المحصول الفكري وهشاشة أجيال الرفاهية

C 

هذا مقال للدكتور حمزة موسى نشره موقع الألوكة والمقالة فعلا تستحق القراءة :

مِن العسير أن يُنكَر محصولنا الفكري الإسلامي في هذا القرْن، فهو ليس بالشحيحِ القليل، ولا بالغثِّ الكثير، ومِن الصعب أيضًا أن ندَّعي عسرَه على الفَهم، وصعوبتَه على الاستساغة، وتمنُّعَه على الإدراك، فلِمَ الزهد في التحصيل مِن محصولنا الفكري الحقيقي؟!

فمحصولُنا ليس بالغثِّ عديم القِيمة، ولا بالصعب الممتنع، ولكنَّنا نلمس مِن شبابنا وأجيالنا المسلِمة منذ مُدَّة ليستْ بالقريبة – زُهدًا عن هذا المحصول، وبُعدًا عن هذه المنتجاتِ الفِكريَّة، فلا يُوفونه حقَّه مِن الرعاية والاهتمام، والتداول والصيانة والنشر، فهل يُدرِكون ما احتاجَ هذا المحصولُ مِن المجهود الفكري والعقلي والموسوعي، الذي حُرِث ليُعرضَ ويُحلَّل، ويُنقد وينتج هذا المحصول في أرضٍ بُور قاحِلة، راهَن المستشرقون وأعداءُ الإسلام والطابورُ الخامس وعملاءُ الاستخراب الثقافي على ألاَّ يُنتج.

هؤلاءِ الفلاَّحون الذين فَلَحُوا هذه الأرضَ وسَقَوْها بعرقِهم ودِمائهم – احتسبوا عندَ الله أجورهم، فلا يطلبون منكم أجورًا لأعمالِهم ونِتاجهم، ولو عاشوا ليشهدوا الإهمالَ الذي لَحِقَ بأعمالهم الذي استهدفوا بها نهضتَنا مِن كبوتنا ودفننا وحضارتنا، لمَاتوا حَسرةً وكمدًا وغيظًا على الإهمال الذي تُعانيه أعمالُهم، والجهل الذي يَكتنف المجتمعَ لنِتاجهم، وعدم التقديرِ الحقيقي الذي يُبديه الجهلاءُ لمحصولِهم.

ليستْ لُغتهم بالعسيرةِ على الفَهْم، فهي سهلة العبارة، سلسة المعاني، طليقة الألْفاظ، قويَّة التعابير، رشيقة الكلمات، قويَّة بلاغيًّا، طلوقٌ، مَرِنة، فهل عجزتْ أجيالُنا عن المتابعة، أمِ استعصتْ عقولهم عن الفَهْم والمتابعة، فألقَوا بالكتب على الرفوفِ والمجلَّدات في أقبية المنازِل، والأبحاث والرسائل والردود في خزائنِ النِّسيان والإنكار؟!

هؤلاء الكُتَّاب العلماء، الأساتذة الأجلاَّء، الذين اقتَطعوا مِن وقتهم وقوتِهم، وتَسلَّحوا بأقلامهم وإبداعهم، وملكاتهم وعِلمهم – لم يكونوا يستهدفون نشْرَ فِكر فقطْ، أو اكتشافَ ثغرات، أو تبيين مواضعِ الضعف ومواطن القُصور، إنَّما استهدفوا تنميةَ جِيل ورِعاية عقول لتنموَ واعيةً، متحدية، منافِسة، لم يستهدفوا فقط عرضَ المشكلات وحلولها، أو الدِّفاع عن الإسلام والذَّوْد عن مُقدَّساته وعباداته، التي يحاول رعاعُ السفهاء مِن جنود الغزو الفكري ترويجَها تحتَ سِتار حرْب الرجعيَّة والتطرُّف وحريَّة التعبير، إنَّما هدفوا إلى تكوينِ شخصيةٍ جديدة للمسلِم المعاصِر، ذات ملامحَ فِكرية مُحدَّدة، وإطار ثقافي مرجعي إسلامي، تَمتلك قدراتِ العرْض المنطقي، والتحليل العملي والمِهني والنقد، لا يُعوِز "هذه الشخصية" قصورٌ في الإدراك، أو صعوبة في الفَهْم.

فَهُم قد وظَّفوا أساليبهم الفِكريَّة واللُّغويَّة والأدبيَّة في سبيلِ تَنميةِ العقول، وتربيةِ المَلَكات، وتطوير الصِّفات والملامِح الفكرية، وبناء الهُويَّة الثقافية – الإسلامية – التي يفترض فيها أن تُدرِك الأخطار التي تَحيق بهذه الأمَّة – داخليًّا قبل أن تكون خارجيًّا – والأعداء المتربِّصون بها والكتابات والنِّتاج الغثِّ الذي ينال منها.

فالجيل المستهدَف بهذا النِّتاج ينبغي أن تَكونَ له شخصيتُه الثقافيَّة، وملامحُه الفِكريَّة المؤهَّلة، والمُجهَّزة، والمعدَّة، والمستعدة لمواجهة هذا التحدِّي والدُّخول في هذا الصِّراع.

ولكن على النقيض ممَّا كان يُفترض أن يحدُث، وما كان يجب أن يكون:

• نجد انطباعاتٍ سابقَة تصِف الشخصَ دون أيِّ عِلم أو بُعْد فكري لمَا كَتَب، أو تحليل لما سَرَد، أو نَقْد لمَا عرَض.

• نجد جيلَ الوجبات الفِكرية السريعة ممَّن أُتْخِموا بالمقالات، واكتَفَوْا بها، فهي تَشفي رُوحَهم وغليلَهم، مُتجاهلين أمهات الكتب التي تُربِّي وتُقوي وتدعم وتؤسِّس، فيستبدلون بالكُتب التي تُغذي الفِكر، وتُضفي المرجعيةَ على الأسس الفِكرية – المقالاتِ التي تَتوازن حدثيًّا وزمنيًّا، وتستعرض مستعدةً لاستبدالِها بوجهاتِ النظرِ، والآراء المعروضة فيها مِن كتَّابها مع الزمن تبعًا لتغيُّر الحالة المِزاجية الفكرية، السياسية والإعلامية.

فهذه المقالات كعَرْض لأحداث، وسرْد لآراء – لا تُعلِّم دِينًا، ولا تُشكِّل فِكرًا، ولا تنشئ هُويةً، ولا تُرَبي مَلَكة، ولا تُضفي علمًا، ولا تُكوِّن شخصية.

• نجد الأصنام الفكرية للأحياء بفَضْل أجيال لم تُنشَّأْ فِكريًّا وتُرَبَّ مرجعيًّا وموسوعيًّا وإسلاميًّا، يُفضِّل معظم الجيل الحاضر الارتباط بأصنام فِكريَّة حيَّة، تناوشه بالمقالات، وتُرضِعه بالحوارات واللقاءات والتصريحات، وتُغذيه بالمسوِّغات والأسباب، نافِينَ أهمَّ الأسباب التي هَدَف إليها العلماءُ الكتَّاب الأساتذة مِن تربية جيل يَعرِف ويُحلِّل، ذي شخصية فِكرية حقيقية، تستطيع النقدَ والتحليل دون أن تَعمَى أبصارُهم؛ انبهارًا بكلمات، أو بفِكر، أو ببلاغة، أو بموقف وحَدَث، أو رَأي، فتَعمى بصائِرُهم عن أهداف خفيَّة، ونوايا مندسة بيْن السطور والكلمات.

فهو عاجزٌ عن إبداءِ الأسباب حينًا، منتظرًا موقف أصنامه وتسويغاتِه وتفسيراته وتحليلاتِه لموقفه ليدعمَ موقفَه الهشَّ، ويشد أزْرَه ويُقوِّي عزيمته؛ ليردَّ خصومه ومناوشيه.

• هذا الجيل المُرضَع الذي لم يصلْ بعدُ لمرحلة الفِطام نافرًا ممَّا لا يَعرِف، خائفًا مما يجهل، منتظرًا صنمَه؛ ليعرف رأيه في أمورٍ تحتاج لمرجعية ثقافيَّة، فِكرية، إسلامية، شخصية، نابِعة مِن التربية والنشْأة الثقافيَّة، فيعرض عليه وينتظر رأيه وموقفه، ويستجدي فِكرَه مستعطِفًا فَهْمه، ليس أهلاً أن يكون طرفًا وخَصْمًا في صِراع حضاري، أو يكون صِنوًا لجنودِ الغزو الفِكري، وعملاء الاستخراب الثقافي، فهو هشٌّ فِكريًّا، مهشَّم ثقافيًّا وعلميًّا، مغلَّف بالزجاج المجمَّع مِن مقالات غير مترابطة، وحوارات ولقاءات، وتصريحات وآراء، ذو مَلَكاتٍ طُفولية غير ناضِجة في العَرْض والتحليل والسَّذاجة، حادَّة في النقد، فهم يسترضِعون آراءَ غيرهم، ومواقفهم.

هذا لم يكن الجيل المستهدَف للمحصولِ الفِكري العملاق، الذي ينفر منه شبابنا، ويَستبدلون به بعضَ الفواكه البرية التي ما تَلْبَث أن تَنقَرِض وتختفي؛ لكثرةِ الطلب، وقلَّة المعروض، وزِيادة الاستهلاك.

وهذه ليستِ الشخصية الثقافية، ولا العقلية الفكرية، ولا المَلَكات التحليليَّة والنقديَّة المستهدَفة مِن فلاَّحي ومُنشئي المحصول الفِكري، والنِّتاج الثقافي الحضاري الإسلامي في هذا القرن.

فقدِ افترضوا في نِتاجهم أن يُنشِئ فِكرًا وعقولاً، وخلفية ومرجعية، أهلاً لأن تُنشِئ حضارةً وتُواجه الصِّراع والتحدِّي والمنافسة، فهي الآن أضعفُ من أن تُميِّز الصوابَ والخطأ، وأَهَشُّ أن تفكِّر لذاتها وأمَّتها، فما زالت تُرضَع ولم تُفْطَم بعدُ.

ما زال يَحضُرني الحديثُ، ويهزُّني الحدَثُ عندما اصطدمتُ بأحدِ هؤلاء الأطفال، المسترضَعين، فصَدَمني ببعضِ الآراء "المستنيرة" المستوردة لحلِّ كلِّ مشكلاتنا الاقتصادية، فسألت: "هل قرأتَ كتاب الغزالي: الإسلام والأوضاع الاقتصادية؟" فقال: "لا أعْلم أنَّ للغزالي كتابًا بهذا الاسم، أو أنَّه يكتُب في الاقتصاد، ولكنِّي قرأتُ

له أهمَّ كتاب له: خُلُق المسلم".

فهالَني اختزالُ واختصار النِّتاج الفِكري، والثقافي، والحضاري، والعلمي، والاجتماعي، والتراثي، والإسلامي للرَّجُل في كتاب واحدٍ، وإهمال، بل إنكار الباقي، فهل هذا الجيل يملك – فعلاً – القدرةَ على التمييز؛ ليختارَ ما يريد، ويترك ما لا يرغب فيه من النِّتاج الفكري الحضاري الإسلامي للعلماء الكبار؟ وهل له الحقُّ في اختزال ما رواه علماؤنا بالدماء قبل الدُّموع إلى منتجات محدَّده مختارة، لا تُشكِّل شخصية أو تَبْني ملامحَ ثقافية، أو تُورث خبرتهم الفِكرية التحليلية والنقدية؟

مَن المربِّي الذي ارتكب هذه الجريمةَ في حقِّ هؤلاء العلماء ونِتاجهم الفكري من محصول حضاري؟

هذا المنشور نشر في تنمية الذات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s