من هنا نبدأ

 

بقلم: أحمد صلاح

على الرغم من المشقة البالغة والتضحيات العظيمة من دماء طاهرة وخسائر مالية، ونوبات من الخوف والقلق من كلِّ لحظة قادمة لا يعرف مصيرها إلا الله طيلة ثمانية عشر يومًا مجيدة في تاريخ مصر، من أجل إسقاط نظامٍ فاسدٍ ظالمٍ عذَّب فيها شعبه بكلِّ طوائفه، وامتدَّ ظلمه إلى جيرانه بعد أن تخلَّى عن كلِّ ملامح الإنسانية والرحمة التي فطر الله عليها البشر، دون النظر إلى اعتبارات الدين والجنس والجوار؛ سقط النظام (إلا قليلاً)، بعد عناء، ولكن تظل النظرية باقية والسنة الكونية حاكمة، أن البناء أصعب دائمًا من الهدم، وأن ما تم هدمه في ثمانية عشر يومًا، ربما يحتاج إلى أكثر من ثمانية عشر عامًا لبنائه من جديد، بعد أن نستدعي تصميمات البناء من ذاكرة أحلام كادت تموت ويموت معها أصحابها.

رغم أن الثورة لم تنتهِ بعد، ورغم أن الثعابين لا تزال تنظر برأسها خائفة مذعورة، تحاول أن تنفث سمها للمرة الأخيرة، لكننا نستطيع أن نبدأ من الآن.

نستطيع من الآن أن نلملم أحلام ملايين عاشوا في ميدان التحرير في خارج نطاق زمن كان مسموحًا فيه بالنوم ساعات وأيام وسنوات، دون أن يكون لهم حقُّ الحلم دقيقة واحدة.

نستطيع الآن أن نضع أحلام الشهداء، وأمانيهم جنبًا إلى جنب، لنصنع لوحةً كبيرةً بحجم مصر، يشترك فيها الجميع، كما اشترك الجميع في رسم لوحة صغيرة أبهرت العالم في ميدان التحرير.

البداية.. الإنسان

ظلَّ الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عامًا في مكة يبني الإنسان، يبني عقيدته وأخلاقه وفكره، يضيء قلبه، وينشط عقله ومداركه، وتفكيره ويشحذ همته ويوجه نفسيته، ظلَّ الرسول صلى الله عليه وسلم يبني شخصية إنسان قادر على الحلم والتحدي والتحمل والمثابرة والصمود، فكان طبيعيًّا بعدها أن يبني هذا الجيل الفريد حضارة من أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ.

وعندما تبني الإنسان، اتركه هو يبني المصنع والمسجد والمدرسة والمشفى والملعب.

هكذا بدأت الحضارات وعاشت واستمرت وسقطت يوم سقط الإنسان، وإذا كانت الدولة لا تزال في عثرة لتلملم أوراقها وتصل إلى نقطة البداية، فإن الدعاة إلى الله في استطاعتهم أن يبدءوا من الآن، وعلى الفور.

محاور البناء

1- التعليم:

يمثل التعليم حجر الزاوية في أي نهضة، فهو الذي يملأ العقل ويشكل الفكر والوجدان؛ لذا أنا أدعو الدعاة أن يقوموا بالدعوة إلى عملية إصلاح شاملة للتعليم عن طريق:

1- خطب مسجدية تدعو الآباء إلى الوعي بقضية التعليم.

2- ندوات وحوارات مع الآباء لإرشاد الآباء إلى كيفية متابعة الأبناء في رفع مستواهم الدراسي بأسلوب علمي (يمكن أن تتم الندوات في المساجد أو في المدارس بالتنسيق مع إدارة المدرسة، ومع متخصصين).

3- محاضرات للطلبة عن أهمية العلم، وكيفية التفوق الدراسي.

4- وضع برامج في الحلقات التربوية خاصة بالاهتمام بالعلم والتفوق الدراسي (محاضرات- ملتقى المذاكرة.. إلخ).

5- الاتصال بلجان الجودة في الإدارات التعليمية، وعرض إمكانية المساعدة حسب رؤية اللجنة وخططها.

6- إقامة مدارس ليلية شعبية لتعليم الذين تسربوا من التعليم، ومحو أمية الكبار.

2- التربية:

لا يمكن أن تتم نهضة دون أخلاق، ومنظومة قيم تدفع للنهضة ثم تحميها بعد أن تبنيها، فهي الحارس الأمين على أي بناء حضاري، وبدونه يصبح البناء ضعيفًا هشًّا مهما عظم في أعين الناس.

والتعليم لا يمكن فصله عن القيم والأخلاق، فهما خطان يظلان متوازيين كنهرين؛ ليصبا معًا في معين واحد.

واقترح أن تكون البداية أيضًا من المدارس؛ حيث يقوم كلُّ مَن له باع في التربية والتواصل مع الطلبة بالآتي:

1- أن يقوم بالتنسيق مع إدارة المدرسة لإلقاء محاضرات، وتنظيم ندوات وأنشطة تربوية، ترفع من المستوى الأخلاقي والتربوي للطلبة.

2- التنسيق مع أولياء أمور الطلبة في المدرسة لرفع الوعي التربوي عن طريق إقامة دورات لكيفية التعامل مع الأبناء ورصد المشكلات ووضع آلية لحلها.

3- التوعية المتواصلة من خطباء المساجد.

3- الأسرة:

الأسرة هي نواة المجتمع، وهي الحصن الذي إذا انهار انهار معه كل شيء، وإذا بني بناءً قويًّا، تماسك المجتمع وأصبح مستعدًا للعمل والبناء، كما أنه لا يمكن الحديث عن تربية الأبناء دون تقوية العلاقات بين الزوجين، وإنشاء قاعدة من المفاهيم المشتركة بينهما، تضمن الانسجام وحصر المشكلات والانطلاق نحو المستقبل، ويمكن الوصول لذلك عن طريق:

1- إقامة دورات في (أهداف الأسرة- العلاقات الزوجية- إدارة الأسرة).

2- إقامة دورات لتأهيل مدربين قادرين على حلِّ المشكلات الزوجية ونشر دور الأسرة في المجتمع.

3- التوعية المتواصلة من خطباء المساجد.

قيم أولية

تحتاج عملية بناء القيم في المجتمع إلى سنوات حتى تستطيع أن تمرَّ على جيل كامل ينشأ نشأةً صحيةً، ليكون أول إنتاج لعهد جديد، إلا أننا في هذه المرحلة نحتاج إلى مجموعة قيم أولية تحافظ على مكاسب الثورة، وتمنع عودتها للوراء من ناحية، وتكون دافعًا للانطلاق للمستقبل من ناحية أخرى.

وتتمثل هذه المجموعة في:

1- محاربة الفساد، بعدم السماح بالرشوة والإكراميات في المصالح الحكومية وفي كلِّ مكان، وكشف المفسدين، والإبلاغ عنهم للجهات المسئولة.

2- الانتماء للبلد باعتبارها أصبحت ملكًا لنا بعد أن عادت إلينا بدماء الشهداء، ولذا يجب الحفاظ عليها، وتنميتها والعمل على رفعتها.

3- معرفة الحقوق والدفاع عنها بتحضر، ومعرفة الواجبات وأدائها بإتقان.

4- التفكير الجدي للمشاركة في بناء وطن جديد لنا ولأبنائنا، وتفعيل هذه المشاركة عن طريق عرضها على أي قناة مناسبة.

5- الاهتمام بالشأن السياسي.

6- القراءة وزيادة الوعي لإدراك ما يدور حولنا.

ربما كانت هذه الأفكار هي بعض الخطوات التي تمكننا من دخول عصرٍ جديدٍ يحترم فيه الإنسان ويسوده العدل وترفرف عليه الحرية، ويتحقق المجتمع الذي أراده الله لنا، وجاءت دعوة الإسلام إلى العالم من أجله.

هذا المنشور نشر في الثورة المصرية, سلسلة تربوية, عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s