اقتران السنن الكونية بالسنن الاجتماعية.. حكم وأسرار

 

دراسة تفتح سرا جديدا من اسرار القرآن الكريم لد. توفيق علي أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر الشريف

قرن الله- عزَّ وجلَّ- في كتابه الكريم بين سننه في تصريف شئون كونه، وسننه في تصريف شئون خلقه؛ ليربي أهل الإيمان على طلاقة قدرته ومشيئته في كونه، وخلقه، وأن القادر على تدبير الكون بحكمته وعدله، هو القادر على تدبير أمور خلقه بحكمته وعدله، وهذا سر أسرار اسم الله القدير، والقيوم.

آيات آل عمران نموذج لطلاقة القدرة الإلهية في الكون والخلق:

قال تعالى: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)﴾ (آل عمران).

أقوال المفسرين في تفسير الآيات:

قال السعدي- رحمه الله-: "فيه الإشارة إلى أن الله تعالى سينزع الملك من الأكاسرة والقياصرة ومَن تبعهم ويؤتيه أمة محمد، وقد فعل ولله الحمد، فحصول الملك ونزعه تبع لمشيئة الله تعالى، ولا ينافي ذلك ما أجرى الله به سنته من الأسباب الكونية والدينية التي هي سبب بقاء الملك وحصوله وسبب زواله، فإنها كلها بمشيئة الله لا يوجد سبب يستقل بشيء، بل الأسباب كلها تابعة للقضاء والقدر، ومن الأسباب التي جعلها الله سببًا لحصول الملك الإيمان والعمل الصالح، الذي منه اجتماع المسلمين واتفاقهم، وإعدادهم الآلات التي يقدرون عليها والصبر وعدم التنازع، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55)﴾ (النور).

وأنت إذا استقرأت الدول الإسلامية وجدت السبب الأعظم في زوال ملكها ترك الدين والتفرق الذي أطمع فيهم الأعداء وجعل بأسهم بينهم.

وقوله: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أي: تدخل هذا على هذا، وهذا على هذا، فينشأ عن ذلك من الفصول والضياء والنور والشمس والظل والسكون والانتشار، ما هو من أكبر الأدلة على قدرة الله وعظمته وحكمته ورحمته ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ﴾
كالفرخ من البيضة، وكالشجر من النوى، وكالزرع من بذره، وكالمؤمن من الكافر ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ﴾ كالبيضة من الطائر وكالنوى من الشجر، وكالحب من الزرع، وكالكافر من المؤمن، وهذا أعظم دليل على قدرة الله، وأن جميع الأشياء مسخرة مدبرة لا تملك من التدبير شيئًا، فخلقه تعالى الأضداد، والضد من ضده بيان أنها مقهورة"(1).

وقال صاحب المنار- رحمه الله- في تفسير الآيات: "أَيْ إِنَّكَ بِحِكْمَتِكَ فِي تَدْبِيرِ الأَرْضِ وَتَكْوِيرِهَا وَجَعْلِ الشَّمْسِ بِحُسْبَانٍ تَزِيدُ فِي أَحَدِ الْجَدِيدَيْنِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِنَقْصِ الْآخَرِ، فَلا يُنْكَرُ عَلَى قُدْرَتِكَ وَحِكْمَتِكَ أَنْ تُؤْتِيَ النُّبُوَّةَ وَالْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ كَمُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، وَتَنْزِعُهُمَا مِمَّنْ تَشَاءُ كَبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنَّكَ تَتَصَرَّفُ فِي شُئُونِ النَّاسِ كَمَا تَتَصَرَّفُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ كَالْعَالِمِ مِنَ الْجَاهِلِ، وَالصَّالِحِ مِنَ الطَّالِحِ، وَالْمُؤْمِنِ مِنَ الْكَافِرِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ كَالْكَافِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِ، وَالْجَاهِلِ مِنَ الْعَالَمِ، وَالشِّرِّيرِ مِنَ الْخَيِّر(2).

وقال الزمخشري- رحمه الله-: "ذكر قدرته الباهرة، فذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحي والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب دلالة على أن من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام، ثم قدر أن يرزق بغير حساب من يشاء من عباده، فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم، ويؤتيه العرب ويعزهم(3).

وقال الشيخ الشعراوي- رحمه الله-: "لقد جاء الحق بالقول الحكيم: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ وذلك لينبهنا إلى هؤلاء المتشبثين بكراسي الحكم وينزعهم الله منها، إن المؤمن عندما ينظر إلى الدول في عنفوانها وحضاراتها وقوتها، ونجد أن الملك فيها يسلب من الملك فيها على أهون سبب. لماذا؟ إنها إرادة الخالق الأعلى، فعندما يريد فلا راد لقضائه.

إن الحق إما أن يأخذ الحكم من مثل هذا النوع من الحكام، وإما أن يأخذه هو من الحكم، ونحن نرى كل ملك وهو يوطن نفسه توطينًا في الحكم، بحيث يصعب على مَن يريد أن يخلعه منه أن يخلعه بسهولة، لكن الله يقتلع هذا الملك حين يريد سبحانه.

وبعد ذلك يقول الحق: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ لأن ظواهر الكون لا تقتصر على مَن يملك فقط، ولكن كل ملك حوله أناس هم "ملوك ظل"، ومعنى "ملوك الظل" أي هؤلاء الذين يتمتعون بنفوذ الملوك، وإن لم يكونوا ظاهرين أمام الناس، ومن هؤلاء يأتي معظم الشر، إنهم يستظلون ويستترون بسلطان الملك، ويفعلون ما يشاءون، أو يفعل الآخرون لهم ما يأمرون به، وحين يُنزع الملك فلا شكَّ أن المغلوب بالظالمين يعزه الله، وأما الظالمون لأنفسهم فيذلهم الله؛ لذلك كان لا بدَّ أن يجيء بعد: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾

هذا القول الحق: وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ لماذا؟

لأن كل ملك يعيش حوله مَن يتمتع بجاهه ونفوذه، فإذا ما انتهى سلطان هذا الملك، ظهر هؤلاء المستمعون على السطح، وهذا نشاهده كل يوم وكل عصر: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾.

ونلاحظ هنا: أن إيتاء الملك في أعراف الناس خير. ونزع الملك في أعراف الناس شر، ولهؤلاء نقول: إن نزع الملك شر على مَن خُلِعَ منه، ولكنه خير لِمَن أوتي الملك، وقد يكون خيرًا لمن نزع منه الملك أيضًا؛ لأن الله حين ينزع منه الملك، أو ينزعه من الملك يخفف عليه مؤونة ظلمه فلو كان ذلك الملك المخلوع عاقلاً، لتقبل ذلك وقال: إن الله يريد أن يخلصني لنفسه لعلي أتوب.

إذن فلو نظرت إلى الجزئيات في الأشخاص، ونظرت إلى الكليات في العموم لوجدت أن ما يجري في كون الله من إيتاء الملك وما يتبعه من إعزاز، ثم نزع الملك وما يتبعه من إذلال، كل ذلك ظاهرة خير في الوجود، لذلك قال الحق هنا: ﴿بِيَدِكَ الخير﴾، ولو دقق كل منَّا النظر إلى مجريات الأمور، لوجد أن: الله هو الذي يؤتي، والله هو الذي ينزع، والله هو الذي يعز، والله هو الذي يذل، ولا بدَّ أن يكون في كل ذلك صور للخير في الوجود، فيقول: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

إن إيتاء الملك عملية تحتاج إلى تحضير بشري وبأسباب بشرية، وأحيانًا يكون الوصول إلى الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية، أو السياسية، وكذلك نزع الملك يحتاج إلى نفس الجهد.
إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا المعنى فيقول: ليس ذلك بأمر صعب على قدرتي اللا نهائية، لأنني لا أتناول الأفعال بعلاج، أو بعمل، إنما أنا أقول: "كن" فتنفعل الأشياء لإرادتي.

ويأتي الحق بعد ذلك ليدلل بنواميس الكون وآيات الله في الوجود على صدق قضية ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقول وقوله الحق ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)﴾.

إن الحق يقول لنا: عندكم ظاهرة تختلف عليكم، وهي الليل والنهار، وظاهرة أخرى، هي الحياة والموت. إن ظاهرة الليل والنهار كلنا نعرفها لأنها آية من الآيات العجيبة، والحق يقول عنها: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾.

إنك أيها العبد إن رأيت ملكًا قائمًا على حضارة مؤصلة، فاعلم أن هناك عوامل دقيقة لا تراها بالعين تنخر في هذا الملك إلى أن يأتي يوم ينتهي فيه هذا الملك. وهكذا تنهار الحضارات بعد أن تبلغ أوج الارتقاءات، ويصل الناس فيها إلى استعدادات ضخمة وإمكانات هائلة، وذلك لأن عوامل الانهيار تنخر داخل هذه الحضارات.

إن الحق يلفتنا إلى جلال قدرته وعظمة دقة صنعه، بمثل الليل والنهار: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. ثم يأتي لنا الحق الأعلى بمثل آخر، فيقول: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ﴾، إنها القدرة المطلقة بدون أسباب.

وإذا كانت تلك الظواهر هي بعض من قدرات الله فمن إذن يستكثر على الله قدرته في أنه يؤتي الملك من يشاء، ويعز من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويذل من يشاء؟

لقد جاء الدليل من الآيات الكونية، ونراه كل يوم رأي العين.

إنك أنت يا الله الذي أجريت في كونك كل هذه المسائل، وهي كلها أمور من الخير، وإن بدا للبعض أن الخير فيها غير ظاهر(4).

وقال الشيخ المراغي- رحمه الله-: "إنك بحكمتك في خلق الأرض مكورة، وجعل الشمس بنظام خاص.

فليس بالمنكر بعد هذا أن تؤتي النبوة والملك من تشاء كمحمد وأمته من العرب وتنزعهما ممن تشاء كبني إسرائيل، فما مثل تصرفك في شئون الناس إلا مثل تصرفك في الليل والنهار(5).

إن ما حدث في تسونامي اليابان (سنة كونية)، في نفس الوقت التي حدثت فيه ثورات في الدول العربية- تونس ومصر- (سنة اجتماعية)، ليستوقف أولي الألباب، لماذا حدث ذلك في وقت واحد؟!

إن الذي حدث ليدلل دلالةً أكيدةً على قدرة الله المطلقة المتصرفة في شئون الناس، كما هي قدرته في تصرفه في شئون كونه، وأنه خير، وإن ظن الناس أنه شر.

فكما أمر البحر أن يثور ليغير وجه الحياة- بعدله وحكمته- في اليابان، فهو الذي نفخ في روح الشباب ليثوروا ضد الظلم والاستبداد، ويحل محلهما العدل والحرية.

اللهم جنِّب أمتنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجمع قلوب الأمراء والعلماء والحكماء على قلب رجل واحد.. اللهم آمين.

* المراجع:

(1) السعدي: 126.

(2) المنار: 3/ 226.

(3) الكشاف: 1/ 350.

(4) الشعراوي: 1/ 919.

(5) المراغي: 3/ 133.

————-

*

هذا المنشور نشر في دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s