تأملات سيكولوجية في الثورة الشبابية

232088808 

بقلم: د. محمد سيد رمضان

شققتُ طريقي إلى ميدان التحرير (أرض الحرية) لألحق بهؤلاء الأبطال في الميدان، لعلي أنال معهم شرف الشهادة، ولما وطئت أقدامي هذا المكان أحسستُ كأنني انتقلتُ إلى عالمٍ آخر أو كوكب مختلف، وهناك رأيتُ العجبَ وسمعتُ ما ندر، وعشتُ بحق أسعد أيام عمري، وجالت بخاطري مجموعة من الخواطر السيكولوجية أردتُ أن أدلي بها، لعل الله يرزقنا النفع من ورائها.

هناك سؤال كان يلحُّ عليَّ دائمًا في الميدان: لماذا قامت هذه الثورة بهذه القوة وبمنتهى السرعة، وبتتابع أحداث وجملة نتائج تفوق كل خيال؟

لقد كان المواطن المصري لفتراتٍ طويلة في ظلِّ هذا الحكم الفاسد لا يجد لأفعاله نتائج، يتخرج فلا يجد عملاً، وينجح فلا يجد مقابلاً، ويتقدم إلى وظيفة تنطبق عليه شروطها ثم يُحرم منها، وتُمنح لمَن لا يستحقها، ويحصل على شهادة عليا فلا يجد عائدًا من ورائها، والفلاحون يزرعون فيخسرون، والعمال يعملون ولا يجدون ما يسدُّ رمقهم.

فالأفعال صارت لا تُثمر عن نتائج كما النبتة التي لا تنمو وتظل مخبوءةً في جوف الأرض، أو تنبت نباتًا هزيلاً ضعيفًا، لا يستطيع أن يواجه ريحًا أو يقاوم آفةً، وكما يقول علماء النفس فالمحصلة في مثل هذه الحالة هي الإحباط والشعور باليأس، ويتملك الفرد حينئذٍ طاقة سلبية تتوجه نحو ذاته، فالشعور بالنقص والدونية يُهيمن على مشاعر الفرد، والنظرة السلبية للذات تُسيطر على العقل، إنه الصراع الداخلي الذي يكاد يقتل الفرد، فيصبح المواطنون في أغلبهم كالجسد بلا روح، ويشتعل الصراع داخل الفرد بين جزءٍ يتوق إلى الحرية والكرامة وناقد مريض داخلي يشعره بالنقص والدونية، وكان لا بد لهذا الصراع من حل، البعض عجز عن حلِّ هذا الصراع فآثر السلبية واللامبالاة، وكان معظم هؤلاء من الأجيال كبيرة السن نوعًا ما، والتي آثرت السلامة وخافت المواجهة، ودعم ذلك عندهم تربية تلقوها في الصغر تفزعهم من بطش الظالم وتقنطهم من التغيير، وطائفة أخرى من المواطنين ومعظمهم من الشباب هربوا أيضًا من حسم هذا الصراع الداخلي فسقطوا في أحضان الإدمان بأنواعه، إلا أن هؤلاء الشباب الذين أطلوا علينا وفجَّروا تلك الثورة خرجوا من هذا الواقع المرير.

ووجدوا لأنفسهم متنفسًا، ففي عصر الانفجار المعرفي والثورة التكنولوجية تفتحت أمامهم آفاق، وتطلعت أعينهم على بقية الشعوب الأخرى التي تعيش في عزةٍ وترفرف عليها الكرامة، فتاقت أنفسهم إلى حياةٍ كريمة، ولاح أمامهم الأمل لتغيير هذا الواقع المرير، وقد بدأت بالفعل تحدث أفعالهم نتائج من قناعات، وتبادل حوارات، وعمل صداقاتٍ على المواقع الاجتماعية، فهناك أفكار تلمع وروح تتجدد وسلوك يتغير، وشعور بالانتماء يتعمق، ووحدة للهدف- ولو بشكلٍ جزئي- تتحقق، ناهيك عما هو مختزن في عقلهم اللا واعي من مشاهد الاضطهاد في الشارع المصري للحركات الاحتجاجية وصمود الكثير منهم أمام بطش النظام وقمعه، وكان من المخزون في عقلهم اللا واعي أيضًا.

أثر بعض برامج التنمية البشرية التي تلقوها، والتأثر بالأسلوب الجديد لبعض الدعاة عن ضرورة التغيير والقدرة على التأثير، ثم كانت الشرارة التي أشعلت الثورة أحداث تونس وفرار بن علي منها، فزادت الحمية والتهب الحماس، ودارت في الرءوس أسئلة عالقة ولماذا لا نفعل مثلهم ونقتدي بهم فلسنا أقل منهم؟

وهكذا حتى بدأت الثورة بالفعل وتوقدت نارها واشتعلت جذوتها، وبدأت الطاقة النفسية تتجه إلى الطريق الصحيح، فينتقل الصراع من الداخل إلى الخارج ويتحول الصراع مع السلطة إلى مواجهةٍ حقيقيةٍ بدلاً من تدمير الذات.

وحدة الهدف وذوبان الفوارق

في هذا العالم المختلف وفي هذا الكوكب العجيب على أرض ميدان الحرية رأيتُ وحدةَ الهدف وذوبان الفوارق، فهذا أحد قادة إحدى الحركات الإسلامية يهتف ويهتف من ورائه الآلاف: "الله أكبر وتحيا مصر، الله أكبر وتحيا مصر"، واسترجعتُ حينما رأيتُ هذا المشهد ذلك المطلب العبقري الذي كان من الشباب قادة هذا الاجتماع على النت، وهو النزول إلى أرض الميدان للتظاهر، والكل يحمل علمًا واحدًا هو علم مصر، فعلى أرض الحرية اختفت كل الرايات، ولا يرفرف هناك سوى علم واحد هو علم مصر فقط يحمله الجميع من كل الطوائف والفئات والحركات السياسية المختلفة والجماعات الإسلامية، حتى صار العلم هو أكثر الأشياء مبيعًا داخل ميدان الحرية.

فالقاسم المشترك بين المتظاهرين وهو حب مصر والدفاع عنها وجملة المطالب التي تطالب وتنادي بها الثورة، جعلت الجميع يتوحد على هدفٍ واحد؛ لذا فقد ذاب الخلاف ورقت المشاعر وتآلفت القلوب وتعانقت الأرواح، واختفت كل الرايات، وهذا درسٌ عظيمٌ ألقت بظلاله هذه الثورة الجليلة، فالالتفاف حول الهدف الكبير والاتفاق على القاسم المشترك والانتماء لشيءٍ مجمع عليه هو السبيل الوحيد للخروج من الخلاف وتنازع الآراء؛ لذا في أرض الحرية ذابت كل الفوارق، فتعانق الهلال مع الصليب، ونام الغني بجوار الفقير، والتقى الشاب والشيخ، والعامل مع أستاذ الجامعة، كما تلاقت وتلاحمت الحركات السياسية المختلفة والجماعات الإسلامية المتباينة، وتحرر الناس هناك من الخوف إلا من نوعٍ واحدٍ ألا وهو الخوف على مصر، وأسبل الناس في سعادةٍ غامرة، فالحب والتعاون والتآلف يجمعهم، فبرزت المشاعر الإيجابية والسلوكيات الرائعة.

الحرية شرط للإبداع

داخل هذا الميدان الرحب من ميدان الحرية يُعبِّر الجميع عما يريد دون خوفٍ من بطشٍ أو ملامة، ففي هذا الميدان عمَّت الحرية، وفاحت رائحتها العبقة، وشعر الناس وكأنهم في عالمٍ آخر، فضاء رحب وكوكب جديد ينزل الناس عليه يعيشون حلمًا كبيرًا، فلتتحدث هنا عما تشاء، وتُعبِّر عما تشاء دون خوفٍ أو مواربة، فظهرت إبداعات كثيرة، وصرت وأنت تتحرك داخل هذا الكوكب الجديد ترى عجبًا، فرق فنية، أهازيج وأغاني، التعبير بإشكال مختلفة، تعبير بالرسم، وآخر بالكتابة وثالث تشكيل بالحجارة على الأرض، زجل وشعر، تمثيل ومسرح، كوميديا ودراما، هتاف وتصفيق، بكاء وعويل، مرح وضحك، فكل أشكال التعبير موجودة، فهنا وجد كل شخص لنفسه دور واضح، وعمل مؤثر، وفرصة للتعبير، وأصبحت وأنت تمر داخل هذا الكوكب العجيب كأنك تمر بكارنفال رائع واحتفال نادر، وجملة معارض فنية رائعة، وساعد على ذلك أن كل طوائف الشعب شاركت وألقت بظلالها ودعمت بإسهاماتها، فلربما لم يتنسم هذا الشعب هذه الحرية بهذا القدر في هذا الوادي الفسيح في ظل تمثيلٍ حقيقي لهذا الشعب.

مع قوة الإرادة ترتقي الإدارة

نظام بديع وترتيب متميز تراه بعينك داخل ميدان الحرية، فرق مسئولة عن الحراسة، وأخرى لتجهيز الطعام، وثالثة لنظافة المكان، وكذلك مستشفيات ميدانية، وفرق أخرى متنوعة مسئولة عن مهام مختلفة، وقد عجبتُ حينما رأيت لكل مجموعةٍ قيادات تُنظِّم العمل، وهذه القيادات أفرزها الواقع، فكل شخص مشارك اتجه نحو ما تتوق إليه نفسه ويلائم قدراته، وكل مشارك وجد لفعله نتيجة وآثار ملموسة، ثم برزت بعد ذلك من بين هؤلاء قيادة لكل مجموعة، ناهيك عن أن كل مشكلة إدارية تبرز على السطح، سرعان ما تجد لها حلاًّ، وفي معظم الأحيان تكون حلولاً ابتكارية، فالطعام وتدبيره والمطر ونزوله، والبلطجية وهجومهم، والمثبطون وتخذيلهم، والدواء وتوفيره.. إلى آخر هذه الأشياء وكل هذه الصور وغيرها؛ يُراد فيها حل سريع وفعال وعادة ما يكون في شكل لمحة إبداعية.

هنا استعاد الإنسان كرامته

في طوابير طويلة كنا نقف فيها قرابة الساعة لدخول دورة المياه، فلا ضجر ولا ملل، والناس خلال أوقات الانتظار يعبرون عما بداخلهم بحرية، يتحاورون بهدوء، ويمر عليهم الوقت يسيرًا لا مملاً، أدب متميز في التعامل، لا خلافَ بين مسلم أو قبطي، ليس هناك تحرش جنسي، أو سرقة، فالعلاقات طيبة، والتعامل رقيق، والتسامح يسود.

فهنا استعاد الإنسان كرامته، وما كان يحدث بين الناس خارج هذا الميدان من نزاع أو شقاق أو سوء معاملة لم يكن إلا تفريغ غير سوي للصراع مع السلطة، إنه ميكانيزم التحويل، فحينما لا يستطيع المواطن أن يواجه الدولة، فمن الأيسر له أن يواجه المسلم القبطي الذي تدعمه الدولة- من وجهة نظره- ويواجه القبطي المسلم الذي يحتمي بالأغلبية ويستعين بالدولة- من وجهة نظره- أو ربما يتشاجر مع شخص يركب سيارة فارهة، أو المعلم القاسي أو الأب العنيد.. إلى آخر أشكال الصراعات التي كانت تحدث خارج هذا الميدان، وكلها إشكال من تحويل الصراع مع السلطة إلى وجوه ترمز إلى هذه السلطة، لكن على أرض الحرية حدث التفريغ الحقيقي للطاقة النفسية في شكلها الصحيح، صراع حقيقي مع السلطة الغاشمة يحل بالمواجهة بدلاً من الهروب بالسلبية أو الوقوع في أحضان الإدمان، فهنا في ميدان الحرية وجد المعتصمون ضالتهم، الشعور بالتقدير والكرامة، هنا وجدوا حريتهم، هنا وجدوا لأفعالهم أثرًا ولآرائهم صدى، ولسلوكهم نتائج.

صفحات جديدة وتاريخ مُشرِّف وحياة كريمة صنعها هؤلاء للأبطال بدمائهم وتضحياتهم التي لم تذهب سدى.

تستطيع أن نقول بحق إن هذه الثورة أحدثت تداعيات ونتائج خطيرة، فهي أشبه في نتائجها ومعطياتها، وما ترتب عليها بنصر أكتوبر المجيد، فكما أحدثت هذه الحرب المجيدة نتائج هائلة على المستوى العسكري وعلى الصعيد المصري والعالمي؛ كذلك كانت هذه الثورة فريدة في طريقة تشكيلها وفي فصولها المختلفة وأحداثها المتباينة وطبيعة مَن قام بها، وكذلك آثارها ونتائجها، وربما تدرس عبر التاريخ على مدار الأزمان كثورةٍ منفردة ومتميزة عن غيرها من الثورات.

حمى الله مصر ورفع لواءها وبارك في أبنائها

وأسبغ عليها نعمه وأحاطها بعنايته ومنحها الأمن والأمان

وتحيةً لكل هؤلاء الأبطال الشرفاء الذين

استعادوا لنا كرامتنا وإنسانيتنا وتقديرنا لذواتنا

وجعلونا نعيش أيامًا من أجمل أيام عمرنا

وتقبل الله شهداء هذه الثورة ورفعهم إلى أعلى عليين

هذا المنشور نشر في الثورة المصرية, عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s