التي تستغرق قلبه (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي)  ونبي الله يعقوب حين جاءه الموت ظهر استغراق قلبه على فلتات لسانه قائلا (ما تعبدون من بعدي؟)
ولي سنوات أرى بعض الناس مستغرقين في هم كبير فأسألهم عنه فيكون الجواب متعلقا بدوائر سخيفة أعجب من انحطاط الناس لها  وها قد عدت لك فما الذي شغلك هذا اليوم واستغرقت فيه ؟ انظره تعرف أين أنت!

الفرح والحزن

وحتى أدقق عليك المحاسبة فاكتب في كراسة المحاسبة
كم فرحت اليوم وكم كان منها لله وكم حزنت اليوم وكم كان منها لله  وكم غضبت اليوم وكم كان منها لله … واكتب في قائمتك الأمور التي تفرح لها فرحا حقيقيا ثم انظر في أي دائرة هي ولا شك أنك ستكون معها في نفس الدائرة

الإتقان
والإتقان أمر مطلوب في كل شأن وهو مع ذلك كاشف مهم لاهتمامات الشخص فأي أمر تتقنه فهو من اهتماماتك  وأي امر تتساهل في إتقانه فهو هامشي عندك حتى لو ادعيت أهميته (فكيف حال الصلاة معك؟) والناس في أمر الدنيا متقنون ماهرون وفي أمر الدين متهاونون متساهلون فحديث الإتقان (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) خاص بأمور الدنيا وأما الآخرة فإن الله غفور رحيم
وها أنا أزيد في كراسة محاسبتك السؤال التالي .. ما هي الامور التي تهتم بإتقانها وتنفيذها على أكمل وجه  هذه اهتماماتك!!

النشاط
وما أجمل الشاب إذا كان نشيطا وكم هو تعيس إذا كان العجز والكسل ديدنه .. والصحابة وصلوا مشارق الأرض ومغاربها في سنوات وأحدهم تراه عاجزا في صعود درج لمستشفى تظهر عليه سمات الكسل وقلة الفاعلية …
ولقد جاءني شاب يشكو من الإمام طول صلاته ثم رأيته بعد أيام فرحا مسرورا فقد قرر صاحب المطعم ان يزيد عمله ثلاث ساعات بزيادة في راتبه
المهم في موضوعنا انه بإمكانك ان تعرف اهتماماتك من خلال الأمور التي تنشط لها … فحددها بدقة لتعرف في أي الدوائر أنت
الدعاء
هو العبادة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم … وهو بالوقت نفسه يكشف حقيقة همك … وقد كان يقول لنا احد شيوخنا ان السجدة كاشفة .. ونحن لا نمنع الدعاء في امور الدنيا (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) … ولكن ألا تستشف شيئا من شخص لم يدع الله أن يدخله الجنة إلا نادرا .. أو أن يعز الدين إلا مرات قليلة ومعظم تضرعه في المال والعيال .. الحقيقة أن أمر الدعاء من الأمور الكاشفة المهمة لاهتماماتك فزده في دفتر المحاسبة
والآن لن أكتب أكثر من ذلك  حتى أفسح لك المجال لتتحسس حقيقة اهتماماتك والأمور التي تعيش من أجلها … ولتعترف بجرأة وحزم أمام نفسك (من أنا وما هي حقيقة تديني والتزامي وما الشيء الذي أعيش من أجله)

هذا المنشور نشر في سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s