جدد حياة قلبك ( ألستَ منحتَـني القلبا؟ ألستَ غمرتَـني حُبّا؟ )

 816ba2e_rabania

هذه سلسلة جديدة في إحياء الربانية نحيا بها مع الأستاذ حديبى المدنى أحد قيادات حركة حمس الجزائر نعيش معه في ظلال الحكم العطائية: تنقي القلوب وتصفيها وتجدد حياتها وتنميها وتطهرها وتعطرها وتزكيها..وتسقي القلوب العطشى وتغسل الأرواح التي دنستها الذنوب  فالقلب هو خط الدفاع الأول و الأخير فإذا ضعف أو فسد أو استسلم انهارت الجوارح،وخمدت حرقته وانطفأت لوعته وضعفت همته..وتحولت أنشطته الدعوية والحركية إلى نسيج خشبي وهيكل عظمي:جسم بلا روح ،وخط بلا وضوح

أما إذا حلق القلب حول العرش بعيدا بعيدا حيث سماء الحق واليقين بعيدا عن الوحل والطين فإنه يسمو ويعلو ويرتقي ويوضع له القبول في الأرض فتقبل قلوب الخلق عليه:مودة ومحبة ونصرة ويثبت على طريق العمل التراكمي البطيء: ذو الأنفاس النفيسة الطويلة،وينتج في ميدان الدعوة ويؤثر ويفتح ميادين جديدة ويصنع الحياة ويحركها فلا يرتكس ولا ينتكس يقول فصلا ويحكم عدلا يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه وتقتبس منه الأنوار:

ألستَ منحتَـني القلبا؟ ألستَ غمرتَـني حُبّا؟
أما أوليتَني لُطفاً؟  أما أدنيتني قُربا ؟
رجائي فيك أملني  كأن لم أقترف ذنبا
وحبّي منكَ قرّبني  لأسكبَ مهجتي سكبا

سأمضي في مدى الحمد  وأطوي للرضا دربا
لك الحمدُ.. لك الشكرُ  لكي ترضى، لكَ العُتبى

يقول الشيخ الراشد في منهجيته وتقليدا لعمر بن عبد العزيز حين جعل رقيبا عليه ينبهه إذا غفل:هممت بوجوب تفريغ داعية محتسب مهنته أن يدق أبواب الدعاة ويقحم نفسه في شأن إخوانه ويقول خمس لاءات فقط:

1-لا تغتر

2-لا تتبطر

3-لا تكسل

4-لا تغفل

5-لا تنس أن تسقي القلب فإنه عطشان..

قال ابن القيم:والقلب السليم هو الذى سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة  فسلم من كل آفة تبعده من الله ، وسلم من كل شبهة تعارض خبره ، ومن كل شهوة تعارض أمره ، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده ، وسلم من كل قاطع يقطعه عن الله  فهذا القلب السليم فى جنة معجلة فى الدنيا  وفى جنة فى البرزخ ، وفى جنة يوم المعاد  ولا يتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء : من شرك يناقض التوحيد  وبدعة تخالف السنة  وشهوة تخالف الأمر ، وغفلة تناقض الذكر  وهوى يناقض التجريد والإخلاص ، وهذه الخمسة حجب عن الله..

لقد اخترنا أن نعيش أحلى الأوقات وأسعد اللحظات مع الحكم العطائية التي عاشها ابن عطاء الله السكندري كلمة كلمة واقتات من لحمه ودمه وكتبها بأنوار عمله وحاله فكل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز

لكأن الجنيد سيد الطائفة كان يقصد ابن عطاء الله في حديثه للشيوخ عن المحبة: بقوله:

عبد ذاهب عن نفسه  متصل بذكر ربه  قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه  أحرقت قلبه أنوار هيبته
وصفا شربه من كأس وده  وانكشف له الجبار من أستار غيبته فإن تكلم فبالله  وان نطق فعن الله وان تحرك فبأمر الله  وان سكن فمع الله …فهو بالله ولله ومع الله

و لكأن الرافعي يزاحم بركبتيه في: مجالس شرحه لحكمه العطائية فيقول:

وتحلَّق الناس حوله جموعًا خلف جموع ..خلف جموع، يذهب فيهم البصر مرة هنا ومرة هنا من كثرتهم وامتدادهم، حتى تغطى بهم المسجد على رحبه. ومد الإمام عينه فيهم ثم أطرق إطراقة طويلة، والناس كأن عليهم الطير مما سكنوا لهيبته، ومما عجبوا لخشوعه؛ ثم رفع الشيخ رأسه وقد تندَّت عيناه، فما نظر إليهم حتى كأنما اطَّلع على أرواحهم فجر رطب من سحر ذلك الندى:

يَدَعُ الجوابَ فلا يراجـعُ هيبة و السائلـون نواكس الأذقان
عز الوقار ونور سلطان التقى فهو المهيب وليس ذا سلطان

كن صحيحا في السر تكن فصيحا في العلانية:

قال ابن القيم:أما السابقون: فنستغفر الله الذين لا إله إلا هو أولا من وصف حالهم وعدم الاتصاف به ، بل ما شممنا له رائحة . ولكن محبة القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها ، وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم ،..

إن أمثال الجنيد و الداراني ويحي بن معاذ وابن عطاء الله السكندري لما أخلصوا وصدقوا فتح الله لهم باب الفهم ورزقوا الحكمة وفصل الخطاب…
قال ابن تيمية رحمه الله:
حكى أن أبا حامد الغزالي بلغه أن من أخلص لله أربعين يوماً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه قال: فأخلصت أربعين يوماً فلم يتفجر شيء، فذكرت ذلك لبعض العارفين فقال لي

: إنك إنما أخلصت للحكمة ولم تخلص لله تعالى"
والحكمة النورانية تعطى:

1- لمن أصلح سريرته قبل ظاهره.. من أصلح سريرته،فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه،فالله الله في إصلاح السرائر، فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر…

2- ترك الذنوب والمعاصي: قال الإمام مالك للشافعي: إني أرى أن الله قد منحك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية..

3- المجاهدة والمرابطة والمراقبة:والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا..

4- كنزي عجزي: الذل والافتقار والانكسار..

5- المحافظة على الأوراد الروحية:من ذكر كثير وقيام وتضرع وبكاء ومناجاة:فحيث صار التنوير وصل التعبير…:

إذا ما الليل أظلم كابدوه … فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا … وأهل الأمن في الدنيا هجوع

هذه الحكم النورانية سنقف عندها وقفات تربوية وفكرية وحركية مع الدروس والمعالم والعبر ونحن نحلق معا- في سماء الدعوة والحركة- في مدارج السالكين و معراج الواصلين إلى رحاب الحق واليقين…

نستخلص منها الجانب العملي حتى لا يكون حظنا منها شقشقة لسان..وكلام جميل منمق مزخرف:

قال سيد الطائفة الجنيد: "كنت بين يدي سري ألعب، وأنا ابن سبع سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر؛ فقال لي: "يا غلام! ما الشكر" قلت: "الشكر ألا تعصي الله بنعمه".

فقال لي:أخشى أن يكون حظك من الله لسانك…

قال الجنيد:فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها لي السري..

هذه السلسلة المتناسقة المتناغمة هي شرح دعوي وفكري وتربوي وروحي للحكم العطائية.. ومعالم في طريق الدعوة والحركة..و بوارق روحية وهمسات حركية..

قال أبو شريح لما كثرت عنده المسائل: قد درنت قلوبكم ، فقوموا إلى خالد بن حميد المهري استقلوا قلوبكم ، وتعلموا هذه الرغائب والرقائق ؛ فإنها تُجدِّد العبادة وتورث الزهادة ، وتجر الصداقة ، وأقلّوا المسائل فإنها في غير ما نزل تقسِّي القلب وتورث العداوة..

(ولا تتم الفائدة من هذه السلسلة إلا إذا انتقلت روحك من شعور إلى شعور ومن حال إلى حال ، فإذا سافرت في ثنايا هذه المقالات وهمُّ الدنيا يملأ قلبك ، وأشغالها تشغلك ، وهمومها تُهِمك ، فكأنك قرأت وما قرأت  وحفظت وما فهمت..).

يا جاعل العلم له بازيا … يصطاد أموال المساكين

احتلت للدنيا ولذاتها … بحيلة تذهب بالدين

فصرت مجنونا بها بعد ما … كنت دواءً للمجانين

أين رواياتك في سردها … عن ابن عون وابن سيرين؟

أين رواياتك والقول في … لزوم أبواب السلاطين؟

إن قلت أُكرهتُ فماذا كذا … زلَّ حمار العلم في الطين؟

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s