تحرير القصد لله ( دروس فى العمل السياسى الإسلامى-2 )

img88 

نواصل دروس فى العمل السياسى الإسلامى وهى فى أصلها مجموعة مقالات للأستاذ عبد المجيد مناصرة وتناولنا فى الدرس الأول معنى العمل السياسى والسياسة فى الإسلام وهذه التدوينة تعتمد على تأصيل أن السياسة والعمل السياسى فى الإسلام يعتمد على تحرير القصد لله عز وجل :

يختلف العمل السياسي الإسلامي عن غيره من ألوان العمل السياسي الأخرى بكونه عمل يقصد به القائم عليه والعامل به والمنخرط فيه وجه الله عز وجل ومرضاته، وهي الغاية العليا التي يدور حولها العمل الإسلامي، وهي ذات الغاية من خلق الإنسان (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)الذاريات56.

ومن تمام العبودية لله أن يتوافق قصد المخلوق مع قصد الخالق وكما يقول الإمام الشاطبي "المقصد الشرعي من وضع الشرعية إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبد لله اختيارا كلما هو عبد لله اضطرارا وأبلغ منه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت«.

إنه الدرس الأول والأساسي الذي يجب أن نتعلمه في مدرسة العمل السياسي الإسلامي.

أهمية القصد:


القصد هو النية والاعتزام والتوجه والإرادة، وذكر الإمام الغزالي أن النية والإرادة والقصد عبارات متواردة على معنى واحد وهو انبعاث القلب نحو العمل الموافق لغرض صحيح لابتغاء رضا الله وامتثال أمره.

والقصد استقامة واعتدال ووسطية(وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ)النحل9، "القصد القصد تبلغوا".

فالقصد هو النية قبل العمل والفكر قبل الفعل والتصور قبل التنفيذ والقدر قبل القدرة والإرادة قبل الإدارة والغاية قبل الوسيلة والعزيمة قبل التوكل وهو الرؤية قبل السير والتسبب قبل السبيل.

وقد قال زبيد اليامي: إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء ويقول ابن القيم:«فأما النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه والعمل تابع لها يبنى عليها ويصح بصحتها ويفسد بفسادها وبها يستجلب التوفيق وبعدهما يحصل الخذلان وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة»

إن القصد في العمل الإسلامي هو إخلاص العمل لله وتصحيح النيات مما يشوبها، فالانتماء إلى حزب سياسي والعمل معه يجب أن يكون خالصا لا مطمع دنيوي من ورائه وكل ما يقوم به الفرد من أدوار وأعمال وأنشطة وكل ما يناله من ترشح أو اعتلاء منصب أو تولي مسؤولية وكل ما يجريه من اتصالات وعلاقات وسعي في خدمة الناس يجب أن يكون مرتبطا بالغاية العليا وهي إرضاء الله تعالى وذلك من تمام العبودية (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) الأنعام162-163.

وكل ما يقوم به الحزب الإسلامي من أعمال ومناشط وما يصدره من قرارات وسياسات، وما يعلنه من مواقف وبرامج وما يعقده من ائتلافات وتحالفات وما يجريه من تعيينات وتكليفات، وما يؤديه من خدمات وانتخابات يجب أن يكون خالصا لله، فيلتقي قصد الفرد مع قصد الحزب في سبيل الله.

وعندما تصح النية ويتحرر القصد تتساوى الأعمال وتزول المفاضلة بينها ما دامت كلها لله وهو المجاز عليها.

ومن هنا تتأكد أكثر أهمية النية في العمل، فالسلف الصالح كانوا كثيري الاهتمام بالنية، فهذا سفيان الثوري كان يقول:«ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي لأنها تتقلب علي».

وقال يوسف بن أسبط: «تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد».

وقال بن المبارك: «رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية».

وقال يحي بن أبي كثير: «تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل».

وقال الثوري: «كانوا يتعلمون النية للعمل كما يتعلمون العمل».

أصناف العاملين:

يفترض في القائم بالعمل السياسي الإسلامي أن يبغي إرضاء الله عز وجل، ولكن مع ذلك هناك حظوظ تزاحم هذا القصد وتشوبه أحيانا من حب السمعة والشهرة، وحب الرياسة والمنصب وحب المال والجاه، ومنها حظ الأهل والأقارب، ومنها حظ الوطن والقوم وأحيانا حظوظ أخرى مهنية وحزبية وشخصية.. وكلها من حظوظ الدنيا التي تكون على حساب إخلاص العمل لله.

فالناس في هذا الموضوع ثلاث أصناف:

1- رجل يقصد من وراء العمل السياسي اتباع هواه وإرضاء نفسه وتحقيق مصلحته الشخصية والحصول على مكاسب دنيوية.. وهو في سبيل ذلك يسمح لنفسه باستخدام أية وسيلة حتى لو كانت غير أخلاقية ويتنازل عن المبادئ من أجل المصالح الخاصة ويخضع لأي جهة أو سلطة أو شخص يحقق له ما يريد.. وهذا الصنف هو الذي يسمى في أيامنا هذه بالسياسي البارع الناجح.

"إن السياسة الناجحة في نظر هؤلاء هي التي تمارس بشطارة أي بدون مبادئ، ومفهومنا أن "الشّطارة" يمكن أن تمارس باستقامة وذكاء ودهاء إذ لا يعني التزامها بالمبادئ أن تمارس بغباء، كما يظن بعض هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم شطارا وأذكياء وهم في الحقيقة منحرفون أغبياء". ورجل قصده إعلاء كلمة الله وإحقاق الحق وخدمة الناس وتقديم العون لهم ورعاية مصالحهم باذلا في سبيل ذلك جهده وماله ووقته وقد يضحي بمصالحه الخاصة وقد يتعرض للأذى فيصبر ويحتسب ولا ينتظر من الناس جزاء ولا شكورا لأنه يدّخر الأجر عند الله.

وهذا الصنف هو نموذج السياسي الإسلامي الذي تفتقده الأمة وتعمل الحركة الإسلامية على إخراجه للنّاس.

3- ورجل خلط بين هذا وذاك فهو إن كان قصده لله وخدمة دعوته فإنه في خضم الأعمال ومجرياتها وتحت تأثير ضغوطات مطالب النفس والأهل والأقارب والأصدقاء واستسلاما لإغراءات المناصب والمكاسب تختلط عنده النيّات وتتعدد وأحيانا ينسى القصد الأول من عمله فيلبس عليه إبليس ويزين له عمله فتنازعه الحظوظ والأهواء، فينتصر أحيانا وينهزم أخرى، وهذا الصنف هو الشائع.

ومن هنا وجب الاهتمام في العمل السياسي الإسلامي بالقصد قبل العمل تأسيسا وإخلاصا وأثناء العمل مراقبة وتخليصا.

 

هذا المنشور نشر في علوم سياسية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s