حضور القلب أثناء أذكار الصلاة ( من أسرار الصلاة)

Pic51200 

نواصل مع الإمام ابن القيم تناوله لبعض أسرار الصلاة واليوم مع عبوديات بعض أذكار الصلاة

عن  عبودية التكبير " الله أكبر "يقول :

و أُمر بأن يستقبل القبلة ـ بيته الحرام ـ بوجهه  و يستقبل الله عز و جل بقلبه  لينسلخ مما كان فيه من التولي و الإعراض  ثم قام بين يديه مقام المتذلل الخاضع المسكين المستعطف لسيِّده عليه  و ألقى بيديه مسلّماً مستسلماً ناكس الرأس  خاشع القلب مُطرق الطرف لا يلتفت قلبه عنه  و طرفة عين  لا يمنة و لا يسرة  خاشع قد توجه بقلبه كلِّه إليه.

و أقبل بكليته عليه  ثم كبَّره بالتعظيم و الإجلال و واطأ قلبه لسانه في التكبير فكان الله أكبر في قلبه من كلِّ شيء ، و صدَّق هذا التكبير بأنه لم يكن في قلبه شيء أكبر من الله تعالى يشغله عنه ، فإنه إذا كان في قلبه شيء يشتغل به عن الله دلّ على أن ذلك الشيء أكبر عنده من الله فإنه إذا اشتغل عن الله بغيره ، كان ما اشتغل به هو أهم عنده من الله ، و كان قوله " الله أكبر " بلسانه دون قلبه ؛ لأن قلبه مقبل على غير الله ، معظما له  مجلاً ، فإذا ما أطاع اللسان القلب في التكبير  أخرجه من لبس رداء التكبّر المنافي للعبودية ، و منعه من التفات قلبه إلى غير الله  إذا كان الله عنده و في قلبه أكبر من كل شيء فمنعه حقّ قوله : الله أكبر و القيام بعبودية التكبير من هاتين الآفتين ، اللتين هُما من أعظم الحُجب بينه و بين الله تعالى.

عبودية الاستفتاح

فإذا قال : " سبحانك اللهم و بحمدك" و أثنى على الله تعالى بما هو أهله  فقد خرج بذلك عن الغفلة و أهلها  فإن الغفلة حجاب بينه و بين الله.

و أتى بالتحية و الثناء الذي يُخاطب به الملك عند الدخول عليه تعظيما له و تمهيدا  و كان ذلك تمجيدا و مقدمة بين يدي حاجته.

فكان في الثناء من آداب العبودية  و تعظيم المعبود ما يستجلب به إقباله عليه  و رضاه عنه  و إسعافه بفضله حوائجه

حال العبد في القراءة و الاستعاذة

فإذا شرع في القراءة قدَّم أمامها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم فإنه أحرص ما يكون على خُذلان العبد في مثل هذا المقام الذي هو أشرف مقامات العبد و أنفعها له في دنياه و آخرته  فهو أحرص شيء على صرفه عنه  و انتفاعه دونه بالبدن و القلب ، فإن عجز عن اقتطاعه و تعطيله عنه بالبدن اقتطع قلبه و عطَّله  و ألقى فيه الوساوس ليشغله بذلك عن القيام بحق العبودية بين يدي الرب تبارك و تعالى  فأمر العبد بالاستعاذة بالله منه ليسلم له مقامه بين يدي ربه و ليحي قلبه ، و يستنير بما يتدبره و يتفهمه من كلام الله سيِّده الذي هو سبب حياة قلبه ، و نعيمه و فلاحه  فالشيطان أحرص شيء على اقتطاع قلبه عن مقصود التلاوة.

و لما علم الله سبحانه و تعالى حَسَد العدو للعبد  و تفرّغه له  و علم عجز العبد عنه ، أمره بأن يستعيذ به سبحانه ، و يلتجئ إليه في صرفه عنه ، فيكتفي بالاستعاذة من مؤونة محاربته و مقاومته ، و كأنه قيل له : لا طاقة لك بهذا العدو ، فاستعذ بي أعيذك منه ، و استجر بي أجيرك منه ، و أكفيكه و أمنعك منه .

نصيحة ابن تيمية لابن القيِّم

و قال لي شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه و نوَّر ضريحه يومًا : إذا هاش عليك كلب الغنم فلا تشتغل بمحاربته  و مدافعته  و عليك بالراعي فاستغث به فهو يصرف عنك الكلب  و يكفيكه.

فإذا استعاذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم أبعده عنه .

فأفضى القلب إلى معاني القرآن  و وقع في رياضه المونقة و شاهد عجائبه التي تبهر العقول  و استخرج من كنوزه و ذخائره ما عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر  و كان الحائل بينه و بين ذلك  النفس و الشيطان  فإن النفس منفعلة للشيطان  سامعة منه  مطيعة فإذا بَعُدَ عنها  و طُرد ألَّم بها الملَك  و ثبَّتها و ذكّرها بما فيه سعادتها و نجاتها.

فإذا أخذ العبد في قراءة القرآن  فقد قام في مقام مخاطبة ربِّه و مناجاته  فليحذر كل الحذر من التعرّض لمقته و سخطه  بأن يناجيه و يخاطبه  و قلبه معرِض عنه  ملتفت ، إلى غيره  فإنه يستدعي بذلك مقته ، و يكون بمنزلة رجل قرَّبه ملك من ملوك الدنيا ، و أقامه بين يديه فجعل يخاطب الملك  و قد ولاَّه قفاه ، أو التفت عنه بوجهه يَمنَة و يسرة ، فهو لا يفهم ما يقول الملك ، فما الظن بمقت الملك لهذا.

فما الظن بمقت الملك الحق المبين رب العالمين و قيوم السماوات و الأرضين.

نبدأ من التدوينة القادمة إن شاء الله أسرار الفاتحة

 

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s