أزمة البطالة‏..‏ الواقع وكيف تواجهه مصر الثورة

236488637-72cdd133d49bc918ac820bbd4f13b9f3.4d4d8918-scaled 

فى مرحلة بناء الأمم وبناء نهضتها نحتاج لحظات بطولة كالتى شهدناها فى أيام الثورة ولحظات بناء نحتاج فى هذا الوقت لدمج لحظات البناء ولحظات البطولة ….فى تدوينة سابقة قدمت مشروع نهضوى تنموى للعالم الدكتور فاروق الباز عن ممر التنمية واليوم هذه دراسة للأستاذ أحمد السيد النجار نشرت ببوابة الأهرام عن أزمة البطالة وكيف نتعاطى معها فى مرحلة مصر الثورة الدراسة يقول فيها :

تواجه مصر الثورة تركة اقتصادية ثقيلة من نظام مبارك الفاسد والذي أطلق في مرحلته الأخيرة حفنة من الرأسماليين ليسيطروا علي مراكز الحكم وينهشوا المال العام ككلاب مسعورة‏,‏ ويسفهوا قيم الحكم والمسئولية العامة‏.‏

وكانت النتيجة هي أزمات اقتصادية ـ اجتماعية متنوعة تمسك بخناق مصر وتستوجب تضافر الجهود والعقول الوطنية من أجل مواجهتها من أجل إعادة البناء الاقتصادي علي قواعد العمل والعلم والكفاءة والنزاهة والعدل‏.‏ وضمن الأزمات الاقتصادية ـ الاجتماعية المستحكمة التي تعاني منها مصر حاليا‏,‏ تعتبر أزمة البطالة بما تعنيه من حرمان القادرين علي العمل والراغبين فيه‏,‏ من كسب عيشهم بكرامة‏,‏ من أهم آليات التهميش الاقتصادي والإفقار‏,‏ حيث تدفع العاطلين إلي هوة الفقر والاعتماد علي الغير واستنزاف المدخرات أو الميراث في حالة وجودهما والتحول في النهاية في كل الأحوال إلي فقراء‏.‏
وهناك اضطراب حقيقي في البيانات الرسمية الخاصة بعدد العاطلين ومعدل البطالة‏.‏ وعلي سبيل المثال فإن هناك أخطاء ساذجة للغاية‏,‏ حيث يشير البنك المركزي‏(‏ النشرة الإحصائية الشهرية أكتوبر‏2010,‏ صـ‏117),‏ إلي أن إجمالي عدد المشتغلين فعليا عام‏2009,‏ بلغ‏23‏ مليون شخص‏,‏ وعندما أوضح توزيعهم التفصيلي بين قطاع الأعمال العام‏(0.7‏ مليون‏),‏ والحكومي‏(5.4‏ مليون‏),‏ والخاص‏(16.5‏ مليون‏),‏ فإن المجموع يصبح‏22.6‏ مليون شخص فقط‏,‏ أي أقل بنحو‏400‏ ألف عن الرقم المعلن كعدد للمشتغلين في نفس الصفحة من نشرة البنك المركزي‏.‏ ولو خصمنا عدد المشتغلين فعليا‏(22.6‏ مليون شخص‏)‏ من تعداد قوة العمل وفقا للبيانات الرسمية في نفس المصدر‏(25.4‏ مليون شخص‏),‏ فإن عدد العاطلين يصبح‏2.8‏ مليون عاطل تقريبا‏,‏ وليس‏2.38‏ مليون عاطل كما هو منشور في المصدر نفسه‏,‏ ربما بسبب خطأ حسابي ساذج بافتراض حسن النية‏,‏ ويصبح معدل البطالة‏12.4%‏ من قوة العمل عام‏2009,‏ وليس‏9.4%‏ كما هو منشور في نفس النشرة الإحصائية للبنك المركزي المشار إليها أعلاه‏.‏ والطريف أنه حتي بحساب العاطلين‏2.38‏ مليون عاطل‏,‏ فإن معدل البطالة يصبح‏9.5%‏ وليس‏9.4%!!‏
ويمكن الاستدلال علي تضارب البيانات من واقع البيانات المنشورة عن تعداد قوة العمل المصرية في تقرير مؤشرات التنمية في العالم‏2010,‏ حيث يشير التقرير‏(‏ صـ‏66),‏ إلي أن تعداد قوة العمل المصرية‏26.3‏ مليون شخص عام‏2008,‏ وهو بيان مأخوذ من الحكومة المصرية مباشرة أو بعد مراجعة البيان المقدم منها بالاتفاق معها‏.‏ ولو خصمنا من هذا الرقم‏,‏ عدد المشتغلين فعليا عام‏2008‏ حسب البيانات الرسمية المصرية‏,‏ أي‏22.3‏ مليون‏,‏ فإن عدد العاطلين يصبح‏4‏ ملايين شخص‏,‏ ويصبح معدل البطالة‏15.2%‏ من قوة العمل وفقا لتعدادها المنشور في تقرير البنك الدولي المشار إليه‏.‏
كما أن سوق العمل المصرية تعاني من تشوهات جمة‏,‏ عنوانها تغول أرباب العمل علي العاملين لديهم وعدم التأمين علي غالبية العاملين‏(53%‏ من العاملين غير مؤمن عليهم‏),‏ وتخفيض أجورهم بصورة مزاجية دفعت العديد منهم لتفضيل البطالة علي الاستمرار في أعمال لا تغطي تكاليف الذهاب إليها والعودة منها والمصروفات الضرورية أثناء العمل‏,‏ والاستغناء عنهم بلا أي تعويض‏.‏
وتستدعي هذه الأزمة جهدا مضاعفا من الحكومة والأمة من أجل معالجتها وتفادي تأثيراتها المدمرة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا‏.‏ وربما تكون إعادة هيكلة الإنفاق العام وتوظيفه بصورة تساعد علي خلق فرص عمل جديدة ودائمة في الصناعة والزراعة والخدمات الحقيقية‏,‏ هي عملية ضرورية لمواجهة أزمة البطالة‏.‏ كما أن هناك ضرورة لإحداث تغيير جوهري في السياسات المصرفية لتتحيز لصغار ومتوسطي المقترضين وللمستثمرين في القطاعات الحيوية التي تلبي احتياجات الشعب مع تكوين حضانات قومية مركزية ومحلية لرعاية المشروعات ومساعدتها علي اختيار مجال العمل المرتبط باحتياجات المجتمع المحلي وبالخامات المتوفرة فيه كأولوية أولي وليست وحيدة‏,‏ وتوفير التمويل الميسر لها ورقابة ورعاية التزامها بالمواصفات القياسية لضمان التسويق الداخلي والخارجي‏,‏ وربطها بمشروعات كبيرة لتنتج سلعا وسيطة أو نهائية لها‏,‏ وربطها بسلاسل تجارية أيضا لضمان التسويق والاستمرار‏,‏ ومتابعتها خطوة بخطوة لضمان نجاحها وعدم تعثرها‏,‏ وذلك بالتعاون مع الجمعيات الأهلية المحلية‏.‏ وللعلم فإن سياسة تركيز القروض علي عدد محدود من كبار الرأسماليين‏,‏ قد انتهت بكارثة الهاربين بأموال البنوك لدرجة جعلت مخصصات القروض المعدومة والمشكوك في تحصيلها تصل إلي نحو‏77.9‏ مليار جنيه في أغسطس الماضي‏.‏ إن أبسط ما يحتاج إليه المواطن من حكومته هو أن يتمكن من كسب عيشه بكرامة من عمله وكده واجتهاده وهذه مسئولية الحكومة سواء من خلال ايجاد وظائف عامة حقيقية في الصناعة والزراعة والخدمات‏,‏ أو تهيئة البيئة الاقتصادية بإجراءات مالية ونقدية ملائمة وعادلة وفعالة‏,‏ وتقييد البيروقراطية المعوقة للأعمال والتي تضيف بفسادها تكاليف إضافية غير مرئية للأعمال‏,‏ فضلا عن تعطيلها لتلك الأعمال‏.‏
ومن الضروري التأكيد مجددا إلي أنه عندما تتخلي الدولة عن تعيين الخريجين في إطار التحول للنظام الاقتصادي الرأسمالي الحر‏,‏ فإنها لابد أن تعمل علي تهيئة البيئة الاقتصادية لاستنهاض الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة والتعاونية والكبيرة التي تخلق فرص العمل‏.‏ أما من لا يجدون فرصة عمل ويتحولون إلي عاطلين‏,‏ فإنه علي الدولة التي تخلت عن ضمان التشغيل وفشلت في تنشيط الاقتصاد وإيجاد الوظائف‏,‏ أن تدفع إعانات لهم لمساعدتهم علي الوفاء بجزء من احتياجاتهم الإنسانية وكآلية للدفاع الاجتماعي‏,‏ وكنوع من الضغط علي الحكومة من أجل العمل علي خلق الوظائف لهم‏.‏
وكانت حكومات مبارك تدعي دائما أنه ليست لديها موارد لتقديم إعانات للعاطلين‏,‏ وهو إدعاء مصدره التحيز الأيديولوجي‏,‏ لأن تلك الحكومات نفسها تقدم عشرات المليارات من الجنيهات كدعم للرأسمالية الكبيرة في صورة دعم للطاقة والصادرات وغيرها‏.‏ ولو تأملنا سلوك دول نامية وأفقر من مصر كثيرا مثل الهند وهي دولة يبلغ متوسط نصيب الفرد فيها من الدخل نحو‏58%‏ من نظيره في مصر‏,‏ سنجد أنها استدركت هذا الأمر وأصبحت تقدم إعانات للعاطلين منذ عام‏2006‏ بواقع أجر‏100‏ يوم عمل لكل عاطل‏,‏ والأمر لا يتعلق في مصر بغياب الموارد وإنما بترتيب حكومات الدكتاتور المخلوع مبارك للأولويات بصورة متحيزة أيديولوجيا تهتم بتدليل الرأسماليين الكبار من أصحاب النفوذ السياسي بالتحديد‏,‏ قبل الوفاء بالاحتياجات الأساسية للمواطنين‏.‏

هذا المنشور نشر في الثورة المصرية, عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s