واقف في الطابور

 

مقالة الاستاذ فهمى هويدى : ذهبت في الثامنة والنصف صباحا أملا في أن أدلي بصوتي وأنصرف قبل الزحام، لكني فوجئت بطابور بطول أكثر من كيلو متر يقف أمام مقر اللجنة.
أخذت دوري مستاء. ولم ينقذني سوى اتصال هاتفي أخبرني بأن ثمة لجنة أخرى في نفس الحي الزحام عليها أقل. أسرعت إلى المكان الذي دلوني عليه فوجدت المشهد مكررا.
سلمت أمري إلى الله ووقفت أنتظر دوري. بعد دقائق لاحظ واحد أن الشرطة لا وجود لها.
وقعت عيناي على سيدة عجوز تحاول جاهدة الصعود فوق الرصيف للاصطفاف مع الواقفين. فقال واحد إن المنظمين كان ينبغي عليهم أن يخصصوا طابورا لكبار السن.
تململ صبي كان واقفا مع أبيه وقال له بصوت مرتفع إنه تعب من الوقفة ويريد أن يرجع إلى البيت. فرد الأب قائلا إنك أنت الذي طلبت الخروج معي فتحمَّل،
ثم أضاف: اعتبره طابور المدرسة واصبر. رد الصبي المناكف قائلا: إن طابور المدرسة ليس بهذا الطول.
التفت الأب ناحيتي وقال إنه أخبر أسرته بأنه سيشارك لأول مرة في حياته في استفتاء تجريه الحكومة، فتعلق ابنه برقبته وألح على أن يذهب معه لكي يشاهد معه التجربة العجيبة.
سكت الأب لحظة ثم قال إنه شجع الابن على القدوم ليرى بعيني رأسه وهو في السابعة من العمر ما حرم هو منه طوال عمره الذي يتجاوز 40 عاما.

لم أقل له إنني منذ نصف قرن لم أدلِ بصوتي في أي استفتاءات أو انتخابات عامة، ولم أصوت إلا في انتخابات نقابة الصحافيين والنادي الذي أشارك فيه.
تدخل شخص ثالث وقال إنه بدوره لم يصوت في أي مناسبة، ثم استطرد قائلا إنه في عهد مبارك كان يترك صوته عهدة لدى الحكومة ويستريح في بيته طوال يوم الانتخابات، ولم يكن يشغل باله بالإجابة على السؤال نعم أو لا، ولكنه هذه المرة ظل يتجادل طوال أسبوع هو وأبوه وزوجته وشقيقها. بعدما انقسموا فريقين أحدهما يؤيد التعديلات والثاني يرفضها.
وحين حل يوم الاستفتاء أيقظته زوجته في السابعة صباحا لكي يصحبها إلى لجنة التصويت. ثم أردف قائلا إن ما يحيره أن زوجته لم تهتم في حياتها بالسياسة، وكانت الكلمات المتقاطعة هي الشيء الوحيد الذي تطالعه في الصحف، أما شقيقها فلم يكن يعرف شيئا في الدنيا سوى مباريات كرة القدم، ولا يتحمس لشيء إلا لنادي الزمالك.
طالت وقفتنا وطال الطابور. وبدا المنظر مدهشا. الأعداد الغفيرة من البشر التي زحفت على مقار اللجان منذ الصباح الباكر. وقد توزعت على مختلف الأعمار ومختلف طبقات المجتمع. وذلك الحماس الجارف للتصويت، والجدل الذي لم يتوقف في مختلف الأوساط حول التعديلات والمستقبل. وغير ذلك من القرائن التي تشهد بالميلاد الجديد للشعب المصري الذي أدركت جماهيره أنها استردت وطنها من غاصبيه واستردت وعيها الذي كان مغيبا. ومن ثم أصبح الجميع في قلب السياسة وأصحاب رأي فيها.
خلال الساعتين والنصف التي قضيتها منتظرا دوري في التصويت كان السؤال الذي ظل يلح علي هو:
هل من الممكن أن يخدع هؤلاء في الانتخابات المقبلة؟
ــ كانت في ذهني التصريحات والكتابات التي ما برحت تعبر عن القلق من إجراء الانتخابات التشريعية، محتجة بأن الساحة ليس فيها الآن سوى الإخوان المسلمين وفلول النظام السابق.
واستوقفني في ذلك الخطاب تجاهل هؤلاء لحقيقة الوعي والميلاد الجديدين اللذين طرآ على المجتمع المصري.
واستغربت شكهم في أن الناس يمكن أن تنساق وهي مغمضة الأعين وراء شعارات الإخوان أو إغراءات تلك الفلول المدعومة من بعض رجال الأعمال القادرين على شراء الأصوات ببعض الملايين التي نهبوها.
ذلك أن بين أيدينا ما لا حصر له من القرائن والشواهد الدالة على أن الذين يطرحون مثل هذه السيناريوهات إما أنهم لا يثقون في وعي الناس الذي بات مختلفا عن كل ما سبق، أو أنهم يدركون ذلك جيدا، لكنهم يروجون لهاتين الفزاعتين لتخويف الناس وحثهم على المطالبة بعدم إجراء الانتخابات في موعدها المفترض (شهر يونيو القادم).
لقد كان نظام مبارك في السابق يخدع الناس من خلال تسويق فزاعة الإخوان. وشاءت المقادير أن يستمر ذات النهج في ظل النظام الجديد بعد إضافة الفلول كفزاعة أخرى،
والقاسم المشترك بين العهدين هو أن الخطاب ينطلق فيها من فكرة عدم الثقة في وعي الجماهير وتقديرها.
ومن المفارقات أن نظام مبارك كان يروج لفزاعة الإخوان في غش المجتمع،
في حين قام نفر من المثقفين بمحاولة الغش ذاتها مستخدمين في ذلك فزاعتين وليس واحدة.

هذا المنشور نشر في الثورة المصرية, عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s