خطيئة الإخوان!

 

كتب خالد مخلوف

ثورة أخرى شهدها الشارع السياسي المصري بمجرد إعلان جماعة الإخوان المسلمين عن حزبها الأول منذ نشأتها المعروفة في خمسينيات القرن الماضي، الثورة الجديدة كان وقودها الفضائيات ووسائل الإعلام العربية والأجنبية من خلال البرامج والندوات التي أخذت في انتقاد الجماعة التي قيد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك حركتها طوال مدة حكمه, التي استمرت زهاء 30 عاما, عانى أعضاؤها الأمرَّين، حيث حلوا ضيوفا دائمين على سجونه التي امتلأت الآن بأعمدة حكمه بعد الثورة، ولم يألُ المحللون السياسيون -وما أكثرهم في مصر والوطن العربي- جهدا في كيل الاتهامات للإخوان وللحزب الذي لم يخرج إلى النور لأسباب ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.

وكان قدر الإخوان التعرض لاتهامين متناقضين, وهما العمل السري والعلني في وقت واحد، ظل أولهما يطارد الجماعة خلال عقود طويلة سبقت الثورة، وظهر الاتهام الثاني بعد نجاح الثورة وإزالة الرئيس السابق، فالدعوات كانت طوال عشرات السنوات تطالب الإخوان بالإعلان عن حزبهم في النور أمام الشعب وعدم خلط الدين بالسياسة، وعندما تم ذلك بعد ثورة 25 يناير تراجع هؤلاء عن مطالباتهم المستمرة وأخذوا يكيلون الاتهامات لحزب الإخوان قبل تأسيسه وممارسته العمل السياسي، تارة من خلال اتهامه بالخروج من عباءة الجماعة، وأخرى من خلال اتهام مكتب الإرشاد بتعيين الرئيس والنائب والأمين العام بشكل يخالف القواعد المتبعة في تأسيس الأحزاب السياسية من ضرورة انتخاب كل قيادات الحزب من خلال مؤتمره العام، وعدم تعيينه مثلما تم في الحالة الإخوانية، هذا بالإضافة إلى الاتهامات بالارتباط روحياً بمكتب الإرشاد والجماعة الأم، وغير ذلك من الاتهامات.

الانتقادات الموجهة لجماعة الإخوان المسلمين كانت متوقعة في ظل التربص الكبير من كافة أشكال العمل السياسي، وكذلك من بعض المحسوبين على التيارات الدينية التي أخذت في الظهور عقب الثورة في محاولة لأخذ دور تحت شمس المحروسة, في ظل الارتباك والخلط الموجود في جميع الأوراق، ومحاولات الثورة المضادة تقويض حلم ملايين المصريين في الحرية والعدالة, وهو شعار الحزب الجديد للإخوان المسلمين.

التضمينات التي ساقها الإخوان المسلمون لمنتقديهم لم تجد صدى كبيراً لدى عدد غير قليل في الشارع السياسي المصري، وكذلك لدى المتربصين بالجماعة وما أكثرهم، وفات هؤلاء أن الممارسة السياسية هي خطأ وصواب، وهذا ما يعزز مبدأ الديمقراطيات في العالم، وتداول السلطة، فالملائكة لا تشكل أحزابا سياسية بكل ما فيها من شد وجذب وتداعيات وتفاعلات، والخطأ وارد في الممارسة السياسية، والأحزاب التي لها باع طويل في السلطة لم تصبح كذلك بين يوم وليلة، وإنما تطور أداؤها طوال عقود كثيرة مارست فيها السياسة، ولم تكن قراراتها صائبة دوما، ناهيك عن حزب تكال له الانتقادات وهو يحبو في أول أيامه، فلم تكن التطورات الديمقراطية في العالم المتحضر إلا نتاج ممارسة وخطأ وتعلم من الدروس السابقة للآخرين.

ولم تخفف أيضا التطمينات التي ساقها الإخوان حول فتح الحزب للجميع مسلمين ومسيحيين من تخوف الكثيرين، وما زالت محل شك، وأيضا لم تشفع لهم الاستقالات التي قدمها أعضاء شورى الإخوان للانضمام إلى الحزب، والتأكيدات بمشاركة الأقباط والمرأة والشباب في مناصب قيادية داخل منظومتهم الجديدة، وحتى التأكيدات بأن رئيس الحزب محمد مرسي، ونائبه عصام العريان، والأمين العام سعد الكتاتني سيتولون مناصبهم من خلال فترة انتقالية أربعة سنوات، وبعدها سيتم انتخاب جميع القيادات من قبل المؤتمر العام كلها لم تجد ارتياحا واقتناعا لدى الكثيرين.

والسؤال هنا أين القوى السياسية التي دفعت ما دفعه الإخوان من ثمن لهذه الحرية التي تلوح بوادرها على الساحة المصرية؟ وهل الأحزاب العتيقة التي كانت ديكورا للنظام البائد تستحق ما يستحقه الإخوان الذين ضحوا بأموالهم وأسرهم وأنفسهم في سبيل رؤيتهم, التي مهما اختلف البعض معها لن تكون بسوء وحماقة ما فعله النظام البائد في تخريب كل شيء، فما المانع أن يخطئ الإخوان، ويتعلمون من أخطائهم، وهل أخطاء الإخوان مهما بلغ حجمها ستكون بحجم %1 من أخطاء نظام مبارك الذي عاد بمصر عشرات السنين إلى الوراء، وأفسد الحياة السياسية بتزوير الانتخابات، وتقويض الحياة النيابية والبرلمانية, بل الاجتماعية والاقتصادية، بل هدم كل أمل لدى المصريين من خلال احتضانه للفاسدين والمفسدين من أذناب السلطة، والتزاوج الممجوج بين السلطة والثروة؟

كلها أسئلة مشروعة في إطار الصالح العام، ولعبة السياسة التي تتحمل الكثير من واقع أنها فن الممكن والتغلب على الخصوم بالبرامج والإصلاحات للوصول إلى الهدف، وهي كلها رغبات مشروعة يحكم عليها الشعب من خلال الممارسة الديمقراطية وصندوق الاقتراع الذي يعد الحَكَم الوحيد على هذا أو ذاك، وهو الذي سيقرر من يستمر في الحكم، ومن سيأخذ فرصة ثانية، من سيكتب اسمه في سجل الخالدين، ومن سيذهب إلى مزبلة التاريخ!

……………………المصدر

هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على خطيئة الإخوان!

  1. يقول فياض:

    سبحان الله مالاخوان الا اجتهاد بشرى له مصدره الاسلامى فمن الطبيعى ان يخطئ ويصوب اصل البشر

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s