بن علي والشابي وابن خلدون

 

هذه مقالة بقلم: عماد السنباطي عن ثورة تونس يقول فيها :

ليس عجيبًا أن يجتمع الثلاثة في عنوان المقال، فهناك رابط بينهم وإن اختلف المآل

– الشابي شاعر مناضل

– وبن علي طاغية فاشل

– وابن خالدون مفكر فاضل

لا يجتمعون أبدًا، فالشابي وابن خلدون عظماء وضعتهم أعمالهم في مصافِّ العظماء، وبن علي وضع نفسه في مزبلة التاريخ.

والذي جمع عندي بين الثلاثة أنهم ولدوا في تونس الخضراء وبينهم من الاختلاف ما بين الأرض والسماء: فالشابي قال:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة             فلا بدَّ أن يستجيب القدر

ولا بدَّ لليل أن ينجلي                    ولا بدَّ للقيد أن ينكسر

ومن لم يعانقه شوق الحياة             تبخر في جوها واندثر

كذلك قالت لي الكائنات               وحدثني روحها المستتر

ودمدمت الريح بين الفجاج        وفوق الجبال وتحت الشجر

إذا ما طمحت إلى غايةٍ           ركبت المنى ونسيت الحذر

ومن لا يحب صعود الجبال        يعش أبد الدهر بين الحفر

فعجت بقلبي دماء الشباب      وضجت بصدري رياح أخر

وابن خلدون قال عجبًا:

(الحاكم العادل يظهر له الشعب الولاء ويبطن له الحب والوفاء، فإذا نزلت نازلة جعلوا نحورهم دون نحره، والحاكم الظالم يظهر له الشعب الولاء ويبطن له الكره والبغضاء، فإذا نزلت به نازلة أسلموه ولا يبالون).

ويقول أيضًا: (حينما ينعم الحاكم في أي دولة بالترف والنعمة، تلك الأمور تستقطب إليه ثلة من المرتزقين والوصوليين الذين يحجبونه عن الشعب، ويحجبون الشعب عنه، فيصلون له من الأخبار أكذبها، ويصدون عنه الأخبار الصادقة التي يعاني منها الشعب).

(والحاكم العادل هو مَن يدع حياة الترف ويستقصي أخبار شعبه، وذلك بنزوله إليهم وملامسة واقعهم عن كثب).

وهنا يأتي دور الطاغية بن علي الذي ينطبق عليه قول ابن خلدون، فقد صبر الشعب عليه كثيرًا وأعطاه ثلاثة وعشرين فرصةً فلم يصدق وأخذ غيره ثلاثين فرصة ولن يصدق.

فجاء دور الشابي وأراد الشعب الحياة فانحنت له جباه الطغاة ورحلوا غير مأسوفٍ عليهم لا يجدون لهم مأوى، فحلَّقت بهم الطائرات في الآفاق يبحثون عن بضعة أمتار من الأرض يضعون جانبهم عليها.

لقد هربوا بالثروات واللعنات ثروات الشعوب ولعناتها.. فهل يتعظ الطغاة ويخشون الله، ويحسنون، ويتوبون، وللشعوب يؤوبون؟

فيا أيها الطغاة أنتم للشعب أُجراء لا أمراء، كما قال الخليفة علي بن أبي طالب: "ألا إن مفاتيح مالكم معي، ألا وإنه ليس لي أن آخذ منه درهمًا دونكم" ثم قال: "أرضيتم؟" قالوا: نعم، قال: اللهم فاشهد".

قال رجلٌ لعمر بن الخطاب: لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله، فقال عمر رضي الله عنه: "ما مثلي ومثل هؤلاء إلا كقوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجلٍ منهم، فقالوا له: أنفق علينا؟ فهل له أن يستأثر منها بشيء؟ قالوا: لا يا أمير المؤمنين، قال: " فكذلك مثلي ومثلهم" فهو- إذن- وكيلٌ عنهم يقسمها بين الرعية بالسوية، كما قال الرسول العادل: "ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت" (رواه البخاري).

(وهذا ما وضحه الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: "ما بال عاملٍ أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أُهدي لي! أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا. والذي نفس محمد بيده! لا ينال أحدٌ منكم شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر".. ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه.. ثم قال: "اللهم! هل بلغت؟" مرتين (رواه مسلم).. "تيعر: أي تثغو".

وحذَّر النبي الشفيق على أمته عبادة بن الصامت لما بعثه لجباية الزكاة: "اتق الله يا أبا الوليد لا تجيء يوم القيامة ببعير تحمله على رقبتك له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها تؤاج", فقال: يا رسول الله أهكذا يكون؟ قال: نعم والذي نفسي بيده إلا من رحم الله قال: فوالذي بعثك بالحق لا أعمل على شيء أبدًا".

فهل عرف ذلك الملوك والأمراء والرؤساء الذين بنوا بأموال الشعب المسروقة القصور، وأنشئوا المزارع والمصانع، وأقاموا اليخوت الفارهة، وأنشئوا البنوك والشركات، ثم بنوا- بالفتات- بعض المساجد وأعطوا بعض الفقراء، وزعموا ذلك من المكرمات والمبرات، ثم علقوا صورهم على مقابر الفقراء وكتبوا أسماءهم على بطون الجوعى ومداد أقلامهم من دموع الثكالى.

إنجازهم بناء (السجون) وبطانتهم (المتسلقون)

أما الفاروق، وواشوقاه إلى الفاروق.. لما بعث أمير أذربيجان لعمر بن الخطاب نوعين لذيذين من الأطعمة ذاق عمر أحدهما، فوجده لذيذًا، ثم قال للرسول: أكل المسلمين يشبع من هذا؟ قال: لا، قال: أما لا فارددهما، ثم كتب إلى الأمير: "أما بعد فإنه ليس من كدك، ولا من كد أبيك، أشبع المسلمين مما تشبع منه في رحلك".

وصعد عمر بن الخطاب المنبر فقال: "أيها الناس، ألا تسمعون؟ فقال سلمان: لا نسمع، فقال عمر: ولم يا أبا عبد الله؟، فقال: لأنك قسَّمت علينا ثوبًا ثوبًا، وعليك حلةُ (أي ثوبين) فقال: لا تعجل يا أبا عبد الله، ثم نادى يا عبد الله بن عمر، فقال: لبيك، فقال: نشدتك بالله، الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: اللهم نعم، فقال سلمان: أما الآن فقل نسمع".

فيا أيها الطغاة لا سمعَ لكم ولا طاعة إلا إذا قلتم لنا من أين لكم الدور والقصور والأموال والأحوال؟ وكيف اغتنى منكم الأبناء والأعمام والأخوال؟ فإن أجبتم فلكم الولاء والوفاء وإلا فليس لكم إلا (البوعزيزي).

هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s