في الأوراد والواردات (تلخيص كتاب تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى )

Pic51200 

توقفنا فى آخر تدوينة فى تخليص وشرح كتاب تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى عند ماهية السير القلبى لله عز وجل ونواصل معا الكتاب وينتقل بنا الشيخ حوى لدروس رائعة مستقاة من تفسير آيات كريمة من سورة النور

قال تعالى: {الله نور السموات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دُرّيٌ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم. في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجالٌ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب}

إن فهم هذه الآيات من أعظم العون على فهم قضية القلوب وقضية السير إلى الله عز وجل ولذلك سنحاول أن نتفهمها من خلال أقصى ما نستطيع من عرض مبسط لها.

في الآية مثل: أحد أجزائه المشكاة والمصباح والزجاجة.

المشكاة: هي الكوة غير النافذة في الجدار، والمصباح هو السراج، والزجاجة هي القنديل الذي يحوي السراج المنير.

هذه الأجزاء الثلاثة في المثل ماذا تقابل؟ إنها تقابل في الإنسان المؤمن ثلاثة أشياء، جسده وقلبه والنور الموجود في هذا القلب، فالجسد يقابله المشكاة، والقلب يقابله الزجاجة والنور يقابله السراج الموجود في قلب الزجاجة و الدليل على هذا  ما قاله ابن كثير: وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى {الله نور السموات والأرض مثل نوره} قال هو المؤمن الذي جعل الله الإيمان والقرآن في صدره فضرب الله مثله فقال {الله نور السموات والأرض} فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال: مثل نور من آمن به، قال: فكان أبي بن كعب يقرؤها "مثل نور من آمن به" فهو المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره. وهكذا رواه سعيد بن جبير وقيس بن سعد عن ابن عباس أنه قرأها كذلك "مثل نور من آمن بالله" من هذا النقل ندرك أن ما اتجهنا إليه صحيح "فالله نور السموات والأرض" بمعنى أنه هاديهما فلا هداية في السموات والأرض إلا بنوره، جل جلاله،

ثم ضرب مثلاً لهدايته الأشياء بنوره بهداية المؤمن وضرب لهذه الهداية الأمثلة العظيمة لتتبين عظمة هدايته وجلالها، وإذن فالمشكاة جسد المؤمن الذي يحوي قلبه، والزجاجة هي قلب المؤمن الذي يحتوي نور القلب الذي به يهتدي المؤمن فيرى الأشياء على حقائقها ويسير على هدى من ربه بسبب هذا النور، هذه هي المرحلة الأولى في هذا المثل،

ثم تأتي المرحلة الثانية في المثل: هذه الزجاجة التي تحتوي المصباح هذا القلب الذي يحتوي النور يشبه في شدة نوره الكوكب المضيء الذي يشبه الدر لفرط ضيائه وصفائه ونلاحظ هنا أنه دمج الكلام عن الزجاجة ومصباحها أي القلب ونوره بأن شبه الجميع بالكوكب الدري فالسراج مضيء والزجاجة نفسها مضيئة لصفائها ونقائها وهذه هي المرحلة الثانية في المثل،

ثم تأتي المرحلة الثالثة: هذا المصباح في الزجاجة من أين يوقد؟ من أين يستمد نوره، كيف تستمر نورانيته؟ أو نقول: هذا النور في القلب أو هذا القلب المنور من أين يستمد نورانيته وما هو المدد الذي يأتيه؟ وما هو المولد لهذا النور؟ قال تعالى {يوقد} أي هذا المصباح في الزجاجة، أي النور الموجود في قلب المؤمن "من شجرة مباركة" أي كثيرة المنافع "زيتونة لا شرقية ولا غربية" قال النسفي: يعني ليست من المشرق ولا من المغرب بل الوسط منهما…" والزيتونة هنا شريعة الله عز وجل

قال ابن كثير: فشبه المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري وما يشبهه من القرآن و الشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف، فالزيتونة هنا إذن هي شريعة الله وهي لا شرقية ولا غربية بل هي ربانية خالصة 

ثم تأتي المرحلة الرابعة من المثل: هذه الشجرة المباركة التي يستمد منها القلب نوره، هذه الشريعة النافعة التي يستمد منها القلب نوره كم هو عظيم نور زيتها؟ قال تعالى {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} قال النسفي: وصفت الزيت بالصفاء والوميض وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار" فما أعظم نورانية  الشريعة التي تمد نور القلب؟ وما أعظم بالتالي نور هذا القلب الذي يستمد نورانيته من شريعة هذه شأنها ولذلك قال تعالى: {نور على نور}

فهذه هي المرحلة الخامسة من المثل: قال النسفي: أي هذا النور الذي يشبه به الحق نور متضاعف قد تناصر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت حتى لم تبق بقية مما يقوي النور، وهذا لأن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أجمع لنوره بخلاف المكان الواسع فإن الضوء ينتشر فيه والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة وكذلك الزيت وصفاؤه" قال ابن كثير: وقال السدّي في قوله تعالى {نور على نور} قال: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا ولا يضيء واحد بغير صاحبه. كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه، لاحظ قوله: كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا وبهذا ينتهي المثل الذي ضربه الله عز وجل لتوضيح نوع هدايته وعظمها…

ومن خلال المثل أدركنا أن العمل بشريعة الله هو الذي يمد نور الإيمان بالمدد الدائم وأن العمل بالقرآن هو المدد الدائم للقلب الذي به يبقى سراج القلب مشتعلاً وبه يبقى الانسان مهتديا  وبقدر ما يعمل الانسان بهذا القرآن يزداد نور قلبه اجتماعاً وإضاءة وتعكس المشكاة أي الجسد هذا النور فتضيء الطريق لصاحب النور ولغيره…

قال تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} قال النسفي: أي كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد  ومن هنا ندرك أن نقطة الانطلاق في التربية الإيمانية العالية هي المساجد…

ثم تستمر الآيات في وصف هذا النوع من الناس {يسبح له فيها} أي في المساجد {بالغدو والآصال} أي بأداء الصلاة فيها صلاة الفجر وغيرها {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار} ذكرت لنا الآية ماهية الأعمال التي بها يكون المدد النوراني للقلب وهي التسبيح والذكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والخوف مما يكون في اليوم الآخر ثم بين ربنا عز وجل بماذا سيتكرم على هؤلاء فقال {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب}…

من خلال دراسة الآيتين الكريمتين تبين لنا  الصلة بين العمل في الشريعة وبين نورانية القلب ولنعلم أن العمل في الشريعة له وارادته على القلب وأن لكل نوع من العمل وارادته النورانية إلى قلب المسلم وأن هناك أعمالاً بعينها وارادتها في المقام الأعلى ولذلك خصتها الآيات في الذكر وهي التعلق في المساجد وكثرة الذكر والتسبيح وإقامة الصلوات وإيتاء الزكوات والخوف من اليوم الآخر فمن طمع أن يكون قلبه مستنيراً دون أن يكون له أعماله وأوراده فإنه لا يكون قد أتى البيوت من أبوابها…

إن ورد الإنسان هو ما رتبه على نفسه من أنواع الطاعات والعبادات والوارد هو ما يكرم الله عز وجل به قلب الإنسان من فيوضات وأنوار ومعان، وإذا أدركنا قضية الورد والوارد أدركنا ضرورة أن يكون للمسلم أوراده اليومية

  وختاما نقول إن القلب البشري يحتاج إلى أدوية وأغذية وفي الصلاة دواء وغذاء وفي الصوم دواء وغذاء وفي الذكر دواء وغذاء وفي الجهاد دواء وغذاء وفي صلة الأرحام دواء وغذاء وفي العلم دواء وغذاء وبعض الناس كالأنبياء هذا كله في حقهم غذاء وترقيات ولعله بهذا كله أدركنا أهمية الأوراد في حياة المسلم وفي إصلاح قلبه وقي ترقيه فلننتقل إلى باب آخر.

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s