د. طارق محمد السويدان – ثورة الشعب المصري

233101328 

يقولون إن الشباب استهواهم اللعب وتمكن منهم الفراغ وذهبت بهم شهواتهم كل مذهب!!
ويزعمون أن شباب الفيسبوك أصبحوا لا يعرفون إلا المجون ولا يهتمون إلا بالتوافه ولا يجيدون الرجولة!!
من غيركم أيها الشباب يكذّب ما يقولون، ويبطل ما يزعمون، من غيركم يا شباب مصر – ويا شباب الأمة كلها – يرد عليهم بأن الروح ما زالت تنبض فيكم، وأن حماسكم لا تقف أمامه قوة طاغية، وأن دماءكم ترخص بجانب مبادئكم وقيمكم، وأن الأكثرية الصامتة فيكم لم تقل كلمتها أيام المجون وها هي تقولها أمام الطغاة والفاسدين والظالمين؟!
قبل أن أعلق على أحداث مصر بالفكر والتأصيل والعقل لا أستطيع إلا أن أعبّر عن احترامي اللامحدود وسعادتي الغامرة بهذا الشباب الذي قام بمظاهرة سليمة حضارية ظهر رقيّها ورقيّهم فيها حينما تخلّى الأمن المصري عن مسؤوليته القومية فإذا بالشباب يدير الأمن بنفسه بل يدير حركة الحياة بشكل حضاري لا يمكن أن تصفه كلماتي.
أين أنتم يا علماء وقادة الأمة ؟!!

وقبل أن أدخل في التفاصيل لابد وأن أعترف بالفضل والشجاعة والشهامة لشيخي وأستاذي العلامة الدكتور يوسف القرضاوي على موقفه الشجاع والشهم وحسه الراقي بمعاناة شعوب الأمة وصراحته أمام الطغاة والمفسدين حتى تذكرت موقف العز بن عبد السلام حينما غضب عليه حاكم دمشق فجاءه الوجهاء يطلبون منه أن يترفق بالسلطان ويقبّل يده ليرضى عنه فقال للساعي (يا مسكين ،، ما أرضاه أن يقبّل يدي فضلاً عن أن أقبّل يده، أنتم في واد وأنا في واد). وكذلك التقدير الموصول لكل عالم ومفكر ساهم في هذه الثورة.
لكن عتبي شديد وأليم على كثير من العلماء والمفكرين خاصة من هم في موقع المسؤولية والقيادة على هذا التخاذل أو المواقف الهزيلة، فإن لم نسمع أصواتكم اليوم فمتى نسمعها ؟!!
أسباب الثورة في مصر
أغلقت الطرق السليمة والديمقراطية ( والتي نعبر عنها بالشورى وكلها مصطلحات لا فرق بينها) الأمل بالتغيير أمام الشعب المصري، وكانت الانتخابات الأخيرة في مصر مهزلة بالمعنى الكامل وبقي هذا النظام الفاسد يعيث في البلاد والعباد فسادا ثلاثين سنة فلم يجد الشعب طريقاً غير الانتفاضة والثورة كما حدث في تونس الحبيبة التي نحيي ثورتها ونضجها.
فقد الناس الأمل لأن الدساتير أصبحت لعبة في أيدي الطغاة يفصلونها على مقاس الحكام وأعمارهم ويبدلونها متى شاؤوا.
أضف إلى فقدان الديمقراطية الفساد الكبير والطغيان الشديد الذي استعملوه مع الناس، وكذلك إلغاء الحريات (بالرغم من أن مصر كان فيها حرية بسيطة للتعبير لكن الطغيان والفساد كان أشد وأنكى) علاوة على أن الناس حوربت في أرزاقها وقوتها ومأواها ومستقبلها وأصبح المال يدار بين أركان النظام والحزب الحاكم بطريقة اللعب والفحش الواضح بينما عامة الناس يتحايلون ليحصلوا على الرغيف حتى أصبح شائعاً بين أهل مصر (اللحمة من العيد إلى العيد، والفاكهة في المرض الشديد) وأصبحت الشهادة الجامعية ورقة لامعنى لها لأن الغالبية لا تجد وظيفة أو عملا شريفا.
انتهاك حرية وكرامة الإنسان
إذا أضفنا إلى كل ما سبق انتهاك حرية وكرامة الإنسان، حتى أن أصغر رجل أمن يحق له أن يهين أكبر مفكر أو شريف، وهنا – وأؤكد على هذه النقطة – يبدأ الناس بفقدان الصبر والتفكير بالثورة.
لماذا تأخرت الثورة ؟
جواب هذا السؤال الذي يطرحه البعض أن الناس يحتاجون أحياناً إلى شرارة وهذا ما حصل في تونس، كما أن الأمن وأركانه يخوّفون الناس ويرهبونهم بأزلامهم وجواسيسهم، حتى أصبح المواطن العربي في بعض هذه الدول البوليسية لا يأمن أخاه أو صديقه!!
حتى صدى الهمسات غشّاه الوهن
لا تنطقوا إن الجدار له أذن
لكن تكشّفت الحقيقة عن زيف هذه الظنون، وتيقن الشعب أن إرهاب الأمن هو تخويف وتهويل لاصحة له، وأن ضبطهم لحركة الناس هو عربدة لاأساس لها، فقد اختفى الأمن خلال الأيام وزهق الباطل أمام إرادة الشعب حتى إن المفسرين يقولون في تفسير الآية (إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه) أي يخوّفكم بأوليائه. فحكومات القمع تزرع الرعب بينما هي أوهى من بيت العنكبوت وأضعف من ذبابة.
الإعلام الحر والإعلام الرسمي
لقد سخر منهم أنصارهم قبل أن يسخر منهم العقلاء، هذا الإعلام الرسمي – ليس في مصر فقط – بل في الوطن العربي، إعلام المهزلة وإعلام التخلف، ينشر الأكاذيب ويحاول تضليل الناس في عصر بات فيه الخبر ينتقل بأسرع من الضوء، ومن المضحك أنه مع غروب شمس يوم الأربعاء كان الإعلام الرسمي المصري ينفي هجوم أنصار النظام الفاسد بالخيول والجمال على المتظاهرين المسالمين بينما نراها نحن رأي العين في القنوات الخاصة والحرة!!
أفيقوا أيها المسؤولون وأصلحوا إعلامكم فلم نعد في أيام الستينيات حينما كانوا يكذبون بأنهم أسقطوا عشرين طائرة ونحن نصفق لكذبهم بينما كانت قواعده الجوية قد دمّرت بأكملها!!
رجالات الشرطة والأمن
آه وهل يجدي عن المجروح آه ،، هل تحدّدت مهمة رجالات الشرطة والأمن بضرب الناس وسحقهم وقمعهم ثم الاختفاء ليظهر البلطجية والمجرمون فلا يجدون من يردعهم ؟! أين أنتم يا حماة الوطن ؟ إن من قام بهذا سواء من أصحاب القرار أو من أصغر شرطي فقد خان الله ورسوله والمسلمين والوطن، عار عليكم أن تكونوا حماة الوطن.
ياحكام العرب والمسلمين
هل يحتاج كل ظالم منكم إلى ثورة؟ وهل ننتظر كل شهر اضطرابا جديدا في بلد آخر؟ وهل تأخذكم العزة بالإثم إلى أن يقول كل منكم أنا أختلف عن فلان؟
ابدؤوها من تلقاء أنفسكم،، ديمقراطية حقة، وعدالة مرضية، وتشاورا مريحا لجميع فئات الشعب، وقطعا للظلم ابتداء من أنفسكم ثم من حاشيتكم الظالمة والبالية والمتعالية،،
لأن الشعوب بدأت تعي، وبدأنا نرى جيلا لايرضى بالهوان والذل والعبودية، ولأن الإعلام أصبح اليوم لصالح الشعوب لا لصالحكم.
إلى جموع المتظاهرين
رحم الله شهداءكم، فكل قطرة دم تنزل فإنما هي في سبيل الوطن والحرية، وكل قتيل منكم فهو شهيد بإذن الله، أكتب هذه المقالة عصر الخميس ولا أدري ما يحصل غداً الذي دعوتم أن يكون (الجمعة الأخيرة) لكن أقول لكم : لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون بإذن الله، اجتمعوا وتكاتفوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، لا ترضوا بأقل من أن يذهب النظام بأكمله لا بأشخاصه، نظام القمع والاستبداد والفساد والطغيان، أنتم أحرار لا تقبلون بالذل، بدأتم ثورتكم بشرف فأكملوها بشرف، اختاروا من يحكمكم برضاكم أنتم من أي اتجاه كان ومن أي فئة كان لكن بإرادتكم أنتم وبقراركم أنتم، نصركم الله على كل طاغية، وحقن دماءكم وأموالكم، وأوصلكم إلى بر الأمان وشطآن الراحة.

هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s