في السير إلى الله (تربيتنا الروحية 3)

_1_~1

نواصل معكم القراءة فى أهم كتب الشيخ سعيد حوى رحمه الله تربيتنا الروحية :

هنا مقدمة للكتاب

مدخل إسلامى عام

يشرح الشيخ سعيد حوى رحمه الله فى هذا الفصل معنى السير إلى الله عز وجل فيقول :

السير إلى الله يعني الانتقال من نفس غير مزكاة إلى نفس مزكاة، ومن عقل غير شرعي إلى عقل شرعي ومن قلب كافر أو منافق أو فاسق أو مريض أو قاس إلى قلب مطمئن سليم، ومن روح شاردة عن باب الله غير متذكرة لعبوديتها وغير متحققة بهذه العبودية إلى روح عارفة بالله قائمة بحقوق العبودية له، ومن جسد غير منضبط بضوابط الشرع إلى جسم منضبط انضباطاً كاملاً بشريعة الله عز وجل، وبالجملة من ذات أقل كمالاً إلى ذات أكثر كمالاً في صلاحها وفي اقتدائها برسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وحالاً.

وبعضهم يقصر السير إلى الله على حالة وحيدة وهي حالة الانتقال من الإيمان العقلي إلى الإيمان الذوقي، ومن حالة الشعور القلبي بأفعال الله إلى الشعور بصفاته إلى الاستغراق الروحي، أو ما يسمى عندهم بمقام الفناء ثم مقام البقاء ولكن هذا في الحقيقة أحد مظاهر السير وواحد من أجزائه ومرحلة فيه.

وما أكثر الأغلاط التي ترافق هذا الموضوع عند الكثير من الناس ولذلك كان الكلام في هذا الموضوع صعباً ومحيراً، وتقريبه وتبسيطه أمراً فيه مشقة كبيرة، فكثيراً ما تصبح الوسائل غايات والبدايات نهايات، وما هو كالمقدمة لما بعده يصبح وكأنه كل شيء ولنضرب على ذلك مثلاً: بعضهم يعتبر الوصول إلى القلب السليم المطمئن هو ذروة السير إلى الله ويعتبرون ذلك غاية الغايات وينسون واجبات كثيرة إن الوصول إلى القلب السليم هدف ولكن القلب السليم هو الذي أصبح يتلقى أوامر الله بمنتهى التسليم والرضى ويسير الجسم به على حسب أوامر الله بكامل القوة والحيوية والجدية، ومن أوامر الله الأمر بالجهاد وجعل كلمة الله هي العليا

فأن ترى صوفياً مشغولاً بقضية القلب السليم طوال حياته وهو ناس أوامر الله بإعلاء كلمته وغافل عن واجبات الوقت الكثيرة ويعتبر ما هو فيه هو الكمال مع تفريطه بكثير من الواجبات مثل ذلك غلط كبير، إن لم نقل أكثر من ذلك،

إن الفارق بين صاحب القلب السليم وغيره كما يكون في جوهر القلب يكون في صلاح العمل، وقوة الأخذ بكتاب الله وأحكامه، وقديماً كان ادعاء المعرفة بالله عاملاً من عوامل الفرار من الورع… فأي معرفة هذه تلك التي ينطفي بها مع الإنسان نور ورعه؟ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف الخلق بالله، كان أكثر خلق الله خشية ومن ثم قال عليه السلام "إني لأتقاكم لله وأكثركم له خشية" (متفق عليه).

إن الكلام عن السير إلى الله ليس سهلاً أولاً: لأنه لا يمكن حصره وضبطه.

وثانياً: لأن الناس في هذا الشأن أصناف ولكل مشربه الذي ألفه وحصر فيه ما لا يدخل تحت حصر وينظر إلى الأمور كلها بمنظاره الخاص به ويحاسبك على ذلك وهذا كذلك مظهر من مظاهر الغلط في هذا الشأن أجدني مضطراً لعرض قضية السير إلى الله عز وجل مرة ومرة ومرة بشكل ثم بآخر ليتضح الأمر في هذا الشأن وليتجنب المسلم الأغاليط، وأهم من هذا كله ليأخذ حظه من السير إلى الله على بصيرة.

إن كثيرين من الناس ربطوا بين التصوف والألغاز وجعلوه مليئاً بالأسرار فضخموا وأوهموا حتى أصبح التصوف علماً على الشيء الذي لا يمكن فهمة أصلاً، وجعلوا التصوف شيئاً خاصاً بطبقة من الناس وهو في أصله ومضمونه مطالب به كل الناس، فهل كان واحد من الصحابة إلا وله سيره الخالص إلى الله عز وجل وهل الصحابة إلا قدوة الخلق في كل شيء؟ ولماذا الدعاوى والتبجحات؟ هذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو الذي تمر عليه أكثر الطرق الصوفية على شك في ذلك، عندما سأله بعضهم: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال: لا إلا فهماً أوتيه عبد من كتاب الله وما في هذه الصحيفة ولم يكن في الصحيفة إلا بعض الأحكام الشرعية.

هذا هو الأمر: الإنسان كلما صفا حاله مع الله، دق فهمه عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إني أريد أن أرجع في التصوف إلى أصوله الصحيحة ليكون زاداً للجميع ثم لكل إنسان سقفه وفهمه

نحن نعلم أن هناك حالات للسالك يحس فيها بأحدية الذات الإلهية ويستشعر فيها اسم الله الصمد وهي حالة يستشعر فيها السالك فناء كل شيء ولكن هذا الشعور لا بد أن يرافقه الاعتقاد بأن الله خالق وأن هناك مخلوقاً وأن الخالق غير المخلوق إن التصوف هو تذوق العقيدة لا تقريرها بما يخالف النصوص والفهم الصحيح لها

إن التصوف علم يحتاجه كل الناس ويسع كل الناس وقد يدق فهم بعض السالكين لبعض النصوص وقد يفهم بعض السالكين إلى الله من معاني النصوص ما لا يشعر به الآخرون وكل ذلك لا غبار عليه إذا لم ينقض نصاً أو يخالف نصاً أو إجماعاً، غير أنا نرى كثيراً من الكلام عند طبقات من الصوفية لا نرى له مثيلاً في عصر الصحابة، ولا في عصر التابعين، ولا في عصر تابعي التابعين، ويخالف النصوص ويخالف الاجماع. ثم بعد ذلك يقدم التصوف للأمة على أنه هو هذا ويريد أصحابه هؤلاء من الأمة أن تسلم لهم بذلك ومن لم يسلم يا ويله من الألسنة الحداد والقلوب المنكرة لهؤلاء نقول على رسلكم: إن الله حد حدوداً وأنزل شرائع ونصوصاً هي الفيصل بين الحق والباطل وهي وحدها الحكم والميزان وما سوى ذلك ضلال وأوهام

إن ركني السير إلى الله اللذين يستحيل سير بدونهما هما العلم والذكر فلا سير إلى الله بدون علم ولا سير إلى الله بدون ذكر، فالعلم هو الذي يوضح الطريق والذكر هو زاد الطريق وأداة الترقي

قال عليه الصلاة والسلام "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً ومتعلماً" رواه ابن ماجه وهو صحيح نحن بحاجة إلى العلم لنعرف الأوامر الإلهية، ولنعرف حكمتها فننفذ الأوامر ونحقق الحكمة، ونحن بحاجة إلى الذكر ليكون الله معنا في سيرنا إليه، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي "وأنا معه إذا ذكرني" (متفق عليه) وسترى قضية الذكر وأهميتها في السير إلى الله بشكل واضح في تفصيلات تأتي. فركنا السير إلى الله علم وذكر ويستحيل أن يكون سير إلا بذلك،

عند هذه النقطة الهامة أتوقف ونواصل تدوينة قادمة إن شاء الله

 

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s