في النفس ومطالبها وأمراضها

abeer015

توقفنا مع الشيخ سعيد حوى فى كتابه تربيتنا الروحية عند القلب وحاله وما يصلحه وينتقل بنا إلى النفس والفارق بينها وبين القلب وأمراض النفس وعلاجها

نلاحظ أن هناك نماذج أحياناً في الحديث عن القلب والنفس لدرجة يشعر الإنسان من خلال بعض النصوص وبعض كلام الصوفية بأنهما شيء واحد، ويلاحظ أحياناً من خلال مطالعة بعض النصوص ومن خلال كلام الصوفية أنهما شيئان منفصلان وقد تحدثنا في بداية هذه الرسالة عن قضايا العقل والقلب والروح والنفس وههنا نضيف ما يعمق الفهم.

في الحديث الشريف "لا يدخل الجنة من كان في قلبه حبه من كبر" رواه مسلم، إننا نجد في هذا الحديث أن القلب نفسه يمرض بمرض الكبر ونجد النص القرآني يقول {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} [الشمس: 09-10]، ولا شك أن من التزكية للنفس أن يطهرها الإنسان من الكبر، بل من أول معاني التزكية أن يطهر الإنسان نفسه من الشرك الذي هو المظهر الأرذل للكبر، قال تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} [الأعراف: 46]. وإنما الصرف في هذا للقلب،

قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46]، إنك تجد ههنا تداخلاً بين قضية النفس والقلب.

ولكنك تجد كذلك قوله تعالى: {إن النفس لأمارة بالسوء} [يوسف: 53] {ولا أقسم بالنفس اللوامة} [القيامة: 02]. ونجد عند الصوفية شيئاً يسمونه الهاجس النفسي وله صلة بأوامر النفس للقلب فههنا حالة ثانية من حالات الكلام عن القلب والنفس، وقال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28]، وقال تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة} [الفجر: 27]، فههنا قلب يطمئن في الذكر ونفس وصلت إلى الاطمئنان وقال تعالى: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظنّ الجاهلية}، والظن محله القلب لأن له صلة بالإعتقاد قال تعالى: {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون} [البقرة: 46]، من كل هذه المعاني التي ذكرناها ندرك أن الكلام عن النفس أحياناً يعنى الكلام عن القلب وأحياناً لا يعني ذلك وهذا هو الذي نقلناه عن الغزالي في أول هذه الرسالة إذ يذكر أن النفس والقلب والعقل والروح تأتي أحياناً بمعنى واحد وأحياناً يكون لكل مدلوله ولتوضيح هذا المقام في قضية القلب والنفس فلنعرض الأمر عرضاً مبسطاً:

إذا جرح الإنسان في معركة أو حدث معه نزيف كثير يحس الإنسان بعطش شديد وهكذا يحس بطلب ملح على الشرب فيطلبه ومهما أراد أن يقاوم ذاته فمنعها عن الطلب يجد نفسه أحياناً مغلوباً فههنا دافع جسدي غلب القلب، وبدون شعور من الطفل يبدأ بأكل التراب عندما يكون جسمه بحاجة إلى الكلس. وقاعدة عامة: إذا احتاج الجسم لنوع من الغذاء وجدت عنده مطالب لأنواع من الطعام تحتوي ذلك فيجد الإنسان نفسه أحياناً مدفوعاً بدوافع شديدة نحو نوع من الطعام بعينه.

في الشريعة الإسلامية إذا تاقت نفس الإنسان للجماع أصبح الزواج في حقه واجباً شرعياً عليه إذا استطاع، فإذا كثر التوق لدرجة خاف فيها الغلبة على نفسه فقد أصبح الزواج في حقه مفروضاً وعليه أن يضبط نفسه ريثما يتزوج.

والطعام والشراب اللذان لا بد منهما لاستمرار الحياة البشرية ولجعل الإنسان في حالة يقوم بها بواجباته فريضة من الفرائض على الإنسان، مثل هذه المطالب تأمينها للنفس شيء عادي ولكن النفس إذا طالبت يفعل هو في ذاته معصية كان ذلك من باب الأمر بالسوء {إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي}،

إذا أدركنا هذه القضية عرفنا لم يفرق بعضهم بين النفس والقلب فهؤلاء يريدون بالنفس هنا طلبات الجسد وحاجاته ورغباته التي يمليها على القلب، فالقلب ههنا شيء والنفس شيء آخر، ولكن بعضهم يعبر عن القلب بالنفس من باب أن القلب هو ذات الإنسان ونفس الإنسان هي ذاته فهؤلاء لا يفرقون في هذا المقام بين نفس وقلب، وفي هذا المقام، يقال إن المراد بالقلب هو النفس ويكون المراد بمرض القلب ومرض النفس واحداً ويكون المراد بتزكية القلب وتزكية النفس شيئاً واحداً فالقلب هنا هو عين النفس والنفس ههنا هي عين القلب

وعلى مثل هذا المقام تحمل هذه النصوص {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم} [البقرة: 151] {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" رواه البخاري…

والمسلم مكلف بمعالجة مطالب نفسه سلباً أو إيجاباً ومكلف بتطبيب قلبه ونفسه بتزكية هذا القلب وتزكية هذه النفس من خلال الخلاص من أمراضه كالحسد والكبر والعجب وحب الدنيا ومن خلال تحقيق هذه النفس أو هذا القلب بأخلاقه العليا من إخلاص وتوكل وخشية وغير ذلك "وفي هاتين القضيتين تفريط خطير وغلط كبير"

بعض الناس يهمل قضية المطالب وعلاجها ويهمل قضية الأمراض والأخلاق النفسية العليا، وبعض الناس لا يفرق بين المطالب الضرورية للنفس فيحاربها وبين المطالب التي يجب حربها فعلاً، وبعض الناس لا يعرف أصلاً ما هي موازين الصحة وجوانب المرض فلا يعرف بماذا يتحقق ولا مما يتخلص وههنا تأتي أهمية المرشد الكامل أو الوارث النبوي الكامل أو العالم العامل أو الولي المرشد. والإسلام جاء فيه تفصيل لكل شيء ومن جملة ذلك آفاق القلب والنفس ومعالجة أمور النفس والقلب وطرق العلاج وموازين الصحة والمرض وذلك شيء لا يمكن أن يكون في هذا العالم جواب صحيح عليه إلا في الإسلام، ولا تفسير كامل له إلا في الإسلام، وإن الذين كتبوا في هذه الشؤون من أمثال حجة الإسلام الغزالي كتبوا في الحقيقة في أرقى الأمور وأعلاها على الإطلاق وإنه لخسارة للبشرية كلها ألا تقرأ ما كتب أمثال هؤلاء…

تبدأ الشهوة الجنسية تتفتح عند الإنسان شيئاً فشيئاً وذلك أمر عادي ويحاول بعض الناس أن يعتبر ذلك ظاهرة مرضية بل يفكرون في القضاء عليها وذلك خطأ في فهم الأشياء أصلاً، وفي الإسلام أنت مطالب أن تتزوج لتحقق الحكمة في وجود هذه الشهوة أصلاً وعليك بعد الزواج أن تضبط هذه الشهوة ضمن الحدود المباحة، وقبل الزواج عليك أن تعالج هذه الشهوة بالضبط وأنواع العلاج ريثما تتزوج وقد يكون العلاج بالصوم وباختيار نوعية الطعام، وقد يكون باستعمال العادة السرية فقد أجاز بعض الفقهاء استعمال العادة السرية إذا كثرت الشهوة الجنسية لصرف الشهوة لا لجلبها وقد يكون العلاج في استغراق الإنسان في العمل والذكر وأنواع الرياضات الجسمية وقد يكون في هذا كله، وههنا تكمن مهمة الإنسان في هذه المرحلة، فلو طالبته نفسه بزنا أو لواط أو غير ذلك مما هو محرم فعليه أن يقطع الطريق عليها. فلو أن القلب طاوع النفس ههنا أي طاوع مطالب الجسد فإنه يكون مريضاً إذا غلبت عليه الشهوة المحرمة، ومن هنا ندرك موقف المسلم من مطالب النفس والمراد بالنفس هنا مطالب الجسد، وندرك ماذا يعني مرض النفس والنفس ههنا القلب وندرك لم في (بعض الأحيان) يعبر العلماء بالنفس عن القلب ويعبرون بالنفس على معنى مختلف عن القلب…

بعض الناس يسيرون في طريق محاربة كل مطلب للنفس كائناً ما كان وهذا خطأ ففي الحديث "إن لنفسك عليك حقاً" رواه البخاري، وبعض الناس يعطون أنفسهم كل ما تشتهيه وهذا خطأ قال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 40-41] قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والمجاهد من جاهد نفسه في الله" رواه الترمذي وابن حبان،

والمسلم الحق على ضوء العلم يعمل فيضبط النفس عن شهواتها المحرمة ويمنعها أن تتوسع في المباح خشية مطالبته بالحرام، هذا في أمر مطالب الجسد، ثم هو يزكي نفسه أي قلبه ههنا من كل مرض فيمنع أمراض القلب أن تؤثر على سلوكه ويحاول تطهير القلب من أصل المرض كما يحاول أن يحقق القلب بأخلاق الصحة وأن يعطي هذه الأخلاق مداها في سلوكه وهذه العملية كلها يخلط الكاتبون في الحديث عنها فيعتبرون مطالب النفس كلها أمراضاً كأمراض القلب وهو موضوع يلاحظ أثناء مطالعة كلام الكاتبين في هذه الشؤون

{ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة، اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} [إبراهيم: 24-25-26]، عندما تأخذ كملة "لا إله إلا الله"، مداها في القلب فإنها تحرق كل الأمراض وتوجد في القلب أخلاقاً لها ثمراتها في السلوك كالمحبة لله والإخلاص له والخوف منه والتوكل عليه ويستقيم جسد الإنسان وعقله على منهج الإسلام أي على منهج لا إله إلا الله، أما إذا كان القلب فيه كفر أو نفاق أو فسوق فإن ظلمة القلب وآثار ذلك في سلوك الإنسان لا بد أن تظهر فمع الكفر أو النفاق أو الفسوق يكون الحسد. وفي الحديث الصحيح "ولا يجتمعان في قلب عند مؤمن الإيمان والحسد"، والحسد له ثمراته الخبيثة في الحياة البشرية وهكذا يترتب على إهمال صحة القلب ومرضه أي على إهمال تزكية النفس ومجاهدتها ما يترتب.

وتضيع بين مطالب النفس وأمراض القلب أحياناً محاكمات الدماغ في كثير من الأمور وعقل الإنسان يتأثر بهذا كله. فيكون التناقض أحياناً بين الذات والفكر والسلوك. والإسلام عالج هذا كله علاجاً حكيماً فوجد بذلك كله الإنسان الحق وبدون ذلك فلا إنسان ولا إنسانية ومن ثم نقول. حينما يوجد الإسلام يكون الإنسان وإلا فلا والدعاة إلى الله الذين لا يدركون هذه المعاني يفرطون في أهم الأمور على الإطلاق…

أحياناً تكون مطالب الجسد عاتية تصعب السيطرة عليها وأحياناً تكون لينة تسهل السيطرة عليها والمسلم مكلف في كل حال أن يبذل جهداً للاستقامة على أمر الله وإذا غُلب فَواقَع المعصية فعليه أن يتوب إلى الله مباشرة وأمراض النفس أحياناً تكون معقدة وأحياناً تكون بسيطة والقلوب بعضها يستعصي على العلاج وبعضها كثير الاستجابة له وبعضها سريع الامتصاص لمظاهر الصحة. وطبيعة القلوب في الأصل مختلفة: فقلب لين وقلب شديد وهذه مواضيع متعددة سنراها ولأمر ما تعددت العبادات وتعددت الأعمال وأنواع القربات وفي ذلك كله حكمة. والحياة البشرية لا تصلح إلا بذلك ولكل حالة مرضية داؤها ولكل حالة صحية طريقها الموصل إليها وأسبابها الدالة عليها…

وإذا عرفنا قضية القلب والنفس ومتى تعتبر النفس هي القلب والقلب هو النفس ومتى يكون القلب غير النفس في الاصطلاح وإذا عرفنا ماهية المرض القلبي و النفسيي وإذا أدركنا مبدئياً قضية العلاج وقضية الصحة وأن لذلك كله طريقه وإذا أدركنا مبدئياً تأثيرات ذلك كله على السلوك إذا أدركنا ذلك أصبح بالإمكان أن نبني على هذا الأساس فننتقل إلى باب آخر ملاحظين إنه إذا ذكرنا النفس من الآن فصاعداً فالمراد بها هذا الجانب الذي تعني فيه النفس القلب. فإذا قلنا تزكية النفس أو أمراض النفس فالمراد تزكية القلب أو أمراض القلب ولكن أحياناً قد يراد بتزكية النفس معالجة مطالبها حتى لا تطلب إلا خيراً ومعالجة إستقامة الجسد فالمعنى ههنا أعم. فليلاحظ القارئ ذلك أثناء كلامنا. ولن يفوته من خلال السياق أن يدرك ذلك إن شاء الله.

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s