تربيتنا الروحية (2)

_1_~1 

نبدأ مع الشيخ سعيد حوى الإبحار فى أحد أهم كتبه تربيتنا الروحية بمدخل إسلامى عام يقول فى البداية :

الإسلام نظام شامل يتناول جميع مظاهر الحياة وهو كما قال الأستاذ البنا "نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو حق وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء"

وهذا الذي قاله الأستاذ البنا عن الإسلام هو عين الحق في شأن الإسلام وهو من أهم البديهيات التي غابت عن أذهان الكثير من المسلمين فضلاً عن غيرهم مع أن نصوص القرآن واضحة في هذا الشأن قال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} فكلمة / تبياناً لكل شيء / واضحة في أن القرآن قد غطى الحياة البشرية كلها بإعطائها الجواب الشافي في شؤون الهداية في كل أمر،

وههنا مواضيع متعددة غفل عنها الكثيرون أو جهلها الكثيرون، فكما غفل كثير من الناس أو جهلوا قضية شمول الإسلام فقد جهلوا أو أغفلوا أخرى وهي قضية الإيمان إذ الإيمان بالإسلام كله شرط لاعتبار الإنسان مسلماً فإذا كان القصور العام عن الإسلام مخدوشاً فشيء عادي أن تكون قضية الإيمان نفسها مخدوشة…

إن كلمة الإسلام تطلق على الدين الذي أنزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم والذي فصلته نصوص الكتاب والسنة وهو بهذا المعنى كما رأينا نظام شامل كامل يسع مسائل الحياة البشرية كلها ففيه العقائد وفيه العبادات وفيه الشرائع وله مؤيداته فهو عقائد وشرائع وشعائر وهو تغطية كاملة شاملة لأمر الدنيا والآخرة بما يسع الزمان والمكان

وتطلق كلمة الإسلام على وضع الإنسان الذي دخل في الإسلام فيقال: فلان أسلم بمعنى دخل في الإسلام ويقال إسلام فلان بمعنى استسلام فلان وعمله في هذا الدين ومن ثم تطلق كلمة الإسلام على العمل فإذا أسلم قلب الإنسان وجوارحه لله في كل ما كلفه الله به ظاهراً وباطناً فذلك المسلم الحق قال تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}

وإذا أسلمت جوارح الإنسان دون قلبه فذلك المنافق ما دام كذلك وأما الإيمان فيطلق على مجرد التصديق القلبي مع الإذعان كما يطلق أحياناً على إيمان القلب وما يقتضيه ذلك الإيمان من آثار عملية وذلك هو الإيمان الكامل الذي وقر في القلب وصدقه العمل، قال تعالى {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقاً} [الأنفال: 02] وقال {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 16]

وعلى هذا فالإيمان الكامل تصديق القلب وإذعانه مع عمل الجوارح بمقتضيات ذلك.  وأحياناً يتخلف الإيمان عن الإسلام كأن يدخل أحد في الإسلام ويعمل بأعماله ولم يصل نور الإيمان الكامل إلى قلبه قال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 15] فههنا عمل بالإسلام وتخلف في نورانية القلب في الإيمان إلا أن الآية تشعر أن العامل بالإسلام هو على الطريق للتحقق بالإيمان القلبي، فههنا إذاً نجد فارقاً بين كلمتي الإسلام والإيمان،

إذا أدركنا مبدئياً هذه المعاني أصبحنا نستطيع أن نفهم لماذا تذكر بعض الأمور أحياناً على أنها من الإسلام ولماذا تذكر نفس هذه الأمور على أنها من الإيمان ولماذا تذكر بعض الأمور في سياق الكلام عن الإيمان المحض بمعنى التصديق وأحياناً تذكر بعض الأمور في سياق الكلام بمعنى عمل الجوارح و استسلامها وفي هذه الجوانب كلها يقع نوع من الغلط أو يوجد نوع من القصور في الفهم والتصور والملاحظ أنه كما حدث قصور في التصورات حول الإسلام فقد وجد قصور في التصورات حول مقامات السير في دين الله، وقصور في العمل في هذه المقامات نفسها هو أثر عن القصور في التصور العام.

إنه في الأحوال العادية إذا قبلت الدخول في دين الله – الإسلام – فعلي أن أعرف ماهية دين الله وعلي أن أعرف ما هو واجب الوقت في حقي وأن أنفذه سلباً أو إيجاباً تنفيذاً لأمر أو انتهاءً عن نهي

وسيترتب على عملي في الإسلام أن يتنور قلبي وأن يزداد نور الإيمان فيه وكلما زدت في العمل ازداد نور الإيمان حتى يرتقي القلب إلى مقام الإحسان "أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (رواه أبو نعيم في الحلية وهو حديث حسن) إذ مقام الإحسان هو ذروة مقام الإيمان

وبقدر نمو الإيمان والتحقق بمقام الإحسان سينعكس ذلك على سلوكي استقامة وعملاً وإحساناً وبذلك أتحقق بالتقوى التي هي هبة الله لعباده قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} وبقدر الاستمرار على تقوى الله نكون مؤدين حق الشكر ونحن في سبيل الترقي فيه وهو أعلى المقامات وأرقاها، قال تعالى: {اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور} وما التقوى إلا الطريق الموصل لهذا المقام، قال تعالى: {فاتقوا الله لعلكم تشكرون} [آل عمران: 123] 

وبقدر وضوح قضية الإيمان في جانبيه العملي والذوقي وبقدر وضوح قضية الإحسان في جانبيها القلبي والذوقي والعملي وبقدر وضوح قضية التقوى في جوانبها القلبية والتصورية والسلوكية وبقدر وضوح قضية الشكر في القيام بحقوق العبودية الكاملة لله شكراً، إنه بقدر هذا كله يكون السير في دين  الله صحيحاً

سنتعرض التدوينة القادمة ان شاء الله لمقامات السير إلى الله عز وجل

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s