النجوى طريق البطالة (نظرات تربوية فى كتاب العوائق للشيخ الراشد)

mind_1 

نواصل مع العلامة الشيخ محمد الراشد أنوار الفطنة التى تنجى من ظلام الفتنة والنور الذى سيحدثنا عنه الشيخ الراشد هو ترك النجوى يقول :

من شمس ترك النجوى

فإن مجالس المؤمنين لم تعرف إلا زيادة الإيمان لها هدفا، وكان ابن رواحة يأخذ بيد أبي الدرداء، رضي الله عنهما، ويقول: (تعال نؤمن ساعة) فيتذاكران أمر الإيمان، ويتعرفان على مسالك التوبة، ويتآمران بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس.

وكان عمر بن عبد العزيز يأمر أبا بكر بن عمرو بن حزم، رحمهما الله، بالجلوس للتعليم، ويقول له:

(ولتجلسوا، حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا)

وجعل أحمد بن أبي الحواري الدمشقي المجالسة دواء قسوة القلب، فقال: (إذا رأيت من قلبك قسوة فجالس الذاكرين، وأصحب الزاهدين).

فمجالس المؤمن عزيزة، ولا ينبغي أن يجلس إلا بنية أن يؤمن ساعة ثم يقوم، متداولا أية أو حديثا أو وصية حكيم من صالح المؤمنين، وليس من حقه أن يميل بالجالسين معه إلى نقد اجتهادات قادته بما يهاب أن يذكره لهم صريحا.

وكذلك غدوات المؤمنين و روحاتهم، فإنها ثمينة مثل مجالسهم، ومن لم يجد عند الذين حوله فقها فإن عليه أن يسيح طلبا له، كما كان التابعي علقمة بن قيس النخعي الكوفي قول لأصحابه:(امشوا بنا نزدد إيمانًا، يعني يتفقهون).

أو يذهب إلى من يرجو أن يلين له قلبه إذا ألهاه الصفق بالأسواق وأحاديث الرواتب وفرق الأسعار، كما كان التابعين ميمون بن مهران يذهب إلى سيد التابعين الحسن البصري ويطرق بابه ويقول له: (يا أبا سعيد: قد آنست من قلبي غلاظة: فاستلن لي منه).

فإن لم يجد الصاحب الجليس الصالح، والمداوي الملين، فإن أمامه

خلوة ساعة تذيقة حقيقة اللذة، فإنه ( ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل) كما يقول التابعي مسلم بن يسار.

ثم أمامه المحراب، يذكره به التابعي بكر بن عبد الله المزني ويتساءل:(من مثلك يا ابن آدم؟خلي بينك وبين المحراب تدخل منه إذا شئت على ربك، ليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان).

الاجتهاد لا ينمو في الجيوب

فأما منصف نفسه فيطلب ذلك، من مجلس أو رحلة أو خلوة لبث بمحراب، يأنس بمخالطة من شاء من أفراد جماعة الإيمان، أو يقتدي بما يروي له من فعل المهتدين.

وأما المشرف على ضلالة، فإنه يتوارى مع صحب له عن العيون، ويكتم سره عن الجماعة، ويبثه لمن يهواه، فيؤز بعضهم الحمية النفسية في البعض الآخر، فيكون حنق، فتثبيط، فتسويغ لا يبرأ من تدليس، فإذا هو افتتان.

تلك التي عرفها عمر بن عبد العزيز فقال:(ما انتجي قوم في دينهم دون جماعتهم إلا كانوا على تأسيس ضلالة)

وهذه هي بداية كل بدعة في تاريخ المسلمين، تبدأ بالنجوى، ثم يكون الاستدراج.

فالنجوى دون الجماعة في المفاهيم التي هيمن الدين، أو في خلع الطاعة الشرعية التي هي من الدين أيضًا، والتي يسببها سمى الخوارج الخالعون للطاعة: مبتدعة، يقرن ذكرهم بالجهمية والمرجئة، كل ذلك ضلالة داخلة في قول عمر.

ولا تغير النية الصالحة في طبيعة النجوى أو تسحب عليها ذيل الصلاح تبعًا، ولا ادعاء الاجتهاد وطلبه من خلالها، فإن الاجتهاد لا يترعرع سرًا، لاحتياجه دوما إلى التقويم، وإلى الشهادة له أو عليه من قبل الآخرين، وليس بتلك ذلك في أجواء التناجي المتوارى المستخفي الذي يشبه التهامس.

ولقد أظهرت لنا التجارب الكثيرة أن معظم التناجي يؤدي إلى الخروج ونكث البيعة، ولا تتجاوز أن يكون مرحلة أولية للماشي في درب الفتنة، دري أو لم يدر، ولا يتجاوز حجة المتناجي أن تكون هي نفسها حجة الخارج، كلاهما يدعي أنه يريد مصلحة الإسلام، وأنه يمارس ضربا من العبادة، والخطأ يلفهما لفا.

كل الخوارج مخط في مقالته، وإن تعبد فيما قال واجتهدًا وتقريرات سيد قطب رحمه الله لمجالات النجوى المذمومة في القرآن الكريم تلتقي مع هذا الذي نقول: ويذهب لأبعد ممن يتوهم أن الله تعالى قد ذم النجوى في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقط. فهو يعقب على الآية الكريمة.

(لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).

فيقول:

(لقد تكرر في القرآن النهي عن النجوى، وهي أن تجتمع طائفة بعيدًا عن الجماعة المسلمة وعن القيادة السملمة، لتبيت أمرًا. وكان اتجاه التربية الإسلامية واتجاه التنظيم الإسلامي كذلك أن يأتي كل إنسان بمشكلته أو بموضوعه، فيعرضه على النبي -صلى الله عليه وسلم- مسارة إن كان أمرًا شخصيًا لا يريد أن يشيع عنه في الناس: أو مساءلة علنية إن كان من الموضوعات ذات الصبغة العامة، التي ليست من خصوصيات هذا الشخص.

والحكمة في هذه الخطة، هو ألا تتكون جيوب في الجماعة المسلمة، وألا تنعزل مجموعات منها بتصوراتها ومشكلاتها، أو بأفكارها واتجاهاتها، وألا تبيت مجموعة من الجماعة المسلمة أمرًا بليل، وتواجه به الجماعة أمرًا مقررًا من قبل، وتستخفي به عن أعينها، وإن كانت لا تختفي به عن الله، وهو معهم إذ بيبيتون ما لا يرضى من القول.

وهذا الموضع أحد المواضع التي ورد فيها هذا النهي عن التناجي والتبييت بمعزل عن الجماعة المسلمة وقيادتها.

ولقد كان المسجد هو ندوة الجماعة المسلمة، تتلاقى فيه وتتجمع للصلاة لشؤون الحياة، وكان المجتمع المسلم كله مجتمعا مفتوحًا، تعرض مشكلاته –التي ليست بأسرار للقيادة في المعارك وغيرها، والتي ليست بمسائل شخصية بحتة لا يحب أصحابها أن تلوكها الألسن – عرضا عامًا. وكان هذا المجتمع المفتوح من ثم مجتمعا نظيفا طلق الهواء، لا يتجنبه ليبيت من وراء ظهره إلا الذين يتآمرون عليه، أو على مبدأ من مبادئه –من المنافقين غالبا- وكذلك اقترنت النجوى بالمنافقين في معظم المواضع.

وهذه حقيقة تنفعنا. فالمجتمع المسلم يجب أن يكون بريئا من هذه الظاهرة، وأن يرجع أفراده إليه وإلى قيادتهم العامة بما يخطر لهم من الخواطر، أو بما يعرض لهم من خطط واتجاهات أو مشكلات)

وهكذا يخرج الموفق من ضيق مجلس النجوى إلى رحاب التشاور الواسعة، وبهجة الإصلاح بين الناس، ابتغاء مرضاة الله، والله نور السماوات والأرض، فيجعل الله له نورًا جديدًا، يزيد قوة إبصاره، ويشجعه على سرعان الفرار إلى الله، فيمر في محاذاة مصباحة، مصباح هذا النور الجديد، ويلتفت إليه ليحصي فضل الله عليه، فإذا هو:النور الرابع عشر، المتدلي من ثريا:حمل القلب على استقباح الفتن

فإن المرء مطالب بأن ينكر بقلبه كل أنواع الفتن، وأن يستشعر عيبها، ولو لم يدخل طرفا فيها، فإن الاستحسان يوشك أن يغري صاحبه بالولوج.

لذلك لا يعد أحدنا بريئا من هذه الفتن تمام البراءة إلا بمثل هذا الاستقباح.

وقديمًا أبي شريح القاضي أن يمزج نبله وفضله بشيء من آثار الفتن، فلبث تسع سنين كاملات معتزلا فتنة القتال أيام أرسل عبد الله بن الزبير أخاه مصعبا ليقاتل عنه ويحكم العراق باسمه، كان شريح خلالهن: (لا يخبر ولا يستخبر) مع أن ابن الزبير كان له من التأويل الصادق أكثر من غيره، فقيل لشريح:

(قد سلمت!

قال: فكيف بالهوى).

وكان هواه مع ابن الزبير.

أي أنه كان يتهم نفسه بعدم البراءة وإن لم يشترك في قتال أو يقف خطيبا مؤيدًا، لأن قلبه كان يميل إلى ابن الزبير.

فإذا كان شأن مجرد الميل القلبي كذلك، فمن باب أولى أن تكون موالاة أهل الفتنة، والتصريح بالرضا عن فعلهم، كالدخول في فتنتهم نفسها، أو منزلة قريبة من الدخول، وإن أبقى الراضي لنفسه صورة الوفاء بالبيعة، ولم ينسب نفسه إلى جمهور المفتتنين.

وخلال سرد الإمام أحمد لأوصاف الزاهد وطبقات الزهاد وعظنا موعظة صريحة، أحيا بها فقه الحسن البصري إمام التابعين فروي استفتاء التابعي عبد الواحد بن زيد للحسن:

قال عبد الواحد:

(قلت للحسن: يا أبا سعيد: أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب، إلا أنه عاون بلسانه ورضي بقلب!!

قال: يا ابن أخي ككم يد عقرت الناقة؟

قلت: يد واحدة.

قال: أليس قد هلك القوم جميعا برضالهم وتماليهم)

وابن المهلب هذا هو ابن المهلب بن أبي صفرة البطل مبيد الخوارج، أعجبته نفسه، وغره ما ورثه من جاه أبيه، فعشق الرئاسة، فأعلن الانفصال عن الدولة الإسلامية الفتية.

فالموالاة كالدخول، ليس من فرق بينهما عند رأس فقهاء التابعين بإحسان.

وهي كذلك عند الذين بعده، فجعل بعضهم استئناس المرء وصحبته للمتخلقين بأخلاق المفتتنين مسوغا لنا لتصنيفنا إياهم معهم. فقال:

· (دليل وحشتهم: أنسهم بالمستوحشين.

· ودليل بطالتهم: صحبتهم للبطالين.

· ودليل تخليطهم: صحبتهم للمخلطين).

فالعمل الإسلامي رحب، كله أجر ومثوبة ونور، ولمثله يبتسم العاقل مستبشرًا، فإن استوحش بعض من يدعيه، وعبس وبسر، ثم استأنس بوحشة آخر: فإنه شريكه دون ريب.

وهذه الفتن كلها بطالة وسلبيات، وقعود عن العمل وانزواء، وانحدار تدريجي نحو الركود، ثم سبات وغطيط، وصاحب أصحابها منهم دون ريب.

وهي كلها استعارات، و ترقيعات، ومزج للباطل بالحق، وتدخين وتخليط، ومن رضي أن يقعد بباب دكان صاحبه الحداد، لتطربه الأنغام النشاز التي تبعثها مطارق الحدادين، فلا يعجبن إن ظنه الناس حدادًا.

هذا المنشور نشر في الفقة الحركي, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s