في ضرورة الورد اليومي والدورات الروحية (شرح وتلخيص كتاب تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى )

Pic1981 

توقفنا فى التدوينة السابقة من عرض وشرح كتاب تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى عند ما هى البداية الصحيحة فى التربية الإسلامية وبناء على ما ذكره الشيخ سعيد حوى يضع قواعد عملية وبرنامج عملى لإعادة الروحانيات للقلب وتجديد الإيمان وحاجة المسلم عامة لهذا البرنامج العملى من الأهمية بمكان وتزداد الأهمية للدعاة فى العمل الحركى الإسلامى والذى يشتكى البعض من جفاء روحى ومن الإنشغال بالأعمال الإدارية نعرض ما ذكره الشيخ حوى ونحاول تطبيقه على حياتنا المعاصرة .

نقطة أخيرة قبل أن نشرح البرنامج العملى…… فى هذا الوقت والذى فيه مساحة حرية كبيرة للعمل مع المجتمع والتواصل معه تزداد الحاجة مع هذا لزيادة الصلة بالله عز وجل وزيادة الإيمان وزيادة القوة الإيمانية والنفسية والتى هى من أهم أسباب نجاح عملنا مع المجتمع

يقول الشيخ سعيد حوى :

لعله اتضح من الأبواب الأخيرة ضرورة بعض الأمور وحتى لا يبتعد العلم عن العمل في هذا البحث وهو في الأصل بحث عملي فإننا نحب أن نخرج بالشيء العملي بعدما عرفنا كثيراً من الأسس النظرية التي تساعدنا على فهم هذه الجوانب العملية.

إننا باختصار ندعو المسلم إلى العلم وإلى أن تكون له في حياته دورات روحية وأن تكون له أوراد يومية ولا يعجزنا أن ندرك ضرورة ذلك من خلال ما مر معنا ولكن لزيادة التأكيد والتوضيح نذكر بعض المعاني:

أ- العلم: في حديث رواه البزار والطبراني في الكبير بإسناد رجاله رجال الصحيح عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أسلم الرجل أول ما يعلمه الصلاة أو قال: علمه الصلاة" وفي هذا الموضوع أكثر من حديث صحيح، نلاحظ من مثل هذا النص ضرورة الفقه فيما يلزم الإنسان وقد رأينا من قبل ضرورة العلم إن البدء في السير العلمي الشامل إن في المدارسة أو في المطالعة الشخصية أو في التلقي أو في حضور الحلقات العلمية الإسلامية العامة أو الخاصة شيء لا بد منه ولكل قضية محاذيرها التي لا بد للمسلم أن يلاحظها وفي هذه السلسلة بمجموعها تبيان للمحاذير التي لها صلة بهذه القضايا وأشباهها وههنا نقول:

1- اجعل نصب عينيك أن تصل إلى ثقافة إسلامية هادفة ومبرمجة، متكاملة بحيث لا تضيع من مهم عن أهم ولا تضيع مهماً.

2- ستجد الكثيرين الذين يريدون أن يحجزوك على صيغة معينة من فكرهم وسنرى أن التحقيق ليس معهم فتأن كثيراً وتثبت كثيراً ولا تجعل التعصب بأسرك فتترك بعض الحق ولا تجعل حب الرجال مانعاً لك عن الوصول إلى الحق الخالص ومعرفته في كل قضية.

3- مهما درست فلا تبقى بعيداً عن الكتاب والسنة ومحاولة الفهم الصحيح لنصوصهما، واجعل للحفظ من الكتاب والسنة نصيباً من وقتك وجهدك.

ب- الدورات الروحية:

إننا ندعو المسلم إلى أن تكون له دورات روحية في حياته ما إستطاع إلى ذلك سبيلاً وبالقدر الذي يتيسر له فإن استطاع أن تكون دورته أربعين يوماً فليفعل وإن استطاع ثلاثة أيام أو سبعة أيام أو ثمانية أيام أو أكثر أو أقل أو شهوراً فليفعل، فإن استطاع أن يتفرغ لهذه الدورة بما لا يضيع عملاً ولا واجباً كان بها وإلا فليفعل ما استطاع بما لا يضيع عياله ولا عمله الذي يكسب منه قوته ولا واجباته اليومية، وإن استطاع أن يربط بين الدورة وبين بعض الشهور كرمضان أو الأشهر الحرم أو العشر الأول من ذي الحجة أو غير ذلك مما ورد فيه نصوص تدل على خصوصيته كان ذلك وإلا فمتى تيسر ولينظم برنامج الدورة بحيث يكون مردودها الروحي عالياً فإذا استطاع أن يجمع بين صيام وقيام وصلوات جماعة وقراءة قرآن وأنواع من الأذكار كان بها وإلا فما استطاع من ذلك وإذا اقتصر على نوع من الذكر كالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا إله إلا الله أو الاستغفار أو الجمع بين التسبيح والتهليل والتكبير و التحميد فذلك طيب وإذا جمع بين هذا كله يكون طيباً،

إن مثل هذه الدورات ترتقي بالإنسان إرتقاءات كبيرة وتنقل قلبه من حال إلى حال، وإن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير مما يجعلنا نستأنس لمثل هذا مثل اعتكافه عليه الصلاة والسلام فقد ثبت أنه اعتكف عليه الصلاة والسلام في رمضان وغيره واعتكف في بعض السنين عشرين يوماً ومثل خلوته عليه الصلاة والسلام في غار حراء وهي مع كونها قبل النبوة إلا أنها كانت من توفيق الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ومثل الأمر في ابتداء الإسلام بوجوب قيام الليل على كل مسلم ثم فسخ الوجوب ولكن الندب بقي وهناك نصوص تشير إلى أرقام مثل الحديث الذي رواه ابن ماجه والترمذي "من صلى في مسجد جماعة أربعين ليلة لا تفوته الركعة الأولى من صلاة العشاء كتب الله بها عتقاً من النار".

ترى لو أن مسلماً قرر فيما بينه وبين نفسه أن يقيم دورة روحية لنفسه مدتها أربعون يوماً أو أقل أو أكثر فماذا يترتب على ذلك: لا شك أن إيمانه سينمو ومعاني التوحيد في قلبه ستترسخ وسيعطيه ذلك صفاء فكر وحسن تأمل هذا عدا عن معان كثيرة أخرى كلها ضروري في عصر غلبت عليه المادة وطغت الشهوات فإذا ما كرر ذلك كل فترة في حياته فإن ذلك محل رجاء أن يبقى نور الإيمان في قلبه عظيماً وأن يبقى الإيمان في قلبه جديداً وإذا أردنا أن نقترح جدول دورة من هذه الدورات فبالإمكان مثلاً أن يكون في هذا الجدول:

1- صلوات الفرائض جماعة.

2- إقامة السنن الرواتب كلها.

3- المحافظة على سنة الضحى وسنة قيام الليل والوتر.

4- بالإمكان أن يكون من البرنامج صلاة التسابيح يومياً.

5- أن يخصص لنفسه برنامج ختمات من القرآن خلال الدورة.

6- أن يضع في حسابه الاشتغال بأوراد الذكر من استغفار إلى صلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى توحيد إلى غير ذلك من الأذكار المطلقة وليحاول أن يذكر كلاً منها سبعين ألفاً. فعدد السبعين تتحقق فيه الكثرة.

7- أن يضع في حسابه تطبيق الأوراد المرتبطة بشيء كأوراد الصلاة وأوراد القوم وغير ذلك. وإذا رأى من نفسه مللاً من نوع اشتغل بنوع آخر ويستطيع الواحد منا أن يتصرف على ضوء ذلك.

8- صيام ما تيسر من الأيام مع الإقلال من الطعام والكلام والخلطة. إن بعض الناس قد يقولون: هذه عطالة وبعضهم يقولون هذه بطالة وبعضهم يقولون الكثير ليصرفوا المسلم عن هذا. إن هؤلاء جميعاً موازينهم خربة وتفكيرهم الإيماني سقيم إن ذرة من الإيمان لا يعادله شيء فإذا كانت ذرة من الإيمان يخرج بها الإنسان من النار وتقيه الخلود فيها فما بالك إذا كانت هذه الدورات تجعل إيمان الإنسان كالجبال فتعطيه طمأنينة القلب وترفعه عن هواجس النفس وتجنبه وساوس الشيطان وفتنته.

إن على كل مسلم أن يفكر في مثل هذا، وإن على المربين في الأمة الإسلامية أن يعطوا لذلك أهمية خاصة ويكفي كل مسلم ليدرك صحة ما ذكرناه أن يتذكر هذين الحديثين: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم" رواه الطبراني. "جددوا إيمانكم، قيل يا رسول الله كيف نجدد إيماننا قال: أكثروا من قول لا إلا الله" رواه أحمد. إذا كان الإيمان وهو موجود يحتاج، إلى تجديد فكيف بالقلوب الغافلة، فكيف بالقلوب المصفحة، فكيف بالقلوب التي فيها ظلمة، فكيف بالقلوب التي فيها وساوس، فكيف بالقلوب الحائرة، فكيف بالقلوب القلقة فكيف بالقلوب الشاكة، فكيف بالقلوب التي غزتها الأمراض والشهوات،

إن هذه كلها إذا أرادت أن تقفز قفزة سريعة فوق هذه الحال لا بد لها من دورات روحية مكثفة ذات برنامج روحي والبرنامج الذي اقترحناه ههنا نموذج فقط وإلا فلو أن مسلماً خصص لنفسه أياماً يشتغل بها مثلاً في الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم فقط مع قيامه بالفرائض فإن لذلك آثاره الطيبة على قلبه. المهم ألا ينسى مسلم نفسه من دورة روحية أو دورات في حياته.

ح- الأوراد اليومية:

إنه لا بد للمسلم من غذاء روحي يومي، هذا الغذاء يتمثل بالقيام بالفرائض والواجبات اليومية والمداومة على ما يمكن من المندوبات بالقدر المستطاع الذي يعطي القلب احتياجاته من الغذاء والدواء والذي يكون به المسلم في ترق دائم…

هذا الورد اليومي الذي يرتبه المسلم على نفسه ينبغي أن يلاحظ فيه أن يجعل له حداص أدنى لا بد أن يؤديه ثم بعد ذلك إن وجد فراغاً أو إقبالاً من النفس زاد، وإذا رأى من نفسه كسلاً أو مللاً تصرف معها بما يحسن من سياسة حكيمة للنفس. وإذا غلبته نفسه فكسلت لسبب من الأسباب فإنه إن استطاع أن يعوض ذلك عوض وإلا استأنف من جديد في أول لحظة تفيء نفسه فتعود إلى ما رتبه لها صاحبها من أوراد يومية والنصوص في قضية الأوراد اليومية كثيرة منها. الذي مر معنا وللتأكيد والتوضيح نذكر بعض النصوص ونعلق عليها.

1- قال شقيق: "مرض عبد الله فعدناه فجعل يبكي فعوتب فقال لا أبكي لأجل المرض لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المرض كفارة وأنا أبكي أنه أصابني على حال فترة ولم يصبني في حال إجتهاد لأنه يكتب للعبد من الأجر إذا مرض ما كان يكتب له قبل أن يمرض فمنعه منه المرض"، من مثل هذا النص ندرك أن المسلم العامل تكون له أوراده اليومية الخاصة ولذلك نجد عبد الله بن مسعود يبكي على أن مرضه جاء وهو في غير الحالة العليا من العمل اليومي.

2- يستأنس لهذا الموضوع بكل ندب ندبنا فيه لعمل سواء كان هذا العمل ذكراً أو غيره.

3- من حديث صحيح لعائشة رضي الله عنها أنها روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل" (متفق عليه)، وفي رواية عنها "وكان آل محمد إذا عملوا عملاً أثبتوه"، وهذا يدل على أن هناك أعمالاً معينة كان فيها نوع من الإلتزام اليومي في حياة آل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أن قوله عليه الصلاة والسلام "خذوا من الأعمال ما تطيقون"، ما يشير إلى أن المسلم ينبغي أن يرتب لنفسه عملاً يومياً في حدود طاقته.

4- قوله عليه الصلاة والسلام: "إن ليغان على قلبي حتى أستغفر في اليوم مائة مرة" رواه مسلم، وملازمته عليه الصلاة والسلام لقيام الليل ولأعمال معينة كل ذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام كانت له أوراده اليومية وهو أسوة كل مسلم فالأوراد اليومية في حياة المسلم هي زاده اليومي الذي لا ينبغي أن يهمله وعلى هذا فإننا ندعو كل مسلم أن يرتب لنفسه ورده اليومي، ويدخل في ذلك تنظيم أوقاته لترتيب أمر الصلاة فرضها ونفلها وتخص بالذكر قيام الليل وسنة الضحى لغفلة الناس عنهما، ويدخل في ذلك أوراد الصلوات، ويدخل في ذلك قراءة القرآن. والحد المعتدل في ذلك جزء لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح لابن عمرو بن العاص عن القرآن "إقرأ القرآن في كل شهر

ويدخل في ذلك الاستغفار اليومي والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومياً والتهليل والتسبيح يومياً ويدخل في ذلك ملاحظة الأيام التي ندبنا إلى عمل خاص بها أن نخصها بعمل ما كالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلته وكقراءة سورة الكهف فيها. ويدخل في ذلك أن تلاحظ الأوراد والأذكار التي ربطت بمناسبته ويدخل في ذلك ملاحظة الأيام التي ندبنا إلى صومها، وأخيراً يدخل في ذلك العلم وكل عمل يقتضيه حق العلم… إن الأوراد التي ندبنا إلى الإكثار منها بدون حدود يستطيع الواحد منا أن يرتب على نفسه منها بالقدر الذي لا يشق عليه وعلى حسب احتياجات قلبه وبما لا يتعارض مع القيام بواجبات أخرى… وإذا أردنا أن نقدم نموذجاً تقريبياً لأوراد المسلم اليومية فبإمكاننا أن نقول:

1. صلوات الجماعة، ورواتب الصلوات وأذكارها وقيام الليل وسنة الضحى.

2. إستغفار يومي بما لا يقل عن مائة مرة.

3. لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير بما لا يقل عن مائة مرة.

4. صلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم بما لا يقل عن مائة مرة.

5. قراءة قل هو الله أحد ثلاث مرات.

6. قراءة جزء من القرآن.

7. أذكار الأوقات والأعمال كأذكار الطعام والنوم والدخول والخروج.

8. الإكثار بعد ذلك من ذكر الأذكار التي ندبنا إليها بشكل مطلق

وأخيراً نقول: إن المسلم عليه أن يرتب لنفسه برنامجاً خاصاً يومياً وآخر أسبوعياً يكمل البرنامج اليومي وآخر شهرياً يكمل اليومي والأسبوعي وآخر سنوياً يكمل الثلاثة الأول وآخر عمرياً يكمل ما قبله بحيث يؤدي واجباته كلها، ويملأ حياته بالخير ويكون في حال نرق دائم ومن خلال الدورات الروحية، ومن خلال البرنامج اليومي ومن خلال إقامة ما ندبنا إليه أو أفترض علينا أسبوعياً كحقوق يوم الجمعة أو من خلال ما شرع لنا سنوياً كصيام رمضان أو شهرياً أو أسبوعياً كالصيام المندوب أو ما أفترض علينا عمرياً كالحج ومن خلال إقامة واجب الوقت وواجب الحال وواجب المناسبة كصلاة الجنازة أو عيادة المريض أو إطعام الجائع أو إحسان إلى الجار أو بر الوالدين أو صلة الرحم أو جهاد مفروض أو مندوب من خلال هذا كله يَكْمُل المسلم ويلقى الله وهو عنه راض وإن العلم والدورات الروحية والأوراد اليومية هي الزاد الذي لا بد منه لإقامة هذا كله.

وبهذا الباب يكون قد اتضح لنا كثير من جوانب السير إلى الله وقد آن الأوان لأن ننتقل إلى جوانب آخرى في هذا الموضوع لها صلة بعالم النفس وتزكيتها وهو الجانب المكمل للكلام عن القلب ومن ثم فسيأخذ هذا الموضوع معنا مجموعة من الأبواب اللاحقة في هذه الرسالة.

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s