من أسرار الفاتحة -1 (من أسرار الصلاة )

r34_20093011 
توقفت فى عرض أسرار الصلاة للإمام ابن القيم قبل الثورة المصرية عن عبودية القراءة والمعانى التى يجب أن يستحضرها العبد إذا أراد التحقق بالخشوع فى الصلاة
يواصل ابن القيم فيقول :
حال العبد في القراءة و الاستعاذة

فإذا شرع في القراءة قدَّم أمامها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم فإنه أحرص ما يكون على خُذلان العبد في مثل هذا المقام الذي هو أشرف مقامات العبد و أنفعها له في دنياه و آخرته  فهو أحرص شيء على صرفه عنه  و انتفاعه دونه بالبدن و القلب  فإن عجز عن اقتطاعه و تعطيله عنه بالبدن اقتطع قلبه و عطَّله  و ألقى فيه الوساوس ليشغله بذلك عن القيام بحق العبودية بين يدي الرب تبارك و تعالى  فأمر العبد بالاستعاذة بالله منه ليسلم له مقامه بين يدي ربه و ليحي قلبه ، و يستنير بما يتدبره و يتفهمه من كلام الله سيِّده الذي هو سبب حياة قلبه  و نعيمه و فلاحه ، فالشيطان أحرص شيء على اقتطاع قلبه عن مقصود التلاوة.

و لما علم الله سبحانه و تعالى حَسَد العدو للعبد  و تفرّغه له  و علم عجز العبد عنه  أمره بأن يستعيذ به سبحانه  و يلتجئ إليه في صرفه عنه  فيكتفي بالاستعاذة من مؤونة محاربته و مقاومته  و كأنه قيل له : لا طاقة لك بهذا العدو  فاستعذ بي أعيذك منه  و استجر بي أجيرك منه  و أكفيكه و أمنعك منه .

نصيحة ابن تيمية لابن القيِّم

و قال لي شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه و نوَّر ضريحه يومًا : إذا هاش عليك كلب الغنم فلا تشتغل بمحاربته  و مدافعته  و عليك بالراعي فاستغث به فهو يصرف عنك الكلب  و يكفيكه.

فإذا استعاذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم أبعده عنه .

فأفضى القلب إلى معاني القرآن  و وقع في رياضه المونقة و شاهد عجائبه التي تبهر العقول ، و استخرج من كنوزه و ذخائره ما عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر ، و كان الحائل بينه و بين ذلك ، النفس و الشيطان ، فإن النفس منفعلة للشيطان ، سامعة منه ، مطيعة فإذا بَعُدَ عنها ، و طُرد ألَّم بها الملَك ، و ثبَّتها و ذكّرها بما فيه سعادتها و نجاتها.

فإذا أخذ العبد في قراءة القرآن  فقد قام في مقام مخاطبة ربِّه و مناجاته ، فليحذر كل الحذر من التعرّض لمقته و سخطه  بأن يناجيه و يخاطبه  و قلبه معرِض عنه  ملتفت  إلى غيره  فإنه يستدعي بذلك مقته  و يكون بمنزلة رجل قرَّبه ملك من ملوك الدنيا  و أقامه بين يديه فجعل يخاطب الملك  و قد ولاَّه قفاه  أو التفت عنه بوجهه يَمنَة و يسرة  فهو لا يفهم ما يقول الملك  فما الظن بمقت الملك لهذا.

فما الظن بمقت الملك الحق المبين رب العالمين و قيوم السماوات و الأرضين.

حال العبد في الفاتحة

فينبغي بالمصلي أن يقف عند كل آية من الفاتحة وقفة يسيرة ، ينتظر جواب ربِّه له ، و كأنه يسمعه و هو يقول : " حمدني عبدي " إذا قال : { الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ}.

فإذا قال : { الرَّحمن الرَّحيم } وقفَ لحظة ينتظر قوله : " أثنى عليَّ عبدي ".

فإذا قال : {مالكِ يومِ الدِّينِ } انتظر قوله : " مجَّدني عبدي ".

فإذا قال : { إيَّاك نَعبدُ و إيَّاك نَستعين } انتظر قوله تعالى : " هذا بيني و بين عبدي ".

فإذا قال : {اهدِنا الصِّراط المُستقيم } إلى آخرها انتظر قوله : " هذا لعبدي و لعبدي ما قال ".

و مَن ذاق طعم الصلاة عَلِمَ أنه لا يقوم مقام التكبير و الفاتحة غيرهما مقامها  كما لا يقوم غير القيام و الركوع و السجود مقامها ، فلكلٍّ عبوديته من عبودية الصلاة سرٌّ و تأثيرٌ و عبودية لا تحصل في غيرها ، ثمَّ لكل آية من آيات الفاتحة عبودية و ذوق و وجد يخُصُّها لا يوجد في غيرها.

فعند قوله : { الحمد لله رب العالمين } تجد تحت هذه الكلمة إثبات كللّ كمال للرب و وصفا و اسما ، و تنزيهه سُبحَانه و بحمده عن كلِّ سوء ، فعلاً و وصفاً و اسماً  و إنما هو محمود في أفعاله و أوصافه و أسمائه  مُنزَّه عن العيوب و النقائص في أفعاله و أوصافه و أسمائه.

فأفعاله كلّها حكمة و رحمة و مصلحة و عدل و لا تخرج عن ذلك  و أوصافه كلها أوصاف كمال ، و نعوت جلال  و أسماؤه كلّها حُسنى.

من معاني الحمد

و حمده تعالى قد ملأ الدنيا و الآخرة ، و السموات و الأرض  و ما بينهما و ما فيهما  فالكون كلّه ناطق بحمده  و الخلق و الأمر كلّه صادر عن حمده  و قائم بحمده  و وجوده و عدمه بحمده  فحمدُه هو سبب وجود كل شيء موجود  و هو غاية كل موجود ، و كلّ موجود شاهد بحمده فإرساله رسله بحمده ، و إنزاله كتبه بحمده  و الجنة عُمِّرت بأهلها بحمده ، و النَّار عُمِّرت بأهلها بحمده ، كما أنَّها إنَّما وجدتا بحمده.

و ما أُطيع إلا بحمده  و ما عُصي إلا بحمده و لا تسقط ورقة إلا بحمده ، و لا يتحرك في الكون ذرَّة إلا بحمده ، فهو سبحانه و تعالى المحمود لذاته  و إن لم يحمده العباد.

كما أنه هو الواحد الأحد ، و إن لم يوحِّده العباد  و هو الإله الحقُّ و إن لم يؤلِّهه ، سبحانه هو الذي حمِد نفسه على لسان الحامد كما قال النبي صلى الله عليه و سلم : " إن الله تعالى قال على لسان نبيه : سَمعَ اللهُ لمن حَمِدَه".

فهو الحامدُ لنفسه في الحقيقة على لسان عبده ، فإنه هو الذي أجري الحمدَ على لسانه و قلبه ، و أجراؤه بحمده فله الحمد كله ، و له الملك كله ، و بيده الخير كله ، و إليه يرجع الأمر كله ، علانيته و سره .

فهذه المعرفة نبذة يسيرة من معرفة عبودية الحمد  و هي نقطة من بحر لُجِّي من عبوديته.

و من عبوديته أيضا : أن يعلم أن حمده لربه نعمة مِنه عليه ، يستحق عليها الحمد ، فإذا حمده عليها استَّحق على حمده حمداً آخر ، و هلَّم جرا.

فالعبد و لو استنفد أنفاسه كلّها في حمد ربه على نعمة من نعمه ، كان ما يجب عليه من الحمد عليها فوق ذلك ، و أضعاف أضعافه ، و لا يُحصي أحد البتّة ثناءً عليه بمحتمده ، و لو حمده بجميع المحامد فالعبد سائر إلى الله بكلِّ نعمة من ربِّه ، يحمده عليها ، فإذا حَمده على صرفها عنه ، حمده على إلهامه الحمدُ.

قال الأوزاعي : " سمعت بعض قوَّال ينشد في حمامٍ لك الحمدُ إمّا على نعمةٍ و إمَّا على نقمة تُدفع".

و من عبودية الحمد : شهود العبد لعجزه عن الحمد ، و أنَّ ما قام به منه ، فالرب سبحانه هو الذي ألهمه ذلك ، فهو محمود عليه ، إذ هو الذي أجراه على لسانه و قلبه ، و لولا الله ما اهتدى أحد.

و من عبودية الحمد : تسليط الحمد على تفاصيل أحوال العبد كلها ظاهرها و باطنها على ما يحب العبد منها و ما يكره ، بل على تفاصيل أحوال الخلق كلّهم ، برِّهم و فاجرهم ، علويهم و سفليهم ، فهو سبحانه المحمود على ذلك كلّه في الحقيقة ، و إن غاب عن شهود العبد حكمة ذلك ، و ما يستحق الرب تبارك و تعالى من الحمد على ذلك و الحمد لله : هو إلهام من الله للعباد ، فمستقل و مستكثر على قدر معرفة العبد بربه.

و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم في حديث الشفاعة : " فأقع ساجداً فيلهمني الله محامد أحمده بها لم تخطر على بالي قط ".

عبودية {ربِّ العالمين}

ثم لقول العبد : : { ربِّ العالمين} من العبودية شهود تفرّده سبحانه بالربوبية وحده ، و أنَّه كما أنه رب العالمين ، و خالقهم ، و رازقهم ، و مدبِّر أمورهم ، و موجدهم ، و مغنيهم ، فهو أيضا وحده إلههم ، و معبودهم ،و ملجأهم و مفزعهم عند النوائب ، فلا ربَّ غيره ، و لا إله سواه.

عنوان : عبودية { الرَّحمَن الرَّحيم}

و لقوله : { الرَّحمن الرَّحيم } عبودية تخصه سبحانه ، و هي شهود العبد عموم رحمته.

و شمولها لكلّ شيء ، و سعتها لكلِّ مخلوق و أخذ كلّ موجود بنصيبه منها ، و لاسيما الرحمة الخاصَّة بالعبد و هي التي أقامته بين يدي ربه : أقم قلاناً ـ ففق بعض الآثار أن جبرائيل يقول كل ليلة أقم فلانًا ، و أنم فلانا فبرحمته للعبد أقامه في خدمته يناجيه بكلامه ، و يتملقه و يسترحمه و يدعوه و يستعطفه و يسأله هدايته و رحمته ، و تمام نعمته عليه دنياه و أخراه فهذا من رحمته بعبده ، فرحمته وسعت كل شيء ، كما أن حمده وسع كل شيء ، و علمه وسع كل شيء ، { ربَّنا وسعتَ كُلَّ شيء رَّحمة و علما} [ غافر :7] ، و غيره مطرود محروم قد فاتته هذه الرحمة الخاصَّة فهو منفي عنها.

عنوان عبودية { مالكِ يومِ الدِّينِ}

و يعطى قوله { مالك يوم الدِّين } عبوديته من الذلِّ و الانقياد ، و قصد العدل و القيام بالقسط ، و كفَّ العبد نفسه عن الظلم و المعاصي ، و ليتأمل ما تضمنته من إثبات المعاد و تفرَّد الربِّ في ذلك بالحكم بين خلقه ، و أنه يومٌ يدين الله فيه الخلق بأعمالهم من الخير و الشر ، و ذلك من تفاصيل حمده ، و موجبه كما قال تعالى : { و قُضيَ بينَهم بالحقِّ و قيل الحمدُ لله ربِّ العالمين}[الزمر:75].

و يروى أن جميع الخلائق يحمدونه يومئذ أهل الجنة و أهل النار ، عدلا و فضلا ، و لما كان قوله {الحمد لله رب العالمين}.

إخبارا عن حمد عبده له قال : حمدني عبدي.

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s