السلفيون والثورات العربية ..نحو دور سياسي راشد

 

دراسة مهمة لأميرة محمد عبد الحليم  وهى باحثة فى مركز الأهرام للدراسات السياسية و الاستراتيجية نشرت بموقع علامات :

تعيش الأقطار العربية حالة من حالات النهوض الثوري منذ اندلاع الثورة التونسية ونجاحها فى إسقاط نظام زين العابدين بن على، وما تبعها من نجاح الثوار المصريين فى إجبار الرئيس محمد حسنى مبارك على التخلي عن الحكم، وصمود الثوار فى ليبيا أمام آلة حرب القذافي، وإصرار اليمنيين على تغيير نظام على عبد الله صالح، واستبسال السوريون أمام ضربات الأمن للمتظاهرين، وغيرها من التحركات والانتفاضات الشعبية التى عرفت طريقها نحو الحرية والعدالة الاجتماعية والعزة الوطنية.

ووسط هذه الأجواء من التغييرات والمطالبات بالإصلاح؛ تتعافى تيارات وتعاود الظهور على المسرح السياسى مستفيدة من مناخ الحرية الذى أطلقته قوى الثورة، وتظهر التيارات والأحزاب الدينية وخاصة التيارات الإسلامية التى ظلت لسنوات تعاني القمع والحظر من النظم الاستبدادية، لتطرح رؤاها عن المستقبل السياسى لدول ما بعد الثورة.

ورغم أحقية هذه التيارات فى الانخراط فى العمل السياسى كغيرها من التيارات الوطنية، إلا أن تواجدها قد صادف مخاوف كبيرة وخاصة التيارات الإسلامية "السلفية" والتى أخفقت فى قراءة الواقع السياسي لدولها من ناحية، ومن ثم جنحت إلى استخدام طرق ووسائل تصطدم مع هذا الواقع، وافتقدت كافة مقومات المشاركة الفعالة فى الحكم من ناحية أخرى، كما انعكست كافة تحركات ومواقف التيارات "المتشددة" على مجمل انطباعات المجتمع حول التيار الإسلامى.

مطالب الثورات العربية

فقد تشابهت مطالب الثورات العربية وإن لم تتطابق، إلا أنها دارت فى مجملها حول ضرورات الحياة الإنسانية الكريمة للمواطن العربي، هذه الضرورات التى تحقق العدالة الاجتماعية فى مجتمعات حولتها الأنظمة إلى بؤر لكافة الظواهر السلبية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من بطالة وأمية ولامبالاة وطائفية… وغيرها، وأدركت هذه الثورات أن الطريق إلى الحياة الكريمة للمواطن العربى يبدأ بالقضاء على كافة أشكال الظلم والاستبداد لأن تكريس مبادئ " الحرية " هى أفضل الوسائل لاكتشاف أمراض المجتمعات ومعالجتها، ومن ثم كان لابد من استئصال النظم الاستبدادية أولا، وإتاحة الفرصة لكافة القوى والتيارات فى المجتمع بل ولكل مواطن للتعبير و المشاركة فى صنع مستقبل الوطن، فكان تحقيق الحرية والمشاركة هو بداية الطريق لإنجاز المطالب الثورية.

مواقف التيارات المتشددة من الثورات العربية

وعلى الجانب الآخر، جاءت مواقف التيارات الإسلامية السلفية والتي يطلق عليها البعض "المتشددة تمييزا عن التيارات المعتدلة كالإخوان وغيرهم" من الثورات العربية – التى أكدت منذ بدايتها على طابعها المدنى – مثيرة للجدل، فأعلنت هذه التيارات رفضها  للتظاهر فى الثورة المصرية، وأكدت على عدم شرعية الخروج على الحاكم، واستخدمت شيوخها الأجلاء فى إقناع الشباب الثائر بالعودة إلى وصاية الحاكم، وكان هذا واضحا فى دور شيوخ ما يسمى بـ "التيار السلفى"، وبعد نجاح الثورتين التونسية والمصرية بدى أن التيارات المتشددة كانت الأكثر استفادة من سقوط  نظامي الحكم فى البلدين، وما تبع ذلك من محاولات لإعادة صياغة كافة مكونات المشهد السياسي بما فتح الطريق أمام صعود قوى هذه التيارات لتكون جزءا من هذا المشهد ولتقدم نفسها كبديل عن النظام البائد.

واتجهت هذه التيارات إلى الإعلان عن انخراطها فى العمل السياسي والاشتراك فى أول انتخابات ديمقراطية حرة تخوضها الجماهير العربية، بعد أن ظل هؤلاء ولسنوات طويلة تقتصر أنشطتهم على العمل الدعوي وتصحيح العقيدة الإسلامية ولم يسعوا يوما إلى المشاركة فى العمل السياسي.

وقد أثارت تصريحات وأنشطة التيارات المتشددة  جدلا واسعا حول المستقبل السياسى لدول ما بعد الثورات، وظهرت تساؤلات تدور حول مدى التوافق بين مبادئ الديمقراطية التعددية التى تسعى الثورات العربية إلى تحقيقها فى مجتماعتها، والتى ترتبط بالقيم العلمانية فى فصلها بين دائرة الانتماء الدينى والمجال العام، وبين مبادئ وأفكار التيارات الإسلامية المتشددة والتى أصبحت أمرا واقعيا فى كافة الدول العربية، التى تشهد تغيرات وثورات فى طريق الإصلاح، فهل ستهذب هذه التيارات من أفكارها لكى تلحق بقطار الديمقراطية، أم ستظل تلتزم بأفكارها وطريقة فهمها وتطبيقها لمبادئ الشريعة الإسلامية؟.

فقد اعتمدت التيارات السلفية على الشعبية التى حظت عليها كنتاج للمخزون الإسلامى فى المجتمع،  والذى يمكن توظيفه بشكل فعال فى التعبئة السياسية، والظهور الإعلامي لهم قبل الثورة في القنوات الفضائية الخاصة بهم والتي سمح لهم النظام ببثها على أقماره عكس التيارات المعتدلة، وظهرت هذه التيارات بقوة فى مشاركتها في توجيه هذه الشعبية خلال التصويت على التعديلات الدستورية التى شهدتها مصر فى 19 مارس الماضى، هذا فضلا عن الدعم الإقليمى من إحدى دول المنطقة.

أخطأت التيارات السلفية في التعامل مع مكتسبات الثورات العربية

إلا أن التيارات السلفية  قد ارتكبت أخطاء فادحة ساهمت فى التأثير على شعبية التيار الإسلامى بصفة عامة فى المجتمع، بل ودفعت معظم القوى المشاركة فى صياغة مستقبل الوطن إلى أن  تتحسب مما تحمله أفكارها من تصورات قد تحول دون تحقيق الأمن والاستقرار فى البلاد، ومن ثم سعى هؤلاء إلى وضع سيناريوهات لمواجهة خطر مشاركة "المتشددين" فى العمل السياسى العام، وخاصة مع ظهور مخاوف من حدوث تنسيق وتعاون بين التيارات الدينية "المتشددة" فى عدد من الدول العربية.

بعد أن أدت مواقف هؤلاء إلى تشتيت المرجعية الإسلامية وعدم تمكن التيار الإسلامى بمجمله فى الحصول على "المشروعية" نظرا لما يعانيه هؤلاء-السلفيين- من ضعف الخبرة السياسية من ناحية، ولجؤهم إلى سلوكيات –اعتبرها البعض متطرفة في مجتمعات تميل للاعتدال- أثارت استفزاز المجتمع من ناحية أخرى، مثل ما أشيع عن دورهم في هدم الأضرحة، حيث أعادت هذه السلوكيات إلى الأذهان صور المعاناة التى عاشتها الشعوب العربية منذ بداية التسعينيات فى مواجهة فكر جماعات متشددة حاولت إصلاح المجتمعات  بالقوة.

  كما جسد صعود السلفيين إلى المسرح السياسى، مشكلات تطبيق المبادئ الديمقراطية فى المجتمعات الإسلامية، والتى تفرض على الفاعليين السياسيين صياغة استراتيجيات لتحقيق التوازن بين المبادئ الإسلامية والمبادئ الديمقراطية، ومن ثم زادت سلوكياتهم من تعقيدات المشهد السياسى فى المجتمعات المتطلعة إلى الديمقراطية بعد سنوات الاستبداد.

هذا فضلا عن ما أثاروه من جدل حول "تسريع تطبيق الشريعة الإسلامية" فى مجتمعات متعددة من الناحية الدينية، ومواقف أصحاب الأديان الأخرى من سلوكياتهم. ومن ثم حملت مواقف السلفيين ما اعتبره البعض تهديدات لنسيج الوحدة الوطنية فى الوقت الذى شهدت مجتمعات ما بعد الثورات زخما من التلاحم الوطنى ونبذ الطائفية.

ويبدو أن التيارات السلفية قد دفعت بنفسها فى اتجاه غير محسوب؛ لأن مجتمعات ما بعد الثورات تتطلع إلى تحسين أوضاعها المعيشية والإنسانية بقدر اهتمامها بالحفاظ على مبادئها الدينية والأخلاقية.

فقد حاولت النظم الاستبدادية فى العالم العربى اللعب بالأزمة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين تارة، وبين السنة والشيعة تارة أخرى، بل وحاولت الإجهاز على الثورات العربية بجرها فى طريق النزاعات الطائفية، إلا أن وعى الشعوب العربية كان الحامى لإنجازات الثورات والمدافع عنها أمام مكائد النظم البائدة.

وهذا الدرس يجب أن تتعلمه التيارات الإسلامية التى تتبنى أفكار ومسارات متشددة فى تطبيق تعاليم الإسلام، فقبول اللعبة السياسية يعتمد على قبول مبادئها، وهذه المبادئ تصيغها شعوب ما بعد الثورات والتى ترى فى مبادئ الإسلام السمحة طريق الخلاص لكل مشكلاتها، إلا أنها ترفض التشدد والغلو وتهميش الآخر. 

هذا المنشور نشر في الثورة المصرية, عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s