ماهية السير القلبى لله عز وجل (شرح وتلخيص كتاب تربيتنا الروحية )

 293936396

فى عرضنا لكتاب تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى توقفنا عند نقطة هامة وهى أن ركنى السير  إلى الله عز وجل هما العلم والذكر واليوم نشرح ونلخص ما ذكره الشيخ سعيد حوى عن ماهية السير القلبى لله عز وجل كما يقول الشيخ حوى :

 إن لب الموضوع في السير إلى الله هو الوصول إلى القلب السليم،

ففي الحديث "إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" رواه البخاري

إن صلاح القلب به صلاح النفس، وصلاح الجسد وهو صلاح للروح، إذ في هذه الحالة تكون الروح في وضعها الصحيح، وهو نقطة البداية في الاستقامة، وبهذا الصلاح يكون استعداد الإنسان للتلقي عن الله كاملاً، والقدرة على الخلاص من الفتنة متوفرة بإذن الله، ومن ثم فنقطة البداية الصحيحة لحياة إسلامية كاملة هي صلاح القلب وإصلاحه، والسير إلى الله في جوهره هو هذا السير في القلب نحو صلاحه ثم الاستمرار به في حالة الصلاح والقيام بحقوق العبودية الخالصة لله عز وجل حتى الموت

يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي مر معنا من قبل: "القلوب أربعة، قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط عليه غلافة، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة، يمدها القيح والدم، فأي المادتين غلبت على الأخرى، غلبت عليه"

في هذا الحديث "بيان لأنواع القلوب البشرية بالنسبة لقضية الإيمان وواضح من الحديث أن القلب الكافر الذي ربط على غلافه والقلب المنكوس لا فائدة منهما في قضية الإيمان، والقلب الذي فيه مثل السراج يزهر هذا هو القلب الهدف وهو القلب السليم وهو غاية سير السائرين في عملية إصلاح القلب، والقلب الذي هو محل العلاج هو القلب الذي لا زال فيه بقية من نور الفطرة أو هو القلب الذي فيه بقية من إيمان مثل هذا القلب هو محل العلاج، وهو القلب الذي يفترض على أصحابه فرضاً أولياً أن يسيروا في الطريق إلى صلاحه وإصلاح هؤلاء الفريضة الأولى في حقهم هي السير نحو صلاح قلوبهم حتى تصل إلى أن تكون القلب المؤمن العارف ولا شك أن القلب الكافر والقلب المنافق الفريضة الأولى في حق أصحابهما هي الإسلام والإيمان ولكن هذا مما لا نطمع فيه، إذ لا محل عند هؤلاء للسماع أصلاً فضلاً عن الاستجابة، قال تعالى {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصمّ الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادِ العُمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون}

وإذن فالفريضة الأولى في حق مرضى القلوب هي إصلاح قلوبهم ثم الاستمرار بها في حالة معينة في إعطائها الزاد اليومي اللازم والغذاء الذي تحتاجه، وهي قضية تختلف من إنسان لإنسان ثم ملاحظتها من فترة وأخرى بالقيام بعملية تجديد الإيمان فيها وهكذا الشأن حتى الوفاة.

ولن يستطيع أحد أن يحافظ على سلامة قلبه وصحته وهو مقصر في فريضة من الفرائض أو هو مستمر عل منكر من المنكرات لاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه ليغان على قلبي حتى استغفر في اليوم مائة مرة" أخرجه مسلم وأبو داود، فأنت ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل شيئاً ما ليبقى قلبه على حال معين، ثم إنه عليه الصلاة والسلام يقول: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم" أخرجه الطبراني في الكبير وأخرجه غيره وهو حديث حسن، ويقول عليه الصلاة والسلام "جددوا إيمانكم… قيل يا رسول الله كيف نجدد إيماننا، قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله" رواه الإمام أحمد بإسناد جيد.

إنه من خلال هذه النصوص ندرك  إن المرحلة الأولى هي الانتقال بالقلب من مرض إلى صحة ثم المرحلة الثانية إعطاء هذا القلب الزاد اليومي والزاد اللازم كل حين ليبقى القلب محافظاً على حالته الإيمانية الرفيعة ويبقى هذا هو الشأن في حق كل إنسان حياته كلها حتى يلقى الله عز وجل،

والطريق إلى إصلاح القلب العلمُ ثم العمل بالإسلام، ومحل الذكر في العمل هو الأول فهذه قضايا ثلاث

أن العلم لا بد منه ومع العلم، العمل بالإسلام كطريق لا بد منه لتتسلل أنوار الإيمان شيئاً فشيئاً إلى القلب حتى يستنير كله، قال تعالى {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}. فالإيمان لم يدخل ولكنه على وشك الدخول بسبب الإسلام وأعمال الإسلام.

فكل عمل من الإسلام يفعله الإنسان إذا صحت النية فيه له نوره الذي يتسلل إلى القلب فإذا تصورنا الآن إنساناً قلبه فيه إيمان ونفاق وتصورنا أن هذا الإنسان قطع مدد النفاق عن قلبه بتركه الفسوق وأعمال الكافرين وبتركه المعاصي وتصورنا أن هذا الإنسان أقبل بهمة ونشاط على أعمال الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وجهاد وذكر وقراءة قرآن وغير ذلك، مثل هذا الإنسان لا يلبث بعد فترة حتى يستنير قلبه ويصل بسرعة إلى القلب المؤمن الذي فيه مثل السراج يزهر،

والفرائض كلها لا بد منها كطريق في عملية الإصلاح هذه ومن الفرائض الصلاة وهي ذكر ولكن باب الذكر أوسع، والذكر في قضية القلوب له المكان الرفيع، قال تعالى {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] ولكن الوصول إلى الحالة التي يعطي الذكر فيها القلب اطمئناناً يعتبر وضعاً متقدماً في السير الإيماني ولذلك جاء قوله تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}

ويجب أن نلاحظ أنه  بقدر الهمة على العلم وعلى العمل وخاصة الذكر يستطيع الإنسان أن يقطع مراحل كبيرة، ولحكمة ما نلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد كلفوا بالآيات الأولى من سورة المزمل سنة كاملة {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً. إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً إن لك في النهار سبحاً طويلاً واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً} [المزمل: 1-8]، أن يقبل المسلم على صلاته فريضة ونافلة وأن تكون له أوراده الكثيرة من الأذكار وقراءة القرآن مع سيره إلى إصلاح قلبه بسرعة كبيرة وذلك بقدر ما يبذل من جهد وطاقة فالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى…

فإذا وصل إلى طمأنينة القلب وحياته وتنوره بقي عليه أن يحافظ على هذه الحالة وأن يزيد نورانية قلبه وذلك بالمحافظة على حد أدنى من الأوراد المتعددة تكفي احتياجات قلبه وهذه الاحتياجات تختلف باختلاف الناس فالإنسان المضطر لخلطة بيئات فاسدة أو كافرة تختلف حاجات قلبه عن إنسان يعيش ليلاً ونهاراً في بيئة المسجد وفي أجواء الصالحين.

ولذلك نلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس إلى أنواع كثيرة من الأذكار والأوراد وترك بعد الفرائض والواجبات للإنسان حرية الإختيار للمندوبات وما أكثرها ثم على كل مسلم أن يلاحظ حالة القلبي في كل فترة فيجدد إيمانه بالإقبال على كلمة التوحيد ولذلك نلاحظ أن الله عز وجل فرض علينا فرائض سنوية كالصوم والزكاة وبعضها عمرية كالحج، وكل ذلك له محله في قضية استمرارية الإيمان وتجديده وحياته وصلاح القلب وفي دوائر مما ذكرناه تقع أغلاط كثيرة يرتكبها كثير من الناس فلنحاول أن نحدد بعض هذه الأغلاط من خلال عرض بعض الأمور:

أولاً: ما أمر الله عز وجل الإنسان بشيء ولا نهاه عن شيء إلا وفي ذلك حكمة ومصلحة للإنسان ومجموعة ما فرض الله عز وجل على الإنسان وشرعه له هو الذي فيه دواؤه وعلاجه. فلو حدث أن الإنسان عطل أمراً ما من الأوامر فلا بد أن يترتب على ذلك فساد في نفسه وفيمن حوله. هذه ناحية والناحية الثانية أنه ما من أمر ولا نهي شرعه الله عز وجل إلا وفي ذلك حكمة فإذا لم يحقق الإنسان الحكمة من تنفيذه الأمر يترتب على ذلك فساد في نفسه وفساد فيمن حوله

ثانياً: ومن مظاهر الغلط الرئيسية التي يقع فيها بعض ممن يتصدرون لعملية اصلاح القلوب من الصوفية والعلماء وغيرهم أن الكثير منهم تغيب عنه أن من شروط صلاح القلب أو إصلاحه التخلي عن معان، كما أن من شروط ذلك التحقق بمعان فالذكر بأنواعه وأعمال الإسلام بأنواعها، كلها قضايا ذات صلة بإصلاح القلب وعدم التفريط بالقيام بحق الأمر والنهي شرط لصلاح القلب وإصلاحه. وفي هذا المقام يقع بعض الناس في غفلة عن البديهيات ولتوضيح هذا المقام فلنستعرض بعض المعاني.

قال تعالى: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه، يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً، أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 44] فههنا مرض يستحيل معه شفاء القلب والعلة الرئيسية ههنا هي وجود الإنسان الذي عنده استعداد لسماع الأكاذيب وعنده استعداد للتجسس على المسلمين لحساب الكافرين {سماعون للكذب} وما أكثر الذين يسعون الإشاعات الكاذبة ويصدقونها في المسلمين {سماعون لقوم آخرين} وما أكثر الذين يتطوعون في نقل أخبار المؤمنين للكافرين… من هذا المثال ندرك أن قضية صلاح القلب لها شروطها السلبية كما أن لها شروطها الإيجابية ولكن القليلين هم الذين يدركون ذلك.

ثالثاً: لا يصل القلب إلى أن يكون مؤمناً خالص الإيمان فيه مثل السراج يزهر، إلا إذا وصل إلى معرفة الله معرفة ذوقية قلبية صافية والإنسان بقدر معرفته بالله، يزداد خضوعاً لأحكامه وتطبيقاً لها والتزاماً بها وأخذاً بقوة لها مهما ترتب على ذلك من خرق عادات أو ضغط مجتمع أو انحراف سلطة. فالتلقي الكامل عن الله والعمل بشريعته وأخذ كتابه بقوة ذلك مقتضى صلاح القلب، قال تعالى {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} [مريم: 11] {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} [الزمر: 55] وقال الله عز وجل لرسوله عليه الصلاة والسلام {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً} [الجاثية: 18] هذا كله يشير إلى أن الوصول إلى القلب العارف هو مقدمة التلقي الكامل عن الله عز وجل ومن هنا نفهم خطأ الذين يتصورون أن السير إلى معرفة الله لا يتطلب أخذ الأحكام ثم يتصورون أنه إذا وصل الإنسان إلى المعرفة فلا عليه لو فرط في الأحكام.

وفيما بين البداية والنهاية يوجد قصور وتقصير وأغلاط وإهمال، ونسأل الله أن يلهمنا الحق وأن يجعلنا من العاملين.

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s