الشورى في الإسلام (منبر الجمعة)

Pic293

إعداد: د. محمد كمال

مقدمة:

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سَلْمَانَ أنه "قِيلَ لَهُ قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، فَقَالَ: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ".

شمولية الإسلام:

جاء الإسلام رسالة عالمية للناس كافة؛ لتنظم لهم شئون حياتهم بما يرضاه الله ربهم وخالقهم، فنظَّم لهم شئون حياتهم على مستوى الفرد، وعلى مستوى الأسرة، وعلى مستوى المجتمع، وعلى مستوى الأمة، وشرع لهم السبيل الأقوم في كلِّ ناحية من نواحي حياتهم بما يكفل لهم السعادة والرشد، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: من الآية 9) وقال صلى الله عليه وسلم: "تَركْتُ فيكُمْ أَمْرَيْنِ لنْ تَضِلُّوا ما تَمسَّكْتُمْ بهما: كتابَ الله، وسنّة رسولِهِ" (موطأ مالك والحاكم وصححه الألباني).

ومن هذه السبل القويمة والطرق الرشيدة في إدارة شئون الناس: الشورى

فما تعريف الشورى؟ وما موقعها في الإسلام؟ وما أمثلتها في تاريخ المسلمين؟ وما ثمراتها؟

هذه الأسئلة هي المحور الذي ستدور حوله هذه الخطبة إن شاء الله تعالى.

أولاً- تعريف الشورى:

هي تقليب الآراء المختلفة واختبارها للتوصل إلى أفضلها والعمل به.

ثانيًا- مكانة الشورى وموقعها في دين الإسلام:

لو قلنا إن الشورى فريضة من فرائض الإسلام وركن ركين من أركانه لما جاوزنا الحقيقة قيد شبر، وأدلتنا على ذلك عديدة من كتاب الله تعالى، ومن هدي نبيه صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه من بعده.

فمن يطالع كتاب الله تعالى يجد سورةً مكيةً سميت بسورة (الشورى) وهي لفتة رائعة ترينا مدى اهتمام المنهج الرباني بهذه الممارسة؛ حتى سمَّى باسمها سورةً من سور كتابه المعجز، وحينما نطالع السورة ونقرأ الآية التي صرَّح فيها الحق تبارك وتعالى بهذه الكلمة المباركة (الشورى) ونتأملها فإننا نلمح عجبًا، ولنقرأ أولاً قوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)﴾ (الشورى).

وبالتأمل في السورة عمومًا والآيات السابقة على وجه الخصوص نلمح الآتي:

1- سورة الشورى مكية، وهذا يعني أن الإسلام يؤكد مبدأ الشورى منذ المراحل المبكرة من عمر الدعوة لتتأصل الفكرة في النفوس، ولتتم الممارسة في حدود ما تسمح به الظروف، وليترسخ المعنى المقصود وهو أن الشورى وممارستها ليست مرتبطة بقيام الدولة ولا بحال المسلمين قلة أو كثرة، قوة أو ضعفًا، جماعة قليلة مضطهدة أو أغلبية حاكمة، فالشورى مطلوبة في كلِّ وقت.

2- جاء قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ متوسطًا بين قوله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ وقوله ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ لتتضح مكانة الشورى وأهميتها البالغة، فذِكْرُها بعد الصلاة ركن الإسلام وعموده وقبل الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام يعطينا رؤيةً واضحةً عما تحظى به الشورى من أهمية ومكانة كبرى في ديننا العظيم.

3- الخطاب في الآية عام لكلِّ المسلمين وليس للحكام أو المسئولين وحدهم فكل مؤمن مطالب بممارسة الشورى.

ثالثًا- أمثلة تطبيقية:

عادة ما تكون النظرية شيئًا والتطبيق شيئًا آخر، فالنظريات تحلق في المثالية وترسم الصورة النموذجية ويأتي التطبيق غالبًا أقل من هذا المستوى، ولكن المجتمع المسلم في تطبيقه للشورى استطاع أن يطابق أو يلامس النظرية القرآنية، ولنعط على ذلك بعض الأمثلة:
في غزوة أحد انقسم الرأي حول كيفية المواجهة لملاقاة جيش المشركين، ففريق يرى الخروج وفريق يرى التحصن بالمدينة، وكان رأيه صلى الله عليه وسلم ألا يخرج المسلمون من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن أقام المشركون بمعسكرهم أقاموا بِشَرِّ مُقَام وبغير جدوى، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة والنساء من فوق البيوت، لكن جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر ومن غيرهم أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج، وألحوا عليه في ذلك حتى قال قائلهم: يا رسول الله، كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه إلينا وقرب المسير، اخرج إلى أعدائنا، لا يرون أنا جَبُنَّا عنهم.

وكان في مقدمة هؤلاء المتحمسين حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم- الذي كان قد أبلى أحسن بلاء في معركة بدر- فقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم طعامًا حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة". (انظر الرحيق المختوم للمباركفوري).

ونزل النبي صلى الله عليه وسلم على رأي غالبية أصحابه، وكان ما كان من استشهاد سبعين من الصحابة، وعلى رأسهم أسد الله حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم.

ونزل القرآن معقبًا على أحداث غزوة أحد، ومؤكدًا للمبادئ التي هي أهم من أي شيء آخر، فقال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾ (آل عمران).

إذن فهو الأمر الصريح بالاستمرار في جعل الشورى منهجًا دائمًا وراسخًا في إدارة كل شأن.

وجاءت شهادة الصحابة لنبيهم تحكي الواقع السعيد، قال أبو هريرة رضي الله عنه: "ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله" (السنن الكبرى للبيهقي كتاب النكاح- باب ما أمره الله تعالى به من المشورة فقال وشاورهم في الأمر 7/73).

ويعلق الإمام الحسن البصري على صنيعه صلى الله عليه وسلم فيقول: "إن كان النبي صلى الله عليه وسلم لغنيًّا عن المشاورة، ولكنه أراد أن يستنَّ بذلك الحكامُ بعده" (المصدر السابق نفس التخريج).

وقام خلفاء رسول الله من بعده بالاهتداء بهديه واتباع سنته، قال ميمون بن مهران: "كان أبو بكر رضي الله عنه إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك سنةً قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاءً، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به" (سنن الدارمي، المقدمة باب الفتيا وما فيه من الشدة رقم 161 جـ 1 ص70 ط دار الريان للتراث).

وعن المسيب بن رافع رحمه الله قال: "كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا" (سنن الدارمي- المقدمة باب التورع عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة رقم 115).

يقول الإمام القرطبي رحمه الله: "وعمر بن الخطاب قد جعل الخلافة وهي أعظم النوازل شورى".

وعلى هذا النهج سار التابعون أيضًا فقد روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه لما ولي المدينة جمع عشرةً من فقهائها، وهم سادة الفقهاء في ذلك الزمان، وقال لهم: "إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه ونكون فيه أعوانًا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرًا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم" (سير أعلام النبلاء للذهبي 5/118).

رابعًا: ثمرات الشورى:

أيها المسلمون:

إن المسلم حينما ينفِّذ أمر الله تبارك وتعالى ويلتزم منهجه فإنه ينتظر الخير والبركة والجزاء الأوفى من الله تبارك تعالى، ومن هنا فإن لممارسة الشورى والالتزام بها خيرات وثمرات نذكر منها:

1- تحقيق صفة من صفات المؤمنين الصادقين ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.

2- تربية الأمة وإعدادها لإدارة شئونها بطريقة راشدة.

3- تجنب التسلط والفردية في اتخاذ القرارات المهمة التي لها تأثير على المجتمع.

4- تقوية الثقة المتبادلة بين القيادة والشعب وتنمية الولاء للوطن.

5- الاطمئنان إلى سلامة طريقة اتخاذ القرار يدفع الناس إلى العمل بإخلاص وإتقان لعلمهم أن الجميع يتوخى المصلحة العامة بعيدًا عن الأهواء والمصالح الشخصية.

أسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يولي أمورنا خيارنا، وألا يولي أمورنا شرارنا، ربنا هب لنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا، رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المصدر

هذا المنشور نشر في دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s