بعض ما علمني الإخوان المسلمون (3)

ikh3 

نواصل عرض مقتطفات من كتاب الأستاذ عمر التلمساني  رحمه الله المرشد الثالث لجماعة الإخوان المسلمين بعض ما علمنى الإخوان المسلمون وفى هذا الجزء يذكر الأستاذ عمر التلمساني بعض ما تعلمه فى التوحيد ومعرفة الله عز وجل يقول :

لقد دخل الإخوان المسلمون سجون عبد الناصر ، وخلفوا وراءهم أبتائهم وزوجاتهم ومن يعولونهم، بلا عائل ولا معين من البشر، وكان أولاد الكثيرين يتعثرون في دراستهم تعثرا مزعجا، فما كانت النتيجة عندما احتسبوا كل ذلك عند الله، ولم يشغلوا به أنفسهم في سجونهم، ثقة بربهم، وتوكلا عليه، باعتباره جل وعلا نعم الخليفة في الأهل والمال والولد. وحتى عندما ساومهم الظالمون على إطلاق سراحهم مقابل تخليهم عن بيعتهم، بتأييد الظالمين، أبوا وأصروا على ما هم عليه. وفضلوا ما عند الله على ما عند الناس، فكانت العاقبة أن حفظ الله عليهم أزواجهم وفتح على أبنائهم فلم يتعثروا حتى حصلوا على إجازتهم الدراسية النهائية واليوم لا ترى أنه ما من أخ صبر على المحنة واحتسب وحمد وشكر إلا وهو في بسطة من الرزق، وسعة من العيش ونباهة في الذكر، وعلو في المنصب، وذلك الفضل من اله وكفى به وليا نصيرا وعليما.

وهذه حقيقة، والحقائق ثابتة الأصول وطيدة الأركان لا سبيل إلى تغييرها أو تبديلها أو خروجها عن حقيقتها التي أوجدها الله تعالى فيها وعليها، فالحدث المفجع يفجع بحقيقة تواز له ولا بد لنا من الاعتراف بهذا وليس آلام الحدث سببها صورة الكارثة نفسها، لأن الصور تتغير وتتبدل بمرور الأيام، وصروف الملابسات، وهذا لا يعنينا قطعا فيما يختص بالنازلة نفسها، أما حقيقتها فلن يقدر على إيقافها وتعطيل آثارها إلا الخلاق الذي أوجدها، وهو وحده القادر على تغييرها وتبديلها، وهنا موقف الإيمان الحق، فمن آمن وسلم بأن الله لا يجري فضاءه عبثا، اطمأن قلبه، وأيقن أن وراء ما ساءه شيء يعلمه الله,

وقد يكون فيه خيرا كثيرا وهنا تهون قسوة الحقيقة على المؤمن الذي يعلم أن هناك ربا، ومن أظهر صفاته أن الرحمن الرحيم، ولهذا لم تبدل الأحداث رغم قسوتها شيئا من اليقين عند المؤمن فيستقبل الأمر، لا جزعا ولا مشفقا ولكن مؤمنا بالله، واثقا في رحمته وقدرته، قدرة الله الذي يقلب الليل والنهار ويفعل ما يشاء لا يريد ويختار.

ألا تراه سبحانه يقول في كتابه الكريم:

﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾

وإن هذه اليمن التي تشير إليها الآية الكريمة هي التمكن من طي السموات الأرض، وأي القدرة التي تفعل ما تشاء، كيفما تشاء، كيفما تشاء عندما تشاء، وما دام هو القادر حقا وصدقا على طي السماوات والأرض وكشط هذه السماء التي نراها فهو قادر على إزالة وتغيير كل شيء، حتى الحقائق التي يعتبرها البشر حقائق لا سبيل إلى تغييرها.

لقد تعلم الإخوان من أمامهم الشهيد، مما قرأ في كتاب الله تعالي وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن علم الفقهاء، وما أفاء الله عليه من صفاء التوحيد الخالص، حتى إذا قرأوا.

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾

استبان لهم، كما استبان لأسلافهم، من الخلص الموحدين، أن هذه المثلية أنما هي مثله لغوية، وليست مثلية عقلية، وذلك لأن عقول البشر أعجز وأقصر من أن تدرك من ماهية الذات العلية شيئا، وأني للمخلوق أن يدرك من ذات ربه تصورا مهما شطح به الخيال فاستقرت عندهم حقيقة قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه (البحث عن الذات اشراك، والقصور عنها إدارك) فاطمأنت قلوبهم فعلا إلى الحقيقة القائلة ( كل ما خطر ببالك، فالله وراء ذلك)، وقد تعلمت منهم ذلك فبات الأمر عندي فوق مدركات العقول. أنه الإيمان الحق والتوحيد الخالص، الذي نبتهل إلى الله ضارعين أن يحيينا عليه، وأن يمييتنا عليه، وأن يلهمنا به حجتنا ويوم العرض الأكبر عليه.

بهذا الفهم لم يختلط الأمر على الإخوان المسلمين، ولم يدخلوا فيما دخل فيه غيرهم، عندما اختلط عليهم فهم الصفات، وقد ضرب أحد الصالحين مثلا لاختلاف معاني الصفات صفات الله سبحانه فقال: كل حبة قمح فيها من الحقائق ما في أختها كما نعلم أيضا أن هذه الحبة ليست عين الحبة الأخرى، وإن كانتا تحتويات على حقائق متماثلة، فإنهما مثلان. كذلك شأن الأسماء الإلهية كل اسم جامع لما جمعت الأسماء من الحقائق، ثم نعلم على سبيل القطع أن هذا الاسم ليس هو هذا الاسم الآخر هكذا علم الإخوان وهكذا علموا غيرهم، وهكذا كنت من هذا الغير الذي تعلم على أيديهم، من أجل هذا تجد عند الإخوان المسلمين، ما لا تجده عند غيرهم، مما أعانهم، لا على ما حل بهم، ولكن على الرضاء بكل قضاء أجراه الله عليهم، فلم ينطووا على كره ولا على حقد لأحد.

وإذا كان العلم البشري الواحد، قد يتعلق بالمعلومات الكثيرة، والإدارة الواحدة تتعلق بالمرادات المتعددة، والقدرة الواحدة بالمقدرات الكثيرة كما يقول بعض الصالحين فهل لا يتيقن عندنا أن الله على كل شيء قدير، مهما تعددت صفاته؟ أن الله سبحانه وتعالى قد ركب في عباده العديد من الصفات التي قد يتمشى بعضها مع بعض، ليعلم وهو العليم من قبل، أين يذهب كل مخلوق من أوامره ونواهيه، ولتكون الحجة عليهم على أنفسهم. ففي الإنسان معرفة للحق، وفيه تبين للهدى وكلا الأمرين متقابلان في النفس البشرية، وفي الإنسان عقل يميز وفيه شهوة غلابة عمياء وهكذا أدرك الإخوان أنفسهم واقعة بين قوتين جبارتين، الروح والمادة هذه ترفع بها إلى أسمى الحقائق، وتلك تنزل بها إلى أحط النزوات. والحرب بينهما طاحنة لا تهدأ. وكلاهما من الله.

﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ …

فمن اهتدى فله ومن ضل فله السوء.

﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا﴾

وهذا أيضا تعلمته على يد الإخوان المسلمين مما فتح الله به عليهم، جزاء توحيده الخالص وقلبهم النظيف وفهمهم الصحيح.

وبهذا تعلمت من الإخوان المسلمين أنهم أبعد الناس عن الشخصيات لا يألفون إنسانا إلا على قدر مستواه من الصلاح والتقوى، وعلى قدر ما يقدمه لدينه وللمسلمين وللناس أجمعين من نفع وخير، على أن يفكر في غيره قبل أن يفكر في نفسه، ويهتم بما ينفع الناس قبل أن يفكر في نفعه الخاص. لهذا أحبوا مرشدهم الأسبق كما أحبوا مرشدهم السابق. لأنهم وجدوا فيهم ما يأملون ويحبون، أنهم لم يحبوا واحد من المرشدين السابقين لتكوينهما العضوي ولكن لما هدوهم إليه من خير الدنيا والآخرة، ذلك لأن الله سبحانه أمر سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهدى الأنبياء والمرسلين الذين سبقوه عليهم جميعا الصلاة والسلام، ولم يأمره أن يقتدي بهم لذواتهم وشخصياتهم، ولذلك قال جل وعلا:

﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ..

ولم يقل فبهم اقتده، وهكذا فهم الإخوان المسلمون أن الله وحده هو المعبود والمقصود والمطلوب والمرغوب والأمل والغاية والمنتهى أننا جميعا قاصدون، وهو وحده المقصود ولا شيء غيره لأنه أوجد كل شيء في هذا الوجود، لهذا الوجود ولم يوجده له جلا وعلا، أنهم لهذا حرصوا على أن يكون علمهم بالله فوق كل علم يتعلمونه، لأن الله هو الأجل والأعلى، فالعلم به وله يعلو فوق كل علم، ومعلوم فاتخذوا الدنيا معبرا يعبرونه إلى الآخرة فعبروه ولم يعمروه، وكان أول شعارهم «الله غايتنا» فتعلمت منهم سائلا ربي أن ينفعني بما علمت.

استبان للإخوان المسلمين في وضوح كامل أن ما يعملون من الأعمال بعدما علموا أن هذه الأعمال ليست مقصورة لذاته، ولكنها تعمل وتؤدي وتمارس، للشيء الذي عملت أو أديت أو مورست من أجله، ألا ترى أن الكلمة إذا نطق بها الإنسان فإنه لا يقصد بها، من نطقها، إخراج حروفها ولكنه يرمي من النطق بها، المعنى الذي تؤدي إليه هذه الكلمة المنطقوة فهم إذا صلوا لم يقصدوا أبدا الحركات والقراءات التي يؤدون به هذه الصلاة في شكلها المادي، ولكنها تعلقت أذهانهم بالحصول على ما قصدت به هذه الحركات المبتدأه بالتكفير والمنتهية بالتسليم، روعة في الفهم وجلال في الأداء وانتهاء إلى ما ثبت من أن الصلاة إنما:

﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ..

فإن لم يحققوا هذا المعنى من الصلاة في أخلاقهم، ومعاملاتهم، فإن صلاتهم هذه لم تزودهم من الله إلا بعدا لما استيقنوا من هذا إذ دان خلقهم بالحلم وطول الأناة فلم يقابلوا شرا بشر، لأن ما أصابهم كان يرمي إلى القضاء على ما ازدانوا من إيمان ويقين، فتركوا المقصود من ذلك الإيذاء، إلى صاحب المقصود جل وعز، واحتسبوا الأمر كله عند صاحب الشأن أولا وأخيرا أنهم لم يغضبوا لأنفسهم لأنهم يعلمن أن الغضب ظلمة في القلب، وقد قال بعض الفاقهين لهذا المعنى (أن الغضب ظلمة في القلب، وللك لما غكضب يونس عليه الصلاة والسلام، أسكنه الله في ظلمة بطن الحوت) ما أكثر ما تعلمت من الإخوان المسلمين أنهم السعداء الذين لا يشقى بهم جليسهم.

أنهم لما علموا أن الله قسم الصلاة بينه وبين عباده نصفين، أقبلوا على حمده والثناء عليه إقرارا بفضله في الأولى والآخرة .

ساءلوا أنفسهم من نحن؟ حتى تقع القسمة بيننا وبين صاحب كل شيء ومالك كل شيء وخالق كل شيء؟ بل أيقنوا أن هذا الحمد والثناء الذي تقدموا به إلى ربهم ما كانوا ليقدروا عليه لولا أنه هو وحده الذي أقدرهم عليه.

﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ …

علموا أن الغيب لله ،وأنه احتفظ به لنفسه دون غيره، وعلموا أنه ما دام قد جعل الغيب لنفسه، فقد جعل من بين منافع الليل أنه جنة لأهل طاعته سبحانه فإن أحدا لا يعلم ما الله فاعل بعباده، لأنه استتر بالغيب في هذا المجال. ومن هنا فقهوا بأن الليل لا يمكن أحدا من معرفة ما يباشره المتهجدون بالليل فستر الله تعالى تهجدهم بالليل بحجاب ظلمة الليل التي أرسلها إليهم.

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ ..

لباسا لهم، فالبصر مكفوف بالظلمة، والسمع مكفوف بهدوء الليل وسكونه, القلب مكفوف بالانقطاع عن مشاغل الناس بالنهار فصفوا أقدامهم وأسهروا ليلهم، وقوفا أمام الحبيب العظيم وهم يناجونه:

يا مؤنس بالليل أن هجع الورى
ومحدثي من بينهم بنهاري

وفهموا كل الفهم المعنى الذي تضمنه الحديث ما معناه.

(كذب من ادعى محبتي، فإذا جن الليل نام عني)

ومن جليل ما تعلمته من الإخوان المسلمين، من روائع الصلاة أن بين الإنسان وبني مقام القرب من الله والمثول في ساحة الشهود، هضاب وتلال وصحاري مهلكة، لابد له أن يتخطاها وأن يتجاوزها ليحظى بمنازل القرب، ورياض الرضاء فالنفس لها مطالب لها مطالب شائكة وهناك الشهوات التي طالما أطاحت بالكثير من البشر وهناك مال محبب اقتناء، بينما كتاب الله عندما قال:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾

وكلها صعاب وعقبات وموانع وسدود قل من يستطيع تذليلها والنفوذ منها إلى بر الأمان والخدم والحشم والرئاسة والمكانة والسيطرة والسلطان، كل تلك موانع تقطع طريق الوصول إلى منازل القرب ومخيمات الصفاء ولكن الإخوان المسلمين كان من فضل الله عليهم أنهم سجدوا فأحسنوا السجون وتذللوا في سجودهم فبلغوا الذروة من العز والإكرام سجدوا وطال سجودهم فبلغوا الذروة من العز والإكرام، وسجدوا وال سجودهم طمعا في تحقيق قول الله تعالى

﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾

وقد تعلمت من ذلك وأني لبين الخوف والرجاء، الخوف من تفرد الله أن يفعل ما يشاء فلا يسأل عما يفعل وبين الرجاء في رأفة أرحم الراحمين.

إن الأنفاس التي نصعدها لا نحصرها ولا ندري متى عنا تزول وأنها لأنفاس غالية . غالية جدا. غاية في النفاسة، لأن كل نفس منها مضى لن يعود، ومن العناية الفائقة ألا تخرج هذه الأنفاس الثمينة إلا في العزيز الغالي، ومن أجل هذا، فالإخوان المسلمون لم يضيعوا أنفاسهم الغالية، في الحقير التافه من الأمور . السينما الماجنة، المسرح الخليع، الرياضة الضارة، الترفيه الرخيص، السمر المبتذل عرفوا أنهم خلقوا للعبادة، وهذه الأنفاس من بين ما يعينهم على الوصول إلى منازل القرب من الكريم الوهاب فصعدوا أنفاسهم في الجد في العمل في السعي. في ش الأزر.. في تكوين البنيان المرصوص في الناس ولئن كان وجود الإنسان على هذه الأرض أمر استفادة الإنسان فعلا فقد كان من أثر ذلك أنه جبل على التحصيل، فإن بذل وأن أنفق وأن أخرج، فقد تغلب فيه النفحة الربانية على العجينة الطينية، فهو قد تخلص من خسة الشح، وهذا أكثر ما رايته في مجتمعات الإخوان المسلمين فهل حصلت من ذلك على نصيب . أرجو وآمل.

هذا المنشور نشر في من تراث الإخوان المسلمين. حفظ الرابط الثابت.

2 ردان على بعض ما علمني الإخوان المسلمون (3)

  1. يقول مروة الخطيب:

    بارك الله فيكم اخي الكريم
    نقل طيب جدا وقيم..
    كلمات مؤثرة .. فعلا تاريخ مسطر بالمجد والدماء
    شكرا لك مرة اخرى ،،

  2. يقول drabomarwan1972:

    وبارك فيكم أخت مروة جزاكم الله خيرا على مروركم الكريم على المدونة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s