من التوتر إلى القضية…كيف؟ولماذا؟

 

مقالة هامة نشرت بموقع مشروع النهضة للدكتور محمد باباعمي  يقول فيها :

كلُّ مجتمع في مرحلة "الحضارة"، وفي نقطة البدء بالخصوص، يكون مشحونا بتوتُّر كامل، يميِّزه عن حالة مجتمع آخر في مرحلة "ما قبل الحضارة"، أو مجتمع يعيش "ما بعد الحضارة".

لكن السؤال المحوري، في هذا السياق، هو: ما الذي يؤسِّس للتوتر؟ أهو الدين؟ أم هو العلم؟ أم هي الأحداث التاريخية؟ أم هي الزعامات والشخصيات الكاريزماتية؟

لقد أكَّد مالك بن نبي "أنَّ التوتُّر فكرة دافعة، لا يمكن بثها عبر نظريةٍ، أو بأيِّ إرشاد تعليميٍّ"، أمَّا المؤرِّخ توينبي، فيذكر أنَّ الظرف المفضَّل لظهور التوتُّر يكون عندما "تضطر جماعة بشرية للردِّ على تحدٍّ ما، بعمل منظَّم".غير أنَّ التفسيرين غير مقنعين تمامًا، وذلك لوجود حالات وأمثلة في التاريخ من كلِّ نوع:

ففي غار حراء – مثلا – ولدت أعظم حالة توتُّر عرفتها البشرية، من خلال الوحي، أو على صورة "دين".

كما أنَّ الثورة العلمية في أوروبا كانت وراء التوتُّر الذي غمر القارة الباردة بحراك مادي وأدبي شديد، دفعَها في كثير من الأحيان إلى السطو على الشعوب الأخرى، واكتشاف قارة جديدة – فعليا – بعد الاكتشاف الجغرافي.

ولقد كانت أحداث ما بعد الحرب العالمية الثانية شعلة لبعض الشعوب المستعمَرة، ولَّدت لديها توترا، ودافعية للاستقلال لا تقاوَم، رغم افتقادها لكل الوسائل والمعدَّات الحربية اللازمة، وما الجزائر إلاَّ مثالا حيا، من خلال فكرة "الاستقلال" و"الثورة".

كما أنَّ بعض الزعامات التاريخية دفعت شعوبها نحو توتر إيجابي أحيانا، وسلبي في أحايين كثيرة، يمثَّل للنوع الأوَّل بابن باديس، وبديع الزمان النورسي، وعلي عزت بيجوفيتش؛ كما يمثَّل للحال الثانية بنابليون، وهتلر، وجمال عبد الناصر.

هذا التوتر يسميه فتح الله كولن "الهمَّ"، ويقول في شأنه مخاطبا شباب الخدمة: "إني أحمل همًّا كبيرا، لكنَّني وجدتكم تضحكون وتمرحون، وتستسيغون النوم، فكأنَّ شيئا لم يقع، وكأنَّ أمَّة المصطفى عليه السلام اليومَ بخير وعافية… والحقُّ أني أريدكم حاملي همٍّ… فوالله لو أنَّ الله تعالى أقدَرَني لنثرتُ على قلوبكم شرارات من الهمِّ، إذا لجفاكم النوم إلى الأبد"

كما أنَّ مالك بن نبي يسمي هذا التوتر في بعض كتبه بـ"مبرِّر الوجود"، أو "دَور المسلم"، أو "رسالة المسلم"، ويقول: "يجب أن يفكِّر المسلم كيف يسير في اتجاه التاريخ؟ كيف يستغل الظروف السانحة التي تتهيأ له على المحورين: المحور الذي فقد المبررات التقليدية (الغرب)، والذي ينتظر مبررات جديدة (الشرق)".

ولقد يطلق على التوتر الحضاري أحيانا مصطلح "القضية"، وهي في عمومها "رسالة المجتمع"، إذ لا يقال "قضية فلان أو الفئة الفلانية" إلاَّ مجازا، وإنما رسالة فلان، وقضية الأمَّة الفلانية. والقضية هي القطب لجميع رسائل أفراد المجموع.

ويبقى السؤال عميقا: لو حاولنا اليوم أن ننفخ الروح في المجتمعات الإسلامية، ونزرع فيها "التوتر"، و"الهمَّ"، و"الدور"، و"المبرر"، و"القضية"… أي كلَّ ما من شأنه أن يُلهب الحماس المنظًّم، والفعل المخطَّط، وإرادة الوجود، واليقين في النصر، والعمل الدءوب… كيف لنا ذلك؟ ومن أين نبدأ؟

إنَّ الذي دفعني إلى البحث في هذه المعضلة الحضارية هو جملة من الملاحظات التي تنطلق من الواقع – كما هو – لا كما ينبغي أن يكون، بقصد تجميعها في نسق شمولي، باعتماد التحليل المركَّب، بعيدا عن الاختزال:

*الحادثة الأولى: في سفر لي إلى مدينة من المدن الجامعية في الجزائر، التقيتُ بالعديد من أساتذة الجامعة، وحاورتهم في شتى الميادين العلمية، وحاولت الاستماع إلى انشغالاتهم، فوجدت أغلبها للأسف تدور حول "اللقمة"، و"المنزل"، و"المنحة"، وهي "هموم" مبنية على "قلق منغلق"، لا يورِّث تفكيرا، ولا يولِّد عملا؛ أي أنه لم يتجاوز عالَمَيْ "الأشياء" و"الأشخاص" إلى "عالم الأفكار"، بله أن يتحول إلى رشدٍ، أي إلى "حركية" وإنجاز حضاري يحسب له حساب في "عالم الأفعال!".

*الحادثة الثانية: لا أحد يجهل أحداث كرة القدم قُبيل كأس العالم الصارمة، وبخاصة بين الجزائر ومصر، ففي غياب "التوتر الحضاري" تمكَّنت وسائل الإعلام، وجهات سياسية مغرضة، أن توهم الملايين من الناس في البلدين أنَّ "قضيتهم" و"حقيقة وجودهم"، و"معنى حياتهم" متعلِّق بفوز فريقهم وانهزام "فريق العدو!!!"… فكان ما كان من سخافات وتفاهات؛ ولا تزال بعض الجرائد والقنوات تتَّخذ من العداوة المستحكمة بين البلدين، بسبب المباريات، حِصان طروادة، ووسيلة خسيسة لزيادة المبيعات، واستقطاب العقول الساذجة.

*الحادثة الثالثة: في مشاريع تربوية أشرف على تكوين إطاراتها فكريا وحضاريا، أجد أحيانا بعض الأطراف الفاعلة تفتقد "الحرارة" و"التوتر" اللازم للتحدي، وتقتل، بسبب ذلك، روحَ المشروع وجدواه؛ وبالمقابل هنالك من له "دافعية" و"روح قتالية" – بلغة الرياضية –؛ غير أنَّ هذا وذاك على السواء يسألان عن "القضية"، وعن "مبرر الوجود"، ذلك أنَّ "الرؤيا المستقبلية"، و"رسالة المؤسسة" لا تكفيان لوحدهما لتحريك كلِّ الجهات المرتبطة بالمشاريع.

من هنا جاء السؤال مرَّة أخرى: كيف لنا أن نولِّد قضية وقطبا جامعا لأبناء الوطن – على الأقل –، وأبناء الأمة الإسلامية في النهاية… ثم، مِن أين نبدأ؟

بدايةً أقترح أن تكون القضية من منطلق قرآني، معتبِرة بأحداث السيرة النبوية، وبوقائع نزول الوحي؛ فتكون القضية هي: "اقرأ"، ولعلَّ هذه الصيغة المختزلة تدفعنا لإتمام الآية: "اقرأ باسم ربك". وقد يعبَّر عن هذا المعنى بعبارة أخرى، شارحة ومبينة، وهي: أن تكون قضية الأمة اليوم "أن أنفي الجهل عني وعن أمَّتي".

ويلاحظ أنَّ هذه القضية لا تخص طلبة العلم وحدهم، ولا العلماء بمفردهم؛ ذلك أنَّ كلَّ تخلف في كل مجال مؤدَّاه "الجهل"، ولا يمكننا اليوم أن نقوِّي تجارتنا، أو زراعتنا، أو عسكرنا، أو صناعتنا… أو أيَّ مجال، من أيِّ نوع كان… إلاَّ "بالعلم"، وبـ"اقرأ باسم ربك"، و"بنفي الجهل عن الذات أولا" ثم عن "الأمة بالتبع".

ولعلَّ ما يرشِّح – مبدئيا – صيغة "اقرأ باسم ربك"، هو أنها جامعة "للدين" و"العلم" معاً، فلا هي "علموية-علمانية-وضعية"، على النسق الغربي؛ ولا هي "دوغماتية-لاهوتية-تصوفية" – بمعناه السلبي طبعا – بالشكل الذي يسِم العالم الإسلامي في مراحل تخلفه، أو في مرحلة "ما بعد الموحدين" باصطلاح مالك بن نبي.

وتبقى هذه القضية، إذا ما اقتصرت على جملة من المشاريع، أو على ثلة من الناس، مجرَّد رسالة، لا تملك صفات "الشدَّة"، و"الدافعية"، و"الحرارة"… ولذا، وجب على الجميع، أن يشارك في صياغتها النهائية، حتى إذا ما اتفقنا عليها، وجب علينا نشرُها، وزرعها، والعمل بها، والدعوة إليها، وإيجاد آليات لإنزالها إلى أرض الواقع.

ولقد يعترض معترض فيجعل السلطة السياسية شرطا أساسيا للقضية، توجد بوجودها، وتعدم بعدمها؛ غير أني أرى أنَّ السياسة نتيجة وليست مقدِّمة، هي بمثابة الثمرة لا الشجرة، تساعد ولا تقرر، وتضييع الوقت في انتظار تحركها، وإشغال النفس بترقب ما يصدر عن الساسة، هو نوع من العبث، في ظروفنا الراهنة؛ أو هو من قبيل سؤال التعجيز: "أيهما أسبق: البيضة أم الدجاجة".

أقول، وأفتح المجال للحوار: لا البيضة ولا الدجاجة، لا القاعدة ولا القمة؛ وإنما هي القضية والتوتر ومبرر الوجود…، فالقضية تصنع البيضة والدجاجة على السواء، بفكر وفعل، وبإيمان وعلم وعمل، تحت صيغة أولية مقترحة، هي: "اقرأ باسم ربك".

فهل نحن فاعلون؟!

هذا المنشور نشر في مشروع النهضة الإسلامي. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s