لا تخافوا (الإخوان) لأنهم يخافون الله

1a

ردا على فزاعة الإخوان والإسلاميين كتب الشيخ عصام تليمة هذه المقالة :
كانت مصر فيما قبل ثورة يوليو زاخرة بعدد ضخم من الكتاب والأدباء، وكانت الحياة الثقافية ثرية بالنقاش الفكري، والثراء العلمي، ما بين إسلامي وقومي وليبرالي وغيره، وما بين كل طوائف واتجاهات الشعب الفكرية والدينية، يسودها روح البحث العلمي، كل يعبر بما لديه من رؤى، بل كل يعلن بهواجسه سائلا عنها، لعل عند الطرف الآخر ما يبدد هذه الهواجس، بكل وضوح لا مراوغة فيها، وكان في بداية عام 1952م بعد خروج الإخوان المسلمين من المعتقلات بعد اغتيال مرشدهم الإمام حسن البنا، وقد بدأت الجماعة تعود للظهور العلني في المجتمع، فبدأت تساؤلات كثيرة تطرح نفسها، حول الجماعة ومنهجها، وماذا لو وصلت للحكم، أو شاركت فيه، وكيف تزول هذه الهواجس، وكان من بين هذه الهواجس، تخوفات أبداها أحد المفكرين المسيحيين المصريين،

وقد أبدى ما في نفسه من تخوف في حوار مع الأديب الكبير الراحل الأستاذ أحمد حسن الزيات مؤسس مجلة (الرسالة)، فكتب الزيات الحوار بينهما في مقال رائع، لأنه يذكرنا بالجدل الدائر الآن حول الإسلاميين والتخوفات المزعومة حولهم، وحول دورهم ونشاطهم السياسي.
وقد جعل عنوان المقال (لا تخافوا الإخوان لأنهم يخافون الله)، ولكن الرقيب رفض نشر المقال، فاحتال الزيات رحمه الله على نشر المقال، بأن نشر الصفحة بيضاء بلا كلام، ولكن بعنوان المقال فقط (لا تخافوا الإخوان لأنهم يخافون الله)، وهي طريقة بديعة ـ كما أخبرني بذلك أستاذنا الدكتور جابر قميحة ـ للاحتجاج على التسلط والاستبداد ومصادرة الرأي، فاضطر الرقيب بعد عددين أن يسمح بنشر المقال، وقد نشر المقال قبل قيام ثورة يوليو بأربعة شهور في مجلة الرسالة في العدد رقم (978) الصادر في 5 من رجب سنة 1371هـ ـ الموافق 31 مارس عام 1952م. فقال في مقاله رحمه الله:

(قال لي صديق من أدباء الأقباط أعرف فيه رزانة العقل، ورزانة الطبع، وقد جرنا الحديث إلى ما يكابده هذا البلد المسكين من شهوات أبطلت الحق، ونزعات قلقلت الأمن، ونزعات بلبلت العقيدة: (ألم يكن من الخير لمصر ألا يكون فيها إخوان مصريون لا مسيحيون ولا مسلمون لتدوم الوحدة وتزيد الألفة؟.
لقد نقمنا من المبشرين أنهم أنبتوا في القاهرة فرعًا "لجمعية الشبان المسيحيين"، وكنا نود ألا يجاريهم في مثل ذلك الذين أنشئوا "جمعية الشبان المسلمين"؛ فإن الأمر لا بد أن يجري في الجمعيتين على حكم العصبية الدينية، وفي هذه العصبية توهين للصلات الطبيعية التي تصل المواطن بالمواطن، وإن كان هذا التوهين لا يزال ضعيف الأثر لغلبة العوامل الرياضية والثقافية على نفوس الأعضاء في هاتين الجماعتين، ولكني أصارحك ولا أداجيك أن ما نخشاه من "الإخوان المسلمين" أبعد في الأثر، وأقرب إلى الخطر مما نخشاه من أي حزب ومن أية جماعة ذلك؛ لأن الإخوان ميدانهم أوسع، ودعوتهم أسرع، ووسائلهم أنفذ، وغايتهم أبعد، إنهم يريدون حكمًا غير الحكم ودستورًا غير الدستور، ونظامًا غير النظام.
لا أدري كيف نكون نحن إذا غلب دين واحد على دنيا مشتركة، وطُبق دستور معين على حياة مختلفة؟).
فقلت له وقد وافقته على ما رأى من قوة الإخوان ونفاذ دعايتهم، وبُعد غايتهم: أنا أدري كيف تكونون، تكونون إذا ما أراد الله لحزبه أن يغلب، و لشرعه أن يحكم، ولنوره أن يتم، كما كنتم في عهد الخليفة عمر: لكم ما للمسلمين من حق، وعليكم ما عليهم من واجب، أما إذا كان قد وقع في عهود بعض الواغلين على الوادي حماقات أورثتكم هذه الوساوس، فإنما كان وقوعها ضلالاً في العقل لغيبة الهادي، وشططًا في الحكم لعطلة الدستور، وما كان الهادي الذي أغفلوه غير دين الله، ولا كان الدستور الذي عطلوه غير كتابه والعقيدة يومئذٍ كانت في أكثر الناس إيمانًا بالاسم وكفرانًا بالفعل، وأنتم اليوم أقرب إلينا وأعز علينا مما كنتم أيام الوالي عمرو؛ لأن العلاقة بينكم وبين المسلمين كانت في القرن السابع علاقة فتح وجزية، فأصبحت في القرن العشرين علائق وطن وجنس ولغة وأدب وثقافة وتاريخ.
وما أظنك تماري في أن أكثر المصريين أقباط أسلموا، وأنت لا تخشى صاحب الدين ما دام يستشعره ويستظهره ويعمل به؛ فإن الأديان جميعًا تتفرع من أصل إلهي واحد، هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إنما تخشى من يعتقد أن إلهه في السماء وليس معه على الأرض، ومن يحسب أن غاية دينه كلمات وحركات تؤدي في كل فرض!، والإخوان المسلمون قوم تآخوا في الله، وتواصوا بالحق، وتوافوا على المحجة، وتعاونوا على البر، واستبطنوا حقيقة الدين، ودستورهم القرآن وهو بيِّن، وحكمهم الشريعة وهي سمحة، ونظامهم المحبة وهي أجمع، وغايتهم الإنسانية وهي أشمل.
والإسلام أنزله اللطيف الخبير الذي يعلم منْ خلق؛ ليكون سلامًا لكل نفس، وقوامًا لكل عمل، ونظامًا لكل جماعة، ودنياه العامة التي يحكمها وينظمها لا بد أن يكون فيها العربي والأعجمي والذِّمي والوثني.
فلا جرم أن الله يدبر بحكمته الأمر على أن يعيش هؤلاء جميعًا سعداء في ظله، وماذا نخاف من الإخوان، وهم يتلون قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).
فقال لي صديقي وقد نقع ما قلتُ نفسَه: إذا كان رأي الإسلام في المخالفين هذا الرأي، وكان (الإخوان) مسلمين بهذا المعنى، فإنا لنرجو أن يكون أساس المصريين جميعًا في البناء هذا الأساس: إيمان خالص بالله وعمل صالح للناس) انتهى مقال الزيات.
هذه شهادة أديب منصف وعاقل، كتب ما أملاه عليه ضميره ككاتب، لا يشكك أحد في نزاهته، ونظافة يده، قبل الثورة وبعدها، رغم ما تعرض له من تضييق بعد ثورة يوليو، وأعتقد أنها رسالة لكل من يتاجر بفزاعة الإخوان والسلفيين والإسلاميين عموما، سواء تخوف الإخوة المسيحيين في مصر، أو الغرب، أو بعض المسلمين في مصر كذلك ممن كونوا صورة غير صحيحة عن الإسلاميين. فنعيد ما قاله الزيات لكن بوجه العموم: (لا تخافوا الإسلاميين لأنهم يخافون الله).

هذا المنشور نشر في الثورة المصرية, عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s