العمل السياسي الإسلامي …أخلاق

XR56 

ما مضى من تدوينات فى دروس فى العمل السياسى الإسلامى كان يركزا على أهمية اعتناء العامل بالقصد من عمله من خلال تحريره لله، خالصا لوجهه الكريم، والحث على ضرورة تحرّي مقاصد الإسلام وتحقيقها في مجال العمل السياسي الإسلامي.

ونستكمل هذه الدروس – وهى مجموعة مقالات للدكتور عبد المجيد مناصرة – لنؤكد وجوب الالتزام بالأخلاق في العمل السياسي الإسلامي باعتبار أن المقاصد هي الرابط بين السياسة والأخلاق، وباعتبار أن القصد لا يفرق بين السياسة والأخلاق فكلها لله عز وجل.

السياسة والأخلاق:

قد يكون لكل لون من ألوان العمل السياسي أخلاقه، ولكن الالتزام بالأخلاق يبقى هو الحلقة المفقودة في العمل السياسي الذي أصبح رمزا لبعض الأخلاق السيّئة. إن نظرة النّاس في بلادنا للسياسة يشوبها كثير من التشويه نتيجة للممارسات اللاأخلاقية لأغلب السياسيين.

وقد ذكر الشيخ نحناح رحمه الله هذه الظاهرة في كتابه الجزائر المنشودة. "ينظر كثير من الناس للسيّاسة بعين الشك والارتياب، نظرة سلبية مليئة بالخوف والحذر، وربما بشيء من الاحتقار والكراهية، وأصبح الكثير منهم يرى الكذب والنفاق والخداع صفات طبيعية لرجل السياسة، منطلقين في حكمهم هذا من تأثير رواسب التجارب الماضية، أو من تأثير وسائل الإعلام المختلفة اللاهثة خلف الفضائح والقضايا المثيرة في عالم السياسة والسياسيين أو من تأثير واقع يومي مليء بمخازي و تعفنات بعض المشتغلين بالسياسة والدائرين في فلكها."

ولشدة ارتباط السيّاسة بالأخلاق كان علماؤنا ممن كتب في شؤون السياسة والحكم يرون بوجوب التزام كل من كانت له ولاية على الناس بالأخلاق الحسنة وعددوا أوصافها، وكانوا يمزجون بين السياسة والأخلاق في علم واحد، وفي مؤلف واحد.

والذي فصل بينهما هي المدرسة المكيافيلية وأتباعها الذين لا يرون وجود علاقة بين السيّاسة والأخلاق بل يدعون إلى تحرير السياسة من الأخلاق. إذ أكد مكيافيلي في كتابه "الأمير" أن السياسة لا تخرج عن فن إدارة المصالح الذاتية والجماعية خارج الاعتبارات الأخلاقية المعيارية.

وتعتقد بعض الثقافات الغربية أن الأخلاق تتعارض أحيانا مع المصالح القومية وفي هذه الحالة يجب تقديم الثانية على الأولى فأمريكا مثلا ترى بأنّ أمنها القومي يفرض عليها التدخل العسكري ضد أمم وشعوب أخرى مما يخلف وراءه آلاف القتلى والضحايا تحت عناوين ظاهرها أخلاقي وباطنها وراءه الخراب، كالتّدخل الإنساني والفوضى البناءة، ونشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب وإزالة أنظمة الاستبداد…

ومنذ ما يقارب قرن من الزمن كان العالم الصيني "ين فو" مؤمنا بالغرب إلى درجة الانبهار إلى أن كفر به في أواخر حياته، وقال قولته المشهورة "إن الذي حققته شعوب الغرب في القرون الثلاثة الماضية تم بناؤه على أسس أربعة:

– أن تكون أنانيا.

– وأن تقتل الآخرين.

– وأن تكتسب أقل ما يمكن من النزاهة.

– وأن تشعر بأقل ما يمكن من الحياء".

وتلاحظ معي أخي القارئ الكريم أنها كلها أسس منافية للأخلاق، بل منافية للمعاني الإنسانية.
أما في الإسلام فرسولنا صلى الله عليه وسلم قدوة العالمين في الحقل السياسي وصفه ربه تعالى )وإنّك لعلى خلق عظيم( القلم 4.

واستطاع عليه الصلاة والسلام أن يجمع حوله الناس بحسن الخلق: )ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك(.

وكانت أعماله وأقواله وسلوكياته متطابقة تماما مع الرسالة التي جاء بها، والتعاليم التي دعا إليها، فقد وصفته عائشة رضي الله عنها بأنه "كان خلقه القران" وكل من يعمل في حقل السياسة وجب عليه أن يكمل إيمانه بحسن الخلق "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا" ليكون يوم القيامة مقربا من الرسول صلى الله عليه وسلم "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا"وأمرنا أن نقدم حسن الخلق لتغيير نظرة الناس إلينا، ولتغيير علاقة العداوة بعلاقة الولاء )ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم( فصلت 34.

إن العلاقة بين السياسة والأخلاق هي علاقة توحد «فالسياسة والأخلاق تتوحدان من خلال الحياة اليومية والخاصة بجميع جوانبها، فهي ليست أخلاقا نظرية من ناحية وإنما هي أخلاق فاعلة تربط بين المسؤولية الشخصية والقواعد الاجتماعية للسلوك الأخلاقي، ومن ناحية ثانية فإنها تتوحد مع السياسة حين نجعل من السياسة عملا أخلاقيا على المستويات الاجتماعية المتعددة»

"فنحن لا نتحدث عن ثنائية أخلاق وسياسة، حتى نبحث لها عن علاقة متبادلة مفترضة بينهما، وإنما هي سياسة واحدة وأخلاق واحدة لقيم التعامل

إن العالم اليوم تحت وطأة الأنانية وغلبة المادية والرغبة في السيطرة، خاصة في ظل عولمة لا ترحم ضعيفا ولا تهتم بفقير، يعيش بالفعل أزمة أخلاق صيرت الحياة إلى لعبة، القلة القليلة فيها فائزة والأغلبية السّاحقة من الناس خاسرون تعساء. وقد دفع هذا الأمر ببعض المفكرين ورجال الدين الغربيين إلى التنادي إلى ضرورة أن تكون هناك أخلاق متفق عليها ويحترمها الكل، تضمن السعادة والكرامة للجميع." فخرج ما يسمى (بالإعلان عن الأخلاق العالمية) الذي أقره برلمان الأديان العالمية الذي انعقد في شيكاغو سنة 1993

وقبل هذا بخمسة عشر قرنا قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفسه وعن مهمته "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"

إنها نظرة إلى الأخلاق كبناء إنساني وعالمي يبنى بالتراكم وجاء جهده عليه الصلاة والسلام متمما للجهود التي سبقته ومتوجا له.

ما يستفاد من الدرس

لكل لون من ألوان العمل السياسي أخلاقه.

معرفة العلاقة بين السياسة والأخلاق هي علاقة توحد

هذا المنشور نشر في علوم سياسية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s