أيحسب ألن يقدر عليه أحد؟!

230612406 

بقلم: د. ناجي صقر

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) (آل عمران).

سبحانك.. ما أجلك! وماأقدرك! وما أعزك! وما أعظم سلطانك وقهرك لخلقك! ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (الأنعام من الآ ية 18)، سبحانك سبحانك سبحانك.. عظيم قدير جبَّار قهَّار منتقم، لا يعجزك شيء، وأنت تجير ولا يُجار عليك, وأنت على كل شيء قدير، لا نوفيك أبدًا أبدًا أبدًا أبدًا شكر نعمتك وعظيم فضلك وفرط كرمك وسخاء جودك وواسع عطائك، الذي لا حدّ له، ولا أول له ولا آخر، وإن صمنا وصلينا وزكينا وذكرنا وحججنا وجاهدنا وسجدنا وسبّحنا وركعنا وكبّرنا وهلّلنا، وهجرنا كل ما يغضبك إلى كل ما يرضيك، حلمًا أو علمًا، حقيقةً أو خيالاً، واقعًا أو أمنياتٍ.

نحن نعيش فترةً من حياتنا ليست مهمةً فقط، بل أخطر ما تكون، كنا نظن أنها لن تكون في حياتنا أو واقعنا، بل ربما لن نلحق بإرهاصاتها وعلاماتها، ولن ندرك حدوثها وتفجُّرها، كنَّا وكانت تحدثنا أنفسنا أن هذا سيكون في عهد أبنائنا وفي زمان أحفادنا، ولن نشهده أبدًا؛ نظرًا لجبروت الآلة الأمنية وفرط قسوتها وكمِّ الفساد الرهيب، واستفحال الأجهزة المخصصة لحماية الظالم المستبد، وتسخير ميزانية الدولة وأجهزتها ومواردها لهذا الغرض، ظننا أن أمامنا عقودًا من الزمن طويلة؛ حتى يزول القهر وتنقشع الغمَّة ويسود القسط ويعم العدل.

وإحقاقًا للحق تسلَّل اليأس إلى قلوب البعض، وتمكن الخور من عزائم كثيرين، وتلبَّدت النفوس بغيوم الإحباط، وظنَّ الكثيرون أن النصر لن يأتي هذا القرن على الإطلاق، وصدق رب العزة في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)﴾ (يوسف)، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)﴾ (البقرة من الآية 214)، وعشنا وما زلنا نعيش وضعًا سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا بائسًا وحالكًا وشديد القتامة وبالغ السوء وشديد التدهور، اللهم لا شماتة ولا تشفِّيَ، فهو الآن كشراك نعل بال (لا يهش ولا ينش) لا حول له ولا قوة، ولكن نذكِّر أنفسنا بحول الله تعالى وقوته وقضائه الذي لا يُرَد ولا يُرَفع إلا بأمره وحده.

* سقط رأس النظام البائد الذي جعل الدولة عزبةً ومزرعةً خاصة له ولأولاده من بعده وحاشيته وزبانيته، واستولى على أموال البلاد والعباد، وعاث في الأرض الفساد على مدى ثلاثين عامًا عجافًا شدادًا، وتبدَّلت المعاني والقيم النبيلة، وتوارت الأخلاق الرفيعة، وتغوَّلت وتغلغلت الشيم الهابطة والألفاظ السوقية المستهجنة والعادات القبيحة، ووصم كل إنسان متدين ملتزم بالتطرف تارةً وبالتزمت تارةً أخرى أو بالإرهاب، وغيب كلّ مصلح وداعٍ إلى الحق وشرد كل ناصح وتقلص وغاب عن حياتنا كل ما هو جميل ورائع ومحمود؛ ليحلَّ محلَّه كلّ ما هو سيئ ورذيل وممقوت وهابط.

* سقط الطاغية المستبد.. الذي حوَّل أرض الكنانة الغنية الوقورة الكريمة المعطاء إلى دولة تتسوَّل الدول، وتستجدي الأمم، ويتيه أبناء الوطن في كلِّ بقاع الأرض؛ طلبًا للرزق وبحثًا عن الحياة الكريمة، بعد أن ضاقت بهم أوطانهم، ونبذتهم أنظمتهم، وهانوا على حكامهم، وهي التي قال عنها المولى عزَّ وجلّ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ (البقرة: من الآية61).

* سقط الظالم المتجبِّر الذي حوَّل المدنيين الأبرياء الشرفاء الأطباء والعلماء والمهندسين ورجال الأعمال وزهرة شباب مصر وخيرة أبنائها، بل أعلام الأمة العربية وفخرها وزينتها، وتاج رأسها، إلى المحاكمات العسكرية الظالمة الجائرة، بلا تهمة أو جريرة أو ذنب يعاقب عليه القانون وحرمهم من قاضيهم الطبيعي، ضاربًا عرض الحائط بكلِّ الأعراف والمسلَّمات، وأبسط معاني العدل والمساواة، فلا ضمير يؤنِّبه ولا وازع من دين يزجره، ولا كرامة لشعبه ومواطنيه توقفه، ولا خشية من الله تعالى تردعه، ولا خوف من المحاسبة أو السؤال تمنعه.. صنم من الحجر الصلد القاسي بلا عاطفة أو مروءة أو نخوة أو شهامة أو أخلاق أو دين.

* سقط الحاكم بأمره، الذي اكتظت السجون والمعتقلات في عصره البائس بالآلاف من الأبرياء والشرفاء بأوامر منه شخصيًّا أو من جلاده المتمرس حبيب العادلي، الذى شاء الله تعالى أن يفضحه بهذا الكم الهائل من السرقات والرشوة والتربُّح وغسيل الأموال واستغلال منصبه وقتل الأبرياء من أبناء الوطن، وأبى الله تعالى إلا أن يشرب من نفس الكأس التي أذاق منها الشعب الويلات، ويستقبله- أي العادلي- نزلاء سجن طرة بوابل من الشتائم وعبارات الاستهزاء والسخرية والتوبيخ اللاذع.

* سقط المجرم الذي كان لا يتكلم إلا بأقذع الألفاظ وأفحشها وبالسوء من القول والعبارات النابية التي تتنافى مع الأخلاق والدين، ولا يتكلم بها إلا السوقة والمجرمون، ولا يتعامل مع وزرائه (عديمي الكرامة) إلا(بالشلُّوت)، كما سمعت من أكثر من مصدر.

* سقط فرعون مصر الذي قال ما علمت لكم من إله غيري، وما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد؛ الذي استباح كلَّ محرَّم، وعُرف عنه في حقبة الستينيات في حرب اليمن أنه كان ينفذ أوامر الطاغية عبد الناصر، بضرب المساجد أثتاء صلاة الجمعة بالطائرة القاذفة الروسية الصنع (التيو) المعروف عنها قوتها المهولة في الإبادة والتدمير؛ فيمسحها ويسويها- أي المساجد- بالأرض بلا شفقة أو رحمة أو خوف من الله تعالى.

* سقط المخلوع الجلاد الذي لم يرقب في شعبه إلاًّ ولا ذمةً الذي سجن واعتقل وشرَّد وسفك، وباسمه- وعلى عينه- دارت رحى التعذيب والسحل والقتل في سجون وأقسام الشرطة ومقارّ أمن الدولة ومعسكرات النازية والسافاك، فأزهقت أرواح بريئة وأنفس طاهرة زكية، أمثال خالد السعيد والسيد بلال وكثير وكثير غيرهم ومن قبلهم في فترة الثمانينيات، الشهيد التقي الورع كمال السنانيري بيد الجلاد المارق المسخة فؤاد علام، وقُتل أيضًا الشهيد سليمان خاطر ترضية للعدو الصهيوني، بعد أن قتل عددًا من الصهاينة على أرض مصر الطاهرة، ويُتِّم أطفال، ورمِّلت زوجات، وثكّلت أمهات، وكانت محصلة نزيف الإسفلت خلال عهده ما يزيد عن مائة ألف شهيدٍ بواقع 3 آلاف كلِّ عامٍ على أقل تقدير.

* سقط الرئيس الذي أذّل شعبه، وأهان أهله، وكتم أنفاسه، وصادر حريته وكرامته، وبدد ثرواته، وأذاقه كلَّ أنواع القهر والظلم، وقزَّم مكانة مصر دوليًّا وإقليميًّا إسلاميًّا وعربيًّا، وتراجع وانحسر دور مصر الحضاري والقيادي المؤثر والداعم لكلّ حركات التحرر الوطني والنصير لكلّ المستضعفين والداحر لكل فلول الغزاة والمعتدين، ولن ينسى التاريخ القادة الذين شرف بهم أمثال قطز والناصر صلاح الدين والإمام الشهيد حسن البنا ودور الإخوان الرائع وبعض كتائب الجيش المصري في القضية الفلسطينية، وتهاوت مكانتها وتنحَّت عن مكان الصدارة والريادة، بينما بزغ نجم دول آخرها ربما لم نكن نعرف مكانتها على الخارطة، وكانت تعيش على رعي الغنم والبحث عن الماء والكلأ ومصر الحضارة والتاريخ في أوج عزتها وقمة مجدها، وبالطبع ليس هذا تقليلاً من شأن أحد أو جحدًا لأي دولة شقيقة، تعزِّز من مكانتها، وتبحث عن مكان الصدارة، وهذا من حقّها، خاصةً إذا وُجدت دولة بقيمة وقامة وحجم مصر، وقد تربَّع على عرشها الرفيع مَن تجسَّد فيه الجهل بكلِّ معانيه والبطش بكل صوره والحماقة، لا أقول في أنصع وأزهى صورها، بل في أسوأ وأحطّ أشكالها.

سقط رأس النظام والعصابة التي جرَّدت مصر من مقدَّراتها وأموالها، وشرَّدوا أهلها، واستولوا على أراضيها عنوةً وسطوةً، وباعوها بالبخس مقابل عمولات ورشى.

سقطت العصابة التي دمرت صحة الشعب الصابر المُبتلى في قادته ورؤسائه منذ انقلاب يوليو 52 المشئوم، فتفشت الأورام والأسقام والأوجاع وكلُّ أنواع الفشل الكبدي والكلوي؛ نتيجة للمياه الملوثة والمبيدات والكيماويات المسرطنة والأغذية والألبان المشعة والأدوية المحظور تناولها والأطعمة الفاسدة.

سقط من حاصر أهلينا المجاهدين في غزة وخنقهم، وشارك في قتلهم وأحاطهم بسياج وأسوار الفولاذ ترضية لأسياده الصهاينة، يا لهول فعله وقبيح صنعه وسوء ما اقترفت يداه!!.

إن هذه الثورة البيضاء الناصعة الأبية الفتية الشامخة، ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م سوف يسجلها التاريخ في أنصع صفحاته وأمجد أيامه التي استطاع فيها الشعب الأعزل- إلا من معية الله تعالى ونصره- المجاهد أن يقوض عرش الطاغية ويزلزل أركانه ويزيل بنيانه وينهي حقبة من الزمان مؤلمة بائسة كريهة بكلِّ ما تحمله الكلمة من معانٍ ودلالات عاشتها مصر محطمة ومكبلة ومنهوبة ومفترسة من هذه الطغمة الحاكمة المستبدة، وهذا النظام النازي المجرم وهذه القلة العابثة بمستقبل الكنانة الناهبة والسالبة والمقتاتة على قوت الفقراء والمرضى والعجزة والمساكين هذه الثورة التي كتبت من جديد شهادة ميلاد لهذا الشعب بعد أن تحرر من أصفاد الرق وأزلام العبودية ثلاثين عامًا؛ ليستعيد مكانته في الصدارة ومقدمة الأمم التي افتقدها طيلة ثلاثة عقود ويتنفس الصعداء.

هذه الثورة التي قام بها الشعب المصري بكلّ فئاته وأطيافه وأنماطه وليست ثورة الشباب فقط، كما روَّج البعض، وإن كان الشباب قدح زنادها وأشعل فتيلها فله السبق ولكن من حمى هذه الثورة بدمه ومات مَن أجلها شبابًا وشيوخًا هو الشعب المصري كله، رجالاً ونساءً شبابًا وشيبة، مسلمين وأقباطًا.. (وإن كانت الكنيسة منعت شبابها من المشاركة خشية فشلها)، إلا أنه كانت هناك نماذج رائعة من الأقباط شاركت- على قلتها- بصورة مشرَّفة في هذه الثورة العظيمة سيذكرها التاريخ على أنها ثورة لشعب عظيم استطاع أن يستعيد ميراث ومجد آبائه وينتزع حريته، سالت دماء أبنائه الطاهرة الذكية ثمنًا لكرامته وحريته ورفعته.

عاشت مصر حرة، عاشت مصر أبية، عاشت مصر منارة الشرق، عاشت مصر قبلة الحرية والكرامة والثائرين والرافضين لكلِّ أنواع الضيم والظلم، عاشت مصر كعبة العلم والعلماء، عاشت وعاش المصري كريم العنصرين، عاشت مصر بأهلها وعلمائها ودعاتها وقواتها المسلحة العظيمة، ورجالها وخيرة شبابها عزيزةً كريمةً، رغم كيد الكائدين وحقد الحاقدين.

هذا المنشور نشر في الثورة المصرية, عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s