مقاصد الشريعة والعمل السياسى الإسلامى

176937379_f2f39cd16e 

فى التدوينات السابقة عن الدروس فى العمل الإسلامى وهى مقالات للدكتور عبد المجيد مناصرة عرضنا أن هدف العمل الإسلامى السياسى هو تحرير القصد لله واليوم نتعرض لمحور آخر فى العمل السياسى الإسلامى وهو تحرى مقاصد الإسلام أو مقاصد الشريعة

فكل ما يقوم به العامل في العمل السياسي الإسلامي يجب أن يكون محررا لله من كل حظوظ الدنيا، وما يحصل عليه منها يربط بالقصد الأعلى ألا وهو إخلاص العبادة لله كما أن كل ما يقوم به من أعمال يجب أن تهدف إلى تحقيق مقاصد الإسلام التي هي مصالح كلها، فإما تجلب مصلحة أو تدرأ مفسدة وهنا يتوافق في العمل السياسي الإسلامي القصد مع المقصد.

مفهوم المقاصد:

في الإسلام كل شيء له مقصد فلا عبث ولا لعب في شيء)وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ(الأنبياء16، ولله في خلقه للإنس والجنّ مقصد:)وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(الذاريات56.


ومن وراء إرسال محمد صلى الله لعيه وسلم مقصد عظيم)وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ(الأنبياء107.
وأمرنا بالصلاة والصيام والزكاة والحج لمقاصد معينة)اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(العنكبوت45.
) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(البقرة:183.
)وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(الحج27.
)خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(التوبة103.
وهكذا هي كل الأحكام في الإسلام معللة ولها مقاصد قد تكون ظاهرة وقد تخفى عن البعض، وخفاؤها لا يعني عدم وجودها)وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ(الحج78، ووجود الأمة الإسلامية هو ذاته لمقصد حضاري كبير، )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً(البقرة143.

والمقاصد وفقا للتعريف الذي اختاره الدكتور نور الدين الخادمي: "هي المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية والمترتبة عليها سواء أكانت تلك المعاني أحكام جزئية أم مصالح كلية أم سمات إجمالية، وهي تتجمع ضمن هدف واحد وهو تقرير عبودية الله ومصلحة الإنسان في الدارين" أما الدكتور أحمد الريسوني فقد بسط التعريف وحدّد المقاصد "في الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد"
يتضح بشكل جليّ أن مضمون المقاصد هو تحقيق المصالح في العاجل والآجال: مصالح عامة ومصالح خاصة، مصالح كلية ومصالح جزئية، مصالح إجمالية ومصالح تفصيلية ولقد أوجز بن تيمية كل تلك المعاني في عبارة جامعة:
"إن مدار الشريعة على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها"
المقصد الأعلى للإسلام:
تلتقي جميع مقاصد الإسلام في مقصد أعلى تتفرع عنه في شكل شبكي. ولقد كشف الطاهر بن عاشور عنوان هذا المقصد الأعلى: "هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله وما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه

هذا الصلاح هو الذي عبر عنه القرآن الكريم بعبارة عمارة الأرض: )هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ( هود61 وهذه العمارة أو العمران قائمة على ما يصلح للإنسان ليقوم بمقتضيات الاستخلاف في الأرض.

المقاصد الكلية:

أجمع كل من اهتم بالمقصد على أنها هي خمس كليات تدور حولها كل الأحكام على المستوى الضروري والمستوى الحاجي والمستوى التحسيني والسبق في ذلك يرجع إلى إمام الحرمين الجويني في كتابه البرهان، وفضل التطوير يرجع إلى تلميذه الإمام الغزالي في كتابه شفاء الغليل وكتابه المستصفى، وتبعه الإمام الشاطبي فبنى علم المقاصد في كتابه الموافقات.

وهذه الكليات الخمس هي بمثابة مفاهيم دستورية تتفرع عنها الأحكام والقوانين التفصيلية والجزئية.

ويغلب على الفقهاء استعمال عبارة حفظ الكليات الخمس (الدين، النفس، النسل، العقل، المال) فيوردون أمثلة لا تعبر إلا على الجانب العدمي فيها، فمثلا يقولون: حفظ الدين بإقامة الحد على المرتد، وحفظ العقل بتحريم الخمر، وحفظ المال بإقامة حد السرقة، وحفظ النفس بالقصاص، وحفظ النسل بتحريم الزنا، كما أنهم حصروها غالبا فيما يتعلق بالفرد مغفلين ما يتعلق بالجماعة والمجتمع والدولة.

وهي أمثلة لا تعبر عن حقيقة هذه الكليات الخمس وشموليتها وكونها أساس كل بنيان تشريعي يدير حياة الناس بما يخدم مصالحهم ويفي بحاجاتهم الفردية والجماعية.

وبهذه الرؤية المقاصدية نجد في هذه الكليات الخمس معاني الإنشاء والتنمية والحفظ فنقول مثلا:

1– مقصد الدين: بإقامته ونشره والدعوة إليه وتعليمه والاجتهاد فيه وتجديد أمره فضلا عن حفظه بتحريم المعاصي ومحاربة البدع.

2- مقصد النفس: بتكريم الإنسان وتسخير الكون له وتحديد حقوقه وتمكينه منها وحمايتها وحفظ حياته بتحريم الاعتداء على النفس والأعضاء.

3- مقصد النسل: بإيجاده بالزواج وتنظيمه ببناء الأسرة وترسيخ قيم التكافل الأسري والعلاقات الاجتماعية وبحفظ العرض من القذف وحماية كيان الأسرة الصغيرة والكبيرة من التفكك والزوال.

4- مقصد العقل: باعتماده أساس للإنسانية، ومناط التكليف والمسؤولية، وسبب الحضارة ومحركها، وتنمية العقل بالعلم والقراءة والتغذية الجيدة وتشجيع الإبداع والابتكار وحفظه من الضلالات والانحرافات الفكرية وصيانته من كل مسكر ومغيب للعقل.

5- مقصد المال: بحرية كسب المال وتنميته واستثماره وصرفه وحمايته من السرقة والنهب والغش والتزوير لأنه قوام الحياة: حياة الفرد والمجتمع والدولة.

أهمية المقاصد في العمل السياسي:

إن العمل السياسي الإسلامي هو في حقيقته مقاصدي بطبعه، أي له مقاصد هي أصل مشروعيته ومدار حركته ينضبط بها ويعمل على تحقيقها.

وعندما يغيب البعد المقاصدي عن العمل السياسي تختلط الأهداف بالوسائل وتعم الفوضى التخطيطية وتسود حركة ردود الأفعال وتنسد الآفاق الاستراتيجية وتضيع الإمكانيات المتاحة وتهدر الطاقات الفاعلة ويتلاشى خط السير، وعندئذ يفقد العمل السياسي الإسلامي مشروعيته ويصبح حال العاملين شبيها بحال من قال الله فيهم)ُقلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً(الكهف103-104.

إن ضبط العمل السياسي الإسلامي بالمقاصد و تقصيد حركته وسياساته وخطابه يكسبه وضوح رؤية وصواب رأي، واستقامة مسيرة وسلامة سير، ويوصله بالجدوى والفائدة، ويزوده بالفعالية والإيجابية ويربط الوسائل بالأهداف، والأعمال بالمآلات، والأسباب بالنتائج، ويشحذ الهمم والطاقات ويحرك في العاملين الإبداع والابتكار ويحرر المبادرات والكفاءات.

إن العمل السياسي الإسلامي اليوم في حاجة إلى:

1- إعادة صياغة المقاصد صياغة سياسية ويمكن اقتراح الصياغة التالية:

السياسة الدينية والدعوية: تقابل مقصد الدين.

السياسة التعليمية والمعرفية: تقابل مقصد العقل.

السياسة الاجتماعية والأخلاقية: تقابل مقصد النسل.

السياسة الدستورية والأمنية: تقابل مقصد النفس.

السياسة الاقتصادية والمالية: تقابل مقصد المال.

وتتولى هذه الصياغة رسم سياسات وبرامج وخطط الحركات السياسية والحكومات التنفيذية وتصدر من خلالها القوانين والتشريعات العملية والمعاهدات والاتفاقيات الدولية.

2- تحديد بالقراءة والاستقراء مقاصد العمل السياسي الإسلامي بوضوح وترتيب أولوياتها بدقة وتفريعها من السياسات العامة الخمس، وإنزالها على واقع الحياة.

3- ربط سياساته وبرامجه وأهدافه ومواقفه وخطابه بهذه المقاصد بطريقة تستحضرها باستمرار.

4- تنمية الفكر المقاصدي لدى القائمين على العمل السياسي وترسيخ السلوك المقاصدي لدى العاملين لتقصيد الحركة السياسية.

5- تقييم العمل السياسي الإسلامي بمعايير المقاصد وبميزان المصلحة العامة التي هي مضمون المقاصد.

 

هذا المنشور نشر في علوم سياسية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s