الصمت والبعد عن اللغو (أنوار الفطنة التى تبدد ظلام الفتنة )

questions 

مع الإنفتاح العلنى لجماعة الإخوان المسلمين والعمل المجتمعى الواسع تزداد الحاجة للإستمرار والتواصل فى تربية الشريحة المنوط بها قيادة المشروع الإسلامى الإصلاحى للأمة وقيادتها نحو النهضة . لذا فالمعانى التى نقدمها من كتاب العوائق للشيخ محمد الراشد لم تصبح كما يظن البعض من باب الترف الفكرى أو التنظيميى بعد ثورة 25 يناير بل هى من الأهمية بمكان لنراجعها ونؤكد عليها خاصة بعد الثورة ومن يفهم هذا فهو يفهم منهج التغيير لدى جماعة الإخوان .

نعود معا لأنوار الفطنة التى تبدد ظلام الفتنة والتى يسردها الراشد لتكون نورا يبدد ظلام الفتنة :

الإقلال من الكلام

فإنما يسألك الله عن فصاحة قلبك لا فصاحة لسانك، ولا شك أنها مسألة نسبية مسألة اللسان، فليس أحسن وأبلغ من سكوت إذا كثر اللغط، ولا أجمل من كلام الناصح الآمر بالمعروف إذا أصلح.

فالمؤمن:(يحسبه الجاهل صميتا عيبا، وحكمته أصمتته، ويحسبه الأحمق مهذارًا، والنصيحة لله أنطقته).

وصلاح اللسان أي أن ينطق بالخير و يسكت حين الفتن فهو إن فعل هذا  صلح عمله كله، وفي ذلك كان التابعي يونس بن عبيد يقول: (خصلتان إذا صلحتا من العبد صلح ما سواهما: أمر صلاته، ولسانه).

ثم زاد فقال: (ما صلح لسان أحد إلا وصلح سائر عمله) فهو المفتاح المبارك، ولود الخيرات، من أصلحه تفتحت فيه البصائر، وهجر الكبائر والصغائر.

ولذلك كثير كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيان أهمية اللسان، وجعل سكوته في موطن الشبهة ترجمة الإيمان، فقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) وفي لفظ: (أو ليسكت)

فقول الخير من الإيمان، حتى أن الكلمة الواحدة لترفع صاحبها درجات، كما في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفع الله بها درجات)

ومن اجل ذلك رغب في هذه الكلمات الخيرة، فقال: (أطيبوا الكلام)

يدلهم على باب الدرجات، وسلم العلو، إذ ليس أروع من كلمة حق منك، أو إصلاح، حين يفتتن لسان غيرك: فإن عجز المرء: فإنه السكوت، إذ ربما تبدل الكلمة الواحدة ميزانه فيردي، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن العبد ليتكلم الكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا، يهوي بها في جهنم)

والميزان في هذا، هنا في الأقوال كما في الأعمال، هو قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

(إذا حاك في نفسك شيء فدعه)  فإن (أكثر خطايا ابن آدم في لسانه)

فلينظر داعية نفسه، وليرفق بها، وليلزم الجمل المفيدة، وحروف البناء، وليطب كلامه، يكون طيبا، فإن نصف التربية قول موجه، وليدع حرفا حاك في الصدر، فإن الشيطان يؤز، يحرف النفس إلى طلب انتصار وغلبة، فتكون الوخزة، والتهمة المتسرعة، والنبزة. أو بشجعها على طلب سلامة ودعة، فتكون حروف اللين.

والطريق الأقرب لهذا الرفق الطيب: أن يتشبه الداعية بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويقلده لتشمله دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- حين دعا له فقال: (اللهم اهد قلبه وثبت لسانه)

فلم يتقلب لسان علي.

فانظر: لم يكتف حتى ذكر اللسان، وبين أن ثبات اللسان قرين هداية القلب أو نتاجها! وإلا، فإن لنا حين نرى لسانًا قلقا لاحنا أن نتهم القلب الذي تحته بعدم استكمال الهداية، وأنه بحاجة إلى الواعظ الناصح الذي يعلمه الفصاحة في الحق، ويدق له وتدا يثبته في تيارات الأهواء.

وإنما هو نموذج دعاء حفظه الرواة فروه لك، تعليما للغة الدعاء وتلقينا، كي تقول لأخيك يوم ترى بوادر الفتن: (اللهم اهد قلبه وثبت لسانه).

تقولها بعد قولك. (اللهم اغفر لي، ولأخي هذا) معًا، مرة بعد مرة، كلما لقيته وبهذا تكون قد أديت واجبك، وأحسنت أجمل الإحسان الأخوي.

أما فقه الدعوة، فمن واجبه أن يستمر في عرض غرر النصائح، لعل حريصا ينتفع، أو جريئا يتأنى، ليتأمل وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه إذ يقول له: (أقلل من الكلام، فإنما لك ما وعي عنك

أو وصية عمر الفاروق رضي الله عنه إذ يترحم فيقول: (رحم الله امرءا أمسك فضل القول، وقدم فضل العمل)

أو وصية أبي الدرداء رضي الله عه لما ذهب في الصراحة لأبعد منهما فقال: (أنصف أذنيك من فيك، فإنما جعل لك أذنان اثنتان وفم واحد، لتسمع أكثر مما تقول) تلك وصاياهم.

كانوا جيل جهاد وبناء، ربته المعاناة والممارسة، وصقلته الشدائد، وعرفوا من خلالها قدرة البذل الصامت على تناوش الغايات، فخافوا أن يقطع هذر ما نصرهم المسترسل في سيره.

ثم يقول الراشد كلمة من ذهب بل هى من نور ساطع يقول :إن اللغو شين كله، وضرره أيام التمكين ليس أقل من ضرره أيام المحن.

وعلى دعاة الإسلام أن ينطلقوا اليوم من هذه الحقيقة، فينطقوا فيا بينهم بالخير الواسع، والمعني الكبير، والفقه المفيد، في عبارة ضيقة المبنى موجزة، فإن الإكثار مظنة الخطأ، من غيبة، أو تهمة برئ، أو اضطرار لاستعمال دليل ضعيف ومن وجد في نفسه بقية شوق إلى تحريك اللسان فدون القرآن، ومزيد التسبيح، والحمد. ودونه مجالس الواهمين والدنيويين، يصدع فيها بحق الإسلام ما شاء.

نمط تربوي لابد منه لجيلنا، كي تتهيأ الجوارح لفضل فائض من العمل بمثله أمات عمل الفتن في جيله، فانبغت له الفتوح.

هذا، أو التردي المعاكس الذي لا يقف، بل يستمر نازلا هاويا، فإن القول والعمل مرتبطان، فإن أخطأت العمل: احتاجت نفسك إلى ستر الخطأ بخطأ من القول آخر زورًا.

ذلك ما لاحظه أحد الصالحين فقال: (لن يضيع امرؤ صواب القول حتى يضيع صواب العمل).

هكذا، في متوالية رديئة، تقدم ستر الفضيحة على قول الحقيقة، و التسويغ المدلس على التوبة والاعتذار، في ظن بعيد من الانتصار يراه قريبا، واللحن يهتك حجابه.

وكان نتاج ذاك الحرص الراشد على الصمت الفعال فوجا آخر من التابعين يترادفون على درب العمل ويجددون النصح التربوي بإقلال الكلام.

منهم التابعي المهلب بن أبي صفرة الأزدي حين يقول: (يعجبني أن أرى عقل الرجل الكريم زائدًا على لسانه).

كلمة تستوى في ظاهرها مع ما نسمع من طرف لسان أكثر الوعاظ، لكنها عند من يعرف المهلب قائدًا متحمسا لقتال الخوارج تمثل حساسية روح وخزها شذوذ الخوارج عن إجماع المسلمين، ولذعة قلب كواه تفاصحهم وتبجحهم الزائد إزاء عقل يناديهم باجتماع تتمكن معه جيوش الإسلام من مواصلة الزحف على معاقل الكفر بدل تطاحن داخلي بين طرفين كلاهما موحد.

ثم عمر بن عبد العزيز الذي يقول: (من عد كلامه من عمله: قل كلامه)

يذكرك، لعلك نسيت، أنك تحاسب على الكلام حسابا مثل الذي على عمل الجوارح.

وانظر الترابط بين مشاهدته الواضحة لهذه الحقيقة، وبين رشده وعدله وطبيعة حكمه الفذة.

حتى إن المطالع لكتب المواعظ ليكاد يرى تواطؤا بينه وبين أساتذة التربية الذين عضدوه على إقرار الإقلال من الكلام خطا تربوية للمجتمع، ومن أبرز هؤلاء: الحسن البصري، وميمون بن مهران، وعبيد بن عبد الله بن عتبة، وبقية فقهاء المدينة.

فأبانوا –من وجه آخر- ارتباط حفظ اللسان بالعقل، فهو قد حفظ لسانه من اللغو، فوهبه الله لسانا جريئا في موقف صدق إزاء أمير خدعته البدعة، فكان يجوب شوارع بغداد يوم تعذيب الإمام أحمد. ينتصر له، ويثبت الناس ويقود جمهور محبيه المتكتل أمام قصر المعتصم.

وهذا اللسان –لعمرو الله- هو اللسان الذي يجب أن يحرص عليه الدعاة، وبه يفخرون.

 

هذا المنشور نشر في الفقة الحركي, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s