حب في الطابق الرابع

ikh3x بقلم: علي السيار

في الفندق في الدور الخامس قبالة المسجد النبوي الشريف، قابلني بابتسامته المشرقة التي تدعوك إلى الحياة..

سألني عن اسمي، فلما لاحظ امتلاء جسمي ابتسم، وقال: ما شاء الله اسمك يدل على أنك تمشي كثيرًا..

كانت المرة الثانية في حياتي التي أقابله فيها، كنت أسمع عنه الكثير، وكنت ألتهم كتبه التهامًا.. أمسك يدي بيده شعرت بها دافئة حانية..

الرجل السبعيني هو الذي طلب لنا المصعد، فنزل من الدور الأعلى وبه 4 من الشباب من عمان أو البحرين، ابتسم لهم جميعًا، وصافحهم، ودخل معهم في حوار خاطف سريع، لم أنتبه لدهشتي من اللقاء لتفاصيله، إلا أنني أتذكر أنهم قالوا له "والله أحببناك يا شيخ يا ليت تزورنا في غرفتنا بعد العشاء"..

بوجهه الطلق البشوش السمح..

بذياك البريق المتدفق من عينيه المؤمنة..

بعزيمته الكبيرة التي لا تحدوها حدود ولا يعوقها عائق..

بطريقة مصافحته بيده الحانية التي تقطر حبًّا وحنانًا..

بصوته العميق الدافئ المقبل على الحياة من كل صوب..

أوصل الحاج عباس السيسي- رحمه الله- رسالته في دقائق معدودة، إنها رسالة الحب.. نعم إنه الحب، وقل ما شئت عن الحب، فلن تستطيع أن تقول إلا إذا عشته..

نعم، أن تعيش الحب لله المنعم المتفضل..

الحب للرسول صلى الله عليه وسلم المعصوم القدوة..

الحب للناس جميعًا المؤمنين والتائهين الشاردين الحيارى..

الحب للعبادة ذاتها، والتي وجب عليك أن تعيشها وتتذوق حلاوتها..

نعم بروح العشرينيات، روح شبابية في الصميم، مارس السبعيني هذه المعاني، فهو أستاذها استلهمها من معلمه القريب الإمام حسن البنا، وهو يمارسها في النوادي والمقاهي والمساجد والمعامل، واستلهمها من المعصوم صلى الله عليه وسلم..

فقد كان يمارسها المعصوم مع كل من يلتقي به، انظر ها هو راجع من الطائف بعد ما ردوه وخذلوه وسبوه وأدموه، ولم يقبلوا النور الذي جاء به.. يتناول حبات العنب من عدَّاس، يقول "بسم الله" بكل ما فيه من أدب ورقة، يرسل رسالته إلى الغلام من كلمتين فقط، فيتملك العجب عداس..

من أي البلاد أنت يا عداس؟..

بلد أخي يونس بن متى..

استلم عداس الرسالة وأسلم..

بل قرأ في عين حاتم بن عدي كل تساؤلاته وتخوفاته..

ولاحظ كل الترهات والظنون والأوهام في رأسه.. فهو ملك بن ملك، وابن الدنيا التي لا يعرف حقيقتها الملوك، وهي تقبل عليهم بزخارفها وأبهتها قبل أن يفتك بهم الموت الزءوم، نعم، كيف يتركها وينزل من عليائه إلى الفقراء والبسطاء والخائفين، فأرسل الحبيب صلى الله عليه وسلم الرسالة في أقل من دقيقة.

"فو الذي نفسي بيده، ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة، حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز"، قلت: كسرى بن هرمز؟، قال: "نعم، كسرى بن هرمز وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد"، يقول عدي بعد أن أسلم: والله طفت ووجدت الأمان وكنت ممن حمل كنوز كسرى، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها).

وفعلاً قد كان زمن عمر بن عبد العزيز وغيره..

نعم مارسها مع كل شيء، حتى البعير يسمع له، وينصت إلى شكواه، ويحنو عليه، ويأمر صاحبه بحسن معاملته..

هذا هو الحب الذي مارسه مع غزال، كما حكي لنا شيخنا عطية سالم في الحرم النبوي الشريف قال: مر النبي بغزال يبكي وليدها، فقال لصاحبها "اتركها تذهب لترضعه"، فتعجب الرجل، فقال الحبيب "اتركها وأنا ضمان أن تعود"، فذهبت الغزالة فأرضعته، وعادت إلى صاحبها تشكر للحبيب الرءوف صنيعه، فاشتراها من الرجل فأطلقها".

وحكى الحاج عباس السيسي عن الإمام حسن البنا، وهم يركبون الحنطور، فيقول للسائق: ارفع سقف الحنطور، فالجو ممطر، والرياح شديدة ضد الحصان، فتتعبه، فيقول الرجل: لكن الحنطور ملك واحد من الإخوان، فيرد عليه الإمام: لكن الحصان ليس من الإخوان.

وهذا مصعب بن عمير، سفير الإسلام الأول، مع نفر من الأنصار وسط المدينه قبل الإسلام يرسل رسائل في لمح البصر.

أقبل عليه العملاق أسيد بن حضير بتحريض من العملاق سعد بن معاذ قبل إسلامهما، وكان أسيد يتملكه الغضب، يحمل حربته، وفي قمة ثورته، فقال مصعب الخير: هل لك إليَّ أن تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرنا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك".

انظر إلى الرسالة!! كأنه يشحذ منه.. وفي أدب جم وتواضع راقٍ ونفس كريمة، فهو كان فتى قريش المدلل، ويعرف مفاتيح الرجال..

نعم كان يشحذ منه الجلوس والهدوء؛ ليفسح له الطريق ليزيح الغبش من على عينيه المتعبة، التي أعياها شبق الشهوات وسعار المادة..

ويزيح الركام والتراب من على قلبه المكدود، الذي يئن من ركام الباطل..

ويعرض عليه رسالة الحب والتسامح والرضا والسلام والفوز..

فقال سيدنا أسيد: "هات ما عندك".

هنيئًا لك يا مصعب وصلت الرسالة…

ولذلك يصنف الإمام الشهيد الناس إلى أربعة بالنسبة إلى الدعوة:

"مؤمن ومتردد ونفعي ومتحامل".

ما الهدف من هذا التصنيف؟

مما لا شك فيه أنه ليس هدف فلسفي استعراضي، إنما هو منهج حياة، منهج حياة الإمام وكل الدعاة، إنك ستحمل رسالة إلى كل صنف من هؤلاء الناس.. كل واحد لك معه شغل، ولك معه عمل ولك معه رسالة..

فالحبيب يقول: "لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حمر النعم"، وفي رواية: "مما طلعت عليه الشمس أو غربت".. نعم، إن الشمس تشرق على مبانٍ شاهقة ومصانع عملاقة ومشاريع ضخمه بمليارات المليارات، وتغرب على الحدائق الغناء والأرض الفسيحة والأطيان وكنوز الذهب والبترول..

لكن كل ذلك متاع زائل لا يساوي تسبيحةً تدل الناس عليها، يُقال كان سيدنا سليمان يمتطي الريح، فنظر الفلاح البسيط إليه، وتعجب فقال: سبحان الله، لقد أُوتي أهل داوود ملكًا عظيمًا.. فنزل إليه سيدنا سليمان فورًا ليرسل أيضًا رسالته..

قال: يا رجل لقد قلت سبحان الله فهي باقية، وهي أفضل من كل ملكي الزائل..

كنت أضحك والمحاضر الأمريكي يكلمنا في التسويق، ويقول: كيف توصل رسالتك إلى الزبون وأنتم في "الأسانسير" إلى الطابق الرابع

هذا المنشور نشر في دعوى, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s