البداية الصحيحة في التربية الإسلامية (شرح كتاب تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى)

Pic51200 

توقفنا فى آخر تدوينة من شرح وتلخيص كتاب تربيتنا الروحية عند أهمية الذكر والأوراد فى إحياء القلب يتحدث فى هذا الفصل الشيخ سعيد حوى عن بداية التربية الصحيحة فى التربية الإسلامية يقول الشيخ سعيد حوى :

في التربية الإسلامية نقطة البداية هي الإيمان فقد ورد في أكثر من أثر عن الصحابة هذا المعنى "كنا نؤتى الإيمان قبل القرآن"

إن القرآن له خصائصه ومن خصائصه أنه لا يأخذ الإنسان منه حظاً إلا إذا كان مؤمناً فهو لا يلامس القلوب إلا إذا كانت هذه القلوب مؤمنة ولذلك قال تعالى {وإذا ما أُنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً على رجسهم وماتوا هم كافرون} [التوبة: 125-126]. لاحظ كيف أن السورة بالنسبة للذين في قلوبهم مرض تحدث تأثيراً عكسياً فبَدَلاً من أن تكون زيادة إيمان في حقهم تكون عامل زيادة في المرض، وعلى هذا فنحن إذا ما أردنا أن يلامس القرآنُ القلب البشري ملامسة صحيحة بحيث يستفيد هذا القلب من القرآن، فإن علينا أن نطبب هذا القلب أولاً بأن نجعله مؤمناً خالص الإيمان.

وعلى هذا فأهم نقطة يركز عليها المربي منذ الابتداء هي إصلاح القلب وأي فشل في هذا الشأن فيه دليلٌ إما على جهل المربي أو على عدم صدق المريد أو على أن المنهج خاطئ أصلاً.

إن نقطة البداية الصحيحة هي التركيز على القلب حتى تصل به إلى الصحة لأنه بمثل هذا النوع من السير تطمئن على وضع الإنسان وعلى خروجه من دائرة إغراء الشيطان ووسوسته وفتنته سواء كان الشيطان شيطان إنس أو جن. قال تعالى: {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} [الأنعام: 112-113]. لاحظ ههنا إن الذي يصغي قلبه إلى شياطين الإنس والجن ويرضى هذه الوسوسة هو الإنسان الذي لا يؤمن بالآخرة فإذا ما أردنا أن نخرج إنساناً عن دائرة وساوس الشياطين فإن علينا أن نبدأ بالقلب وإصلاحه. وعندما نقول القلب فلا يعني هذا إهمال الفكر بل من جملة ما يصلح به القلب العلمُ والفكر والمعرفة مع الذكر والعمل وغير ذلك مما رأيناه

في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأصحاب تجد ظاهرة واضحة وهي أن الصحابي إذا أسلم نجده في بداية إسلامه في غاية الاندفاع لدرجة الغلو حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحيان كان يتدخل لإرجاع بعض الأصحاب إلى دائرة الاعتدال.

وهذه الحالة تجدها دائماً في كل حالة صدق مع الله وإذا توجه إنسان إلى الله إما بعد حياة جاهلية أو بعد قبول للفهم الحق لدين الله عز وجل في هذه المرحلة من الاندفاعية الصادقة يجب أن يكون كل جهدنا منصباً على نقل قلب الإنسان من المرض إلى الصحة لأننا إذا فشلنا في ذلك فإننا نعرض هذا الإنسان للانقطاع عن السير إلى الله أو لترك دعوة الله أو للانحراف عن أمر الله أو باختصار فإننا نعرضه لقبول إلقاءات الشيطان.

وما أخطرها ولتوضيح هذا المقام لا بد من فهم هذه الآيات: قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يُحْكِمُ الله آياته والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد. وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} [الحج: 52-53-54].

لاحظ في الآيات قوله تعالى: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم} فمن كان في قلبه مرض أو كان قلبه قاسياً، هذا الذي يفتتن بإلقاء الشيطان فإذا ما أردنا أن نجنب إنساناً ما فتنة الشيطان فعلينا أن ننقل قلبه من مرضه إلى صحته ومن قسوته إلى خشوعه، ثم لاحظ في الآيات قوله تعالى: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم}. إنك تجد في هذا النص أن العلم هو الطريق لصلاح القلب وإصلاحه فأهل العلم هم الذين يخرجون من إلقاءات الشيطان بخشوع أكثر ويقين أعلى وإيمان أرقى وهذا يؤكد ما ذكرناه من قبل من أن أحد ركني السير إلى الله العلمُ وأن الذي لا يدرك هذا خاطئ وواهم جداً…

أسرعنا في ذكر هاتين الملاحظتين حول الآيات استعجالاً للمقصود والذي من أجله سقنا الآيات إلا أن الآيات تحتاج إلى وقفة أوسع فلنحاول عرضها لأن هذه الآيات من الآيات التي يكثر الأخذ والرد حول معناها ونحن في هذه السطور القليلة سنقدم خلاصة في شأنها لا يعثر عليها الإنسان إلا بمشقة {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى}. ماذا يتمنى الرسول أو النبي؟ إن أمنية الرسول أو النبي إنما هي في قومه وأتباعه أن يرتفع بهم إلى مقام العبودية الكاملة إلى مقام الصديقية الكبرى.

إن مثل هذا هو أمنية الرسول والنبي عليهم الصلاة والسلام جميعاً فماذا يفعل الشيطان؟ إن الشيطان في مثل هذه الحالة يحاول أن يقطع الطريق على أمنية الرسول والنبي بإلقاءاته الإلقاءات الخبيثة في قلوب محل أمنية الرسول قال تعالى: {إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته}. أي في قلوب محل أمنيته وهم قومه وأتباعه وهذا الذي يدل عليه السياق فإذا ألقى الشيطان إلقاءاته فإن من سنة الله عز وجل {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} إن من سنة الله عز وجل إبطال إلقاءات الشيطان وإحكام الآيات في القلوب على مقتضى العلم والحكمة

وقد بين الله عز وجل سنته هذه بالآيتين التاليتين فقال: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض}، أي المنافقين {والقاسية قلوبهم} أي المشركين أو المرضى بقسوة القلب ولو لم يكن شركاً فهؤلاء وهؤلاء هم الذين يقبلون إلقاءات الشيطان فيفتنون بها. ثم قال تعالى: {وإن الظالمين لفي شقاق بعيد}، دلت الآية على أن مرضى القلوب وقساتها ظالمون وأنهم في خلاف بعيد عن الحق" إن هؤلاء هم الذين يقبلون إلقاءات الشيطان

ثم قال تعالى: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم}، أي إن إلقاءات الشيطان في قلوب أهل العلم لا يترتب عليها إلا زيادة إيمان بالقرآن وزيادة خشوع للقرآن واطمئناناً به ثم قال تعالى: {وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم}، أي في الفهم والسلوك.

إن القلب البشري إذا قبل الحق اندفع فيه ثم تأتيه هجمة معاكسة من الشيطان، هذه الهجمة إما أن يسقط فيها إنسان أو يرتفع بسببها إنسان، يسقط مرضى القلوب وقساتها وينجح أصحاب العلم وأصحاب القلوب السليمة والمربي الذي لا يدرك أبعاد هذه الأمور فيلاحظها ويعرف كيف يتوقعها ويتصرف أمامها، مرب فاشل…

إذا أدركنا معنى الآيات التي مرت معنا أصبح بإمكاننا أن ندرك مضمون الحديث الذي مر معنا أكثر من مرة في هذه الرسالة. "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين". على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسود مرباد كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه". فالفتن تعرض على القلوب بشكل مستمر فأي قلب هو الذي ينكر هذه الفتن فلا يقبلها؟ إن الآيات هي التي دلتنا على هذا النوع من القلوب. إنه القلب السليم من المرض والقلب غير القاسي لأن القلب المريض والقلب القاسي كلاهما قابل لإلقاء الشيطان ومن ثم ندرك بوضوح إن نقطة البداية الصحيحة في التربية الإسلامية هي التركيز على القلب للوصول به إلى حالة الصحة وأن كل فشل في ذلك إنما هو فشل في الصميم في إيجاد المسلم الحق المستقيم على أمر الله المستمر على دينه…

سأتوقف عند هذا الجزء حتى لا نطيل وأستكمل هذا الموضوع الهام فى تدوينة قادمة إن شاء الله

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على البداية الصحيحة في التربية الإسلامية (شرح كتاب تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى)

  1. يقول رضوان:

    مرحبا ان اسم خليفة والد جيلالي الظي يسكن زعرة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s