بين الهدى القرآنى والقانون الوضعى ( من تراث المستشار حسن الهضيبى المرشد الثانى لجماعة الإخوان المسلمين)

8146 

عرض موقع الموسوعة الإخوانية كتاب جمع مقالات للمستشار حسن الهضيبى رحمه الله المرشد الثانى لجماعة الإخوان المسلمين ومنه هذه المقالة والتى يقارن فيها بين الهدى القرآنى والقانون الوضعى يقول رحمه الله :

قرأت قول الله تعالى " قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى , ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال ربي لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آيتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى " . . .

قرأت هذه الآيات ووقفت عندها وتأملتها  كانت هذه وصيته تعالى لأدم وزوجه حين أخرجهما من الجنة وأهبطهما إلى الأرض فهي من أقدم الوصايا على الإطلاق . لذلك كانت خليقة بأن تكون سنة كونية – لا يتخلف مدلولها عن أحد من خلقه تعالى في أي حال من الأحوال – والقرآن مليء بالسنن الكونية . أي القواعد من مثل واحد وواحد يساوي اثنين وخمسة في ستة يساوي ثلاثين , أشياء ثابتة لا تتغير ولا تتبدل . وهذه السنن الكونية والله أعلم وضعت لإرشاد الخلق إلى الحق , لأن الإنسان قد يجد لنفسه عقلا يفكر ويدبر , فيذهب به الشطط إلى الظن بأنه قادر على كل شيء بتفكيره وتدبير وأنه يستطيع أن يمضي في هذه الحياة بما يوحي إليه عقله من خير يحسبه شرا وشرا يحسبه خير ,

ولذلك وللحد من سلطان هذا العقل وضع الله تعالى تلك السنن الكونية للإنسان العاقل ليهتدي بها ويسير على رشدها كما وضع لسائر مخلوقاته من النواميس ما هو ثابت دائم كالشمس والقمر والكواكب والنباتات والحيوان وما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى  كل ذلك لو تأملته لوجدته يسير على سنن لا تتخلف أبدا , فكذلك الإنسان وضعت له السنن الكونية فإن ائتمر بما أمر الله وانتهى عما نهى كان له جزاء الحسنى في الدنيا والآخرة .

تأمل الآية الكريمة " فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى " وهدى الله تعالى هو ما جاءت به الرسل والأنبياء , من اتبعه فقد نجا من الضلال والشفاء . هذا وعد من الله حق , لو اطمأنت نفوسنا إليه ورضينا ب هوامنا وعملنا بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام القائل " ما تركت من خير إلا وأمرتكم به وما تركت من شر إلا ونهيتكم عنه " لكان لنا عند الله ما وعد به المطيعين ولحق لنا أن نكون من السائلين .

وتأمل الآيات الكريمة أيضا " ومن أعرض عن ذكري " أي هداي " فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى . . " ترى فيها ما يصيب المخالفين لأمر الله تعالى من جزاء في الدنيا وعذاب في الآخرة .

ونحن قد أتانا هدى الله على لسان نبيه الكريم فهل اتبعنا الهدى فيحق لنا ألا نضل ولا نشقى أو أعرضنا عنه فلنا – ولا تبديل لأحكام الله – معيشة ضنك ؟ ؟ وقانا الله من جزاء يوم الحشر .

إن بلاد العالم الإسلامي تحكم اليوم إما بقوانين وضعية مستعارة من القوانين الأوربية لا صلة لها بالقرآن ولا يهدي القرآن , وإما أن حكامها يدعون – أنهم يحكمون بالقرآن وهم عن معاني القرآن بعيدون يحسون أنه صلاة وصوم وحج ولا يدركون أنه مع ذلك علم وفهم وتربية وأخلاق وجهاد في سبيل الله ومعاملة وتحقيق العدل الاجتماعي الذي كفله الله للناس على صورة لم يصل إليها الناس في كافة عصورهم , لذلك كانت دعواهم أن دستورهم القرآن من الدعاوي التي تضر بالإسلام والمسلمين أبلغ الضرر فإنها تكون مقرونة دائما بجهلهم وفقرهم وتأخرهم وتخلفهم عن ركب الحياة , فاتخذ الناس من ذلك دليلا على أن الإسلام غير صالح لهذه الحياة , وما العيب في الإسلام ولكن العيب في القائمين عليه وبلاد العالم الإسلامي فشا فيها من ذميم الأخلاق ما لا يمكن معه أن يصدق أن المتخلقين بها مسلمون .

فأكل أموال الناس بالباطل أصبح سجية فيهم : فلا يسأل الإنسان نفسه عن ماله أمن حلال كسبه فيحمد الله أم من حرام جناه فيتوب إليه ويذكر قول الرسول عليه السلام" كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به " فالقمار المحرم أصبح وسيلة من وسائل الكسب التي تتراءى للناس كأنها مشروعة لفرط ما ألفوها . ولا يبالي الواحد أن يأكل مال أخيه ولا يسأل نفسه عن سبب استحلاله لماله . والرشوة والاختلاس وخيانة الأمانة أصبحت كأنها من مقررات الحياة وأنها جزء من مرتبات الموظفين وعمل العاملين . الأمر الذي تسبب عنه تعطيل المصالح العامة والخاصة لعدم ثقة الناس بعضهم ببعض .

وظلم الأغنياء للفقراء وعدم إيفاءهم حقوقهم التي أمر الله زاد غنى الأغنياء وفقر الفقراء وجهلهم وأفسد الحياة الاجتماعية وأخل بتوازنها .

و الزنا والفجور واستهتار الرجال والنساء وانتهاك الحرمات وشرب الخمر صار كل ذلك شيئا عاديا يتحدث الناس بحقائقه كأنها من الأمور المباحة , وبالأكاذيب فيه كأنها من دواعي الفخر .

ولا تسأل عن الكذب والنفاق والغيبة والنميمة وسخر الناس بعضهم ببعض والتنابز بالألقاب واتهام الناس بالباطل . .

هذه النقائض كفيلة بهدم المجتمع . نقترفها كل يوم ولا تكلف أنفسنا أن نعرضها على كتاب الله حتى نعلم إننا أعرضنا عن هدي الله تعالى فكان جزاؤنا ما نحن فيه من ضنك المعيشة وصدق الله العظيم " ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا " . .

هذا المنشور نشر في من تراث الإخوان المسلمين, دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s