إضاءات نهضوية فى قصة ذى القرنين

1_200945_3963 

بداية أدين كثيرا للدورة التى أقامها موقع مشروع النهضة والتى لا تزال مستمرة فى تقديم المعارف اللازمة للتعرف على هذا المجال الجديد والذى نحتاجه لمعرفة سبل النهوض بالأمة والمجتمعات الإسلامية

الكثير من هذه المعارف توجد إشارات لها فى آيات وقصص القرآن الكريم والذى يجب أن يكون دليلنا ومرافقنا فى مشروع النهضة لو أحسنا التدبر والتفكر فى آياته

قصة ذى القرنين تحتوى على أوجه أعجاز كثيرة ولكنى سأتناول فى هذه التدوينة الإشارات النهضوية فى الآيات

لعل أول ما نلحظه فى الآيات صفات ومهارات قائد النهضة التى تتواجد فى الآيات الكريمة وأنقل هنا صفات قائد النهضة من كتاب دكتور جاسم سلطان من الصحوة إلى اليقظة :

يجب أن يتميز قائد النهضة بثلاث صفات أساسية :

1- الرؤية

قائد النهضة يجب أن يملك  تصور عما يبغى عما يكون رؤية واضحة للمستقبل فى ظل معرفة واضحة للإمكانيات والممكنات المتاحة

2- الالتزام

كما يجب أن يملك التزام وانضباط وتسخير للواقع لتحقيق الرؤية فى عالم الواقع

3- المهارات القيادية والإدارية

أو إدارة الناس وتوجيههم وحثهم واستقطابهم نحو أداء الأعمال المنوطة بهم فالقائد لا يستطيع العمل بمعزل عن الناس إنما يعمل لتحقيق أهداف المؤسسة من خلال استقطاب أكبر عدد من الناس للقيام بالأعمال المنوطة بهم نحو تحقيق الرؤية

والآن لنطبق هذه الصفات على ذى القرنين كما جاء فى الآيات :

رأي ذو القرنين ان يأجوج ومأجوج بكثرتهم سيعيثون في القوم فسادا طيلة حياتهم وحياة ذريتهم من بعدهم.. كانت هذه هي الرؤية المستقبلية وبدراستها جيدا وضح الهدف ومتطلبات تنفيذه.. وهو ضرورة إقامة ردم ضخم على أعلي تقنية يمنع هجمات يأجوج ومأجوج ويبقي أبد الدهر لذا هتف فيهم قائلا: "فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما".

أستطاع ذو القرنين من تحويل أمة كاملة  من أمة تشتري سلامتها إلي أمة تصنع سلامتها ومن شعب متكاسل إلي فرق عمل متعاونة تسعي بجد لتحقيق أمنها من خلال انجاز مشروعها الضخم فأكسبهم ذلك قيماً جديدة تمثلت في حب العمل واكتساب مهارات جديدة وتقدير قيمة الوقت والكشف عن مصادر ثرواتهم وبث روح التعاون بينهم.

فى الطريق نحو النهضة لابد من توفر ثقة متبادلة بين القادة و وباقى أفراد الأمة أو شريحة التغيير والبناء  فلابد للقائد  ان يمنح الثقة لأفراد الأمة وشريحة التغيير ويشعرهم بها ويذكى  فيهم قدراتهم الذاتية.. وقد اعلن ذلك ذو القرنين وهو يتحدث إلي هذا الشعب المتكاسل الذي لا يجيد إلا دفع الخراج بقوله "فأعينوني بقوة" وكأنه يقول: ليس بالخراج يشتري أمنكم ولكن بقوة أبدانكم وفكركم تصنعونه.. فنجح بأن يحولهم إلي طاقات بشرية هائلة نفذت أكبر ردم.

كما أنه أجاد التخاطب والتواصل فبالرغم من أن القوم لا يكادون يفقهون قولا.. وكان له في هذا عذر في عدم مساعدتهم.. لكنه اجتهد في الوصول إلي وسيلة للتخاطب معهم والتأثير فيهم ببلاغة منطقه وقوة حجته.. مبينا لهم ما سيكون لهم من ثمرة جهدهم ألا وهو صناعة أمنهم.. وكان ذلك من خلال رسالة قوية وبليغة ومختصرة جمع بها شتاتهم ليحولهم إلي قوة بشرية هائلة تنفذ اكبر مشروع علي الارض.

كما  أشار القرآن الكريم في هذه القصة الرائعة إلى مهارة ذى القرنين فى تشكيل فرق عمل من الناس لإقامة هذا البنيان المعجز ولقد وزع ذو القرنين أدوارا أو مراحل للعمل ونسق بينهم فهذا فريق لإحضار الحديد وتكون فور قوله "ءاتوني زبر الحديد" وما يستلزم هذه المهمة من التنقيب عن خام الحديد والكشف عن مناجمه وإعداده علي الصورة التي طلبها ذو القرنين وفريق للتجهيزات والمعاونة وهذا الفريق يتولى تعبيد الطرق وإعدادها من مواقع الحديد والنحاس وأفران صهره حتي موقع الردم والمعاونة فيما تستلزمه المساواة بين الصدفين والذي يتولاه ذو القرنين وفريق لإيقاد النيران وهو يتولى إعداد مواد وخامات الاشتعال وأدوات النفخ وفريق آخر لإعداد النحاس المذاب وهو يتولى اكتشاف خام النحاس ونقله إلي أفران صهره ثم توجيهه إلي موقع الردم عندما يطلبه ذو القرنين.. وهذا كله قد وضح من قول ذي القرنين اجمالا دون الدخول في هذه التفاصيل.. بقوله: "آتوني أفرغ عليه قطرا" وهكذا بمهارة شديدة أشرك جميع الطوائف فى هذا العمل النهضوى واستفاد من كل الممكنات والإمكانيات المادية والبشرية

فقد ورد في قصة ذي القرنين انه ذهب إلي عدة بقاع من الارض وهي مغرب الشمس ومطلعها وبين السدين الأمر الذي يلفت انتباهنا إلي أن ذا القرنين قد تعامل مع جنسيات مختلفة وفي بقاع متعددة وهذه مهارة لا بد من توفرها فى قائد النهضة وهى  القدرة علي التعامل والتكيف مع انماط عدة من البشر كذلك ضرورة ان يجيد التخاطب والتفاهم بلغات مختلفة فعندما ذهب ذو القرنين إلي مغرب الشمس تحدث مع القوم بلغتهم كذلك عند مطلعها وعندما التقي بالقوم عند "دون السدين" وهم لا يكادون يفهمون قولا..

من أهم نظريات قيام الحضارات والنهضة نظرية التحدى والاستجابة الإيجابية لهذا التحدى والذى يتضح بصورة جلية فى سد يأجوج ومأجوج والذى جاء استجابة لتحدى إغارة يأجوج ومأجوج على القوم بين السدين

وهكذا يتيح لنا القرآن الكريم بعطائه المستمرة كلما اتسعت معارف العصر رؤية أوسع للنهضة والتقدم ولكن معطاءات القرآن تعطى لمن تدبر فى آياته وتواصل بصفة مستمرة مع آياته

هذا المنشور نشر في مشروع النهضة الإسلامي. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على إضاءات نهضوية فى قصة ذى القرنين

  1. يقول محمد سعد قمورة:

    جزاك الله خيراً اخي الحبيب ابو مروان
    ان المشروع النهضوي لا يقوم الا اذا فهمنا ديننا و قرآننا و عملنا بما جاء فيه و ان قصة ذو القرنين لهي من افضل القصص القرآني الذي يوضح ذلك

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s