العدل فى الإسلام وتسع آيات نزلن من سورة النساء لتبرئة يهودي من تهمة سرقه(خواطر من سورة النساء )

 ip037 

فى خضم ما تشهده مصر من أحداث طائفية ترتفع الأصوات المخلصة بضرورة تطبيق القانون وتحقيق العدل على جميع طوائف الأمة مسلمين مسيحين كنيسة أو مسجد حتى البابا وشيخ الأزهر لا أحد فوق سلطة القانون والدولة .

وأنا أقرأ أمس فى سورة النساء توقفت عند الآيات 105 إلى 110 آيات تحكى قصة رائعة فريدة الآيات تتحدث عن قيمة ومعنى الإنصاف والحكم بالعدل تحكى الآيات قصة  لا تعرف لها الأرض نظيرا  ولا تعرف لها البشرية شبيها

القصة تروى  سرقة قام بها أنصاري يسمى بشير بن أبيرق  لدرع رجل من الأنصار يسمى رفاعة بن النعمان ، وهو أمر يمكن أن يحصل في أي مجتمع، فالناس تبقى بشرا، ويحصل فيها مخالفات، وورد في بعض الروايات عن هذا الرجل (بشير بن أبيرق) أنه كان مطعونا، ويبدو أن الناس تكلمت في الموضوع والسرقة، فعمد إلى رمي الدرع في بيت يهودي (زيد بن السمين) ومضى إلى النبي صل الله عليه وسلم  ليبرئه علانية؟ وهو ما فعله النبي صل الله عليه

جاءت الآيات تعاتب النبي صل الله عليه وسلم  على التصرف يقول الله عز وجل :

إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً (105) وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً (106) وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109)

أقتبس بعض ما كتبه الشهيد سيد قطب فى ظلاله :

يقول الأستاذ سيد قطب إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة برى ء , تآمرت عليه عصبة لتوقعه في الاتهام – وإن كانت تبرئة بريء أمرا هائلا ثقيل الوزن في ميزان الله – إنما كانت أكبر من ذلك  كانت هي إقامة الميزان الذي لا يميل مع الهوى , ولا مع العصبية  ولا يتأرجح مع المودة والشنآن أيا كانت الملابسات والأحوال .

وكانت المسألة هي تطهير هذا المجتمع الجديد  وعلاج عناصر الضعف البشري فيه مع علاج رواسب الجاهلية والعصبية – في كل صورها حتى في صورة العقيدة  إذا تعلق الأمر بإقامة العدل بين الناس – وإقامة هذا المجتمع الجديد  الفريد في تاريخ البشرية  على القاعدة الطيبة النظيفة الصلبة المتينة التي لا تدنسها شوائب الهوى والمصلحة والعصبية , والتي لا تترجرج مع الأهواء والميول والشهوات !

كان هناك سبب واضح عريض . . أن هذا المتهم "يهودي"  من "يهود"  يهود التي لا تدع سهما مسموما تملكه إلا أطلقته في حرب الإسلام وأهله .

وكان هنالك سبب آخر ; وهو أن الأمر في الأنصار  الأنصار الذين آووا ونصروا  والذين قد يوجد هذا الحادث بين بعض بيوتهم ما يوجد من الضغائن . بينما أن اتجاه الاتهام إلى يهودي  يبعد شبح الشقاق !

وكان هنالك سبب ثالث  هو عدم إعطاء اليهود سهما جديدا يوجهونه إلى الأنصار . وهو أن بعضهم يسرق بعضا  ثم يتهمون اليهود ! وهم لا يدعون هذه الفرصة تفلت للتشهير بها والتغرير !

ولكن الأمر كان أكبر من هذا كله . كان أكبر من كل هذه الاعتبارات الصغيرة . الصغيرة في حساب الإسلام  كان أمر تربية هذه الجماعة الجديدة لتنهض بتكاليفها في خلافة الأرض وفي قيادة البشرية . وهي لا تقوم بالخلافة في الأرض ولا تنهض بقيادة البشرية حتى يتضح لها منهج فريد متفوق على كل ما تعرف البشرية ; وحتى يثبت هذا المنهج في حياتها الواقعية . وحتى يمحص كيانها تمحيصا شديدا ; وتنفض عنه كل خبيئة من ضعف البشر ومن رواسب الجاهلية . وحتى يقام فيها ميزان العدل – لتحكم به بين الناس – مجردا من جميع الاعتبارات الأرضية , والمصالح القريبة الظاهرة , والملابسات التي يراها الناس شيئا كبيرا لا يقدرون على تجاهله !

واختار الله – سبحانه – هذا الحادث بذاته في ميقاته  مع يهودي  من يهود التي يذوق منها المسلمون الأمرين إذ ذاك في المدينة ; والتي تؤلب عليهم المشركين  وتؤيد بينهم المنافقين  وترصد كل ما في جعبتها من مكر وتجربة وعلم لهذا الدين ! وفي فترة حرجة من حياة المسلمين في المدينة  والعداوات تحيط بهم من كل جانب  ووراء كل هذه العداوات يهود !

هنا كان الأمر جدا خالصا , لا يحتمل الدهان ولا التمويه ! وكان هذا الجد هو أمر هذا المنهج الرباني وأصوله . وأمر هذه الأمة التي تعد لتنهض بهذا المنهج وتنشره . وأمر العدل بين الناس . العدل في هذا المستوى الذي لا يرتفع إليه الناس – بل لا يعرفه الناس – إلا بوحي من الله , وعون من الله .

إن الآيات حين يتابع الإنسان ظروف نزولها يصاب بقشعريرة ورعدة من التنزيل، ويفهم قول الرحمن إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا…

يعاتب الله ويدافع عن يهودي متهم ظلما، وتتنزل الآيات في قضية رجل من قوم يكنون العداوة والكراهية والتآمر للأمة، ولكن هذا لا يمنع، بل هي كامل القوة، وسر قوة هذا المجتمع؟؟ إنها حقنة العدل في شرايين هذا المجتمع الفتي ؟؟

إنني أخجل حين أقرأ هذه الآيات، وأرى مظاهر الظلم في كل مكان وأعرف سر القوة و النهوض من الإحباط والانحدار.

يتابع القرآن العتاب ويقول افترضوا أنكم دافعتم عنه في هذه الدنيا، فماذا ستفعلون بين يدي الديان يوم الدين؟

ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا؟ فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة؟ أم من يكون عليهم وكيلا؟

ثم يتابع التنزيل الحكم في ثلاث شرائح ووجبات:

أولا : من يعمل سوء أو يظلم نفسه (لوحده تجاه نفسه، فهي مسألة شخصية بحتة) ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما.

ثانيا: أن الإثم شخصي، يحمله صاحبه، ولا يحمل لغيره، وهو تقرير لمبدأ الفردية، وأن المسئولية في الآخرة فردية، (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ـ لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما..

ثالثا: أن من يتهم ظلما أو من يرتكب مخالفة ويحاول إلصاقها بالبريء فهو يرتكب أشنع الجرائم؟

من يكسب خطيئة أو إثما ثم يرمي به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا).

ثم يعقب القرآن ويقول عن رحمة الله عن تطويق هذا الحريق الخطير(ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك، وما يضلون إلا أنفسهم، وما يضرونك من شيء، وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة، وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما)..

إنها آيات ثلاث تقرر المبادئ الكلية التي يعامل بها الله عباده ; والتي يملك العباد أن يعاملوا بعضهم بعضا بها  ويعاملوا الله على أساسها فلا يصيبهم السوء .

الآية الأولى تفتح باب التوبة على مصراعيه , وباب المغفرة على سعته ; وتطمع كل مذنب تائب في العفو والقبول:

والآية الثانية تقرر فردية التبعة . وهي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي في الجزاء , والتي تثير في كل قلب شعور الخوف وشعور الطمأنينة . الخوف من عمله وكسبه . والطمأنينة من أن لا يحمل تبعة غيره

والآية الثالثة تقرر تبعة من يكسب الخطيئة ثم يرمي بها البرى ء . . وهي الحالة المنطبقة على حالة العصابة التي يدور عليها الكلام

ثلاث مبادىء تحددها الآيات تعقيبا على هذه القصة مبادىء ما أحوجنا إليها العدل على الجميع آيات ترسم لنا طريق الخروج من هذه الفتنة الطائفية التى تكاد تعصف بمصر حفظ الله مصر وأهلها

هذا المنشور نشر في دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s