رجل الدعوة وأجواء الحرية

Picture1s

فى عهد الحرية و الإنفتاح كيف يكون سلوك وعمل الداعية ؟ هذا ما يشرحه الأستاذ خضر عبد المعطي خضر وهو مدرس بجامعة برلين والمنسق العام للتجمع الأوروبي للأئمة والمرشدين يقول :

في ظل المرحلة التي تعيشها الدعوة الإسلامية في البلاد المحررة، والتي تدخل بها ميادين جديدة لتوصيل فكرتها إلى أكبر عددٍ من أبناء الأمة لتقوم بدورها بعد طول انتظار كما قال الكواكبي: "ما بال الزمان يضن علينا برجالٍ ينبهون الناس ويرفعون الالتباس ويُفكِّرون بعزم، ويعملون بحزم ولا ينفكون حتى ينالوا ما يقصدون"، والعودة بالأمة وأبنائها إلى حضارة الإسلام العظيم, وفي ظل أجواء الحرية التي نتنسمها جميعًا، وهي الأجواء التي اعتبرها فتنةً من الفتن, خاصةً أن مجيئها كان بعد تضييق ومنع وسجن ومطاردات.

نعم أعتبرها فتنةً كأي فتنة يثبت فيها مَن يثبت ويسقط فيها مَن يسقط، فالثبات نوعان ثبات ابتلاء وثبات أداء؛ أما ثبات الابتلاء فهو الثبات على البلاء بنوعيه في المحن والشدائد والثبات في النعم والرخاء، وكلاهما ابتلاء (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء: من الآية 35)، ومن الناس مَن يثبت على البلاء لسنوات طوال ويكون نموذجًا في ذلك وقدوة مذهلة، وكنا نسأل أساتذة الدعوة كيف صبرتم وتحملتم كل هذا.؟ فيقولون ليس ذلك بمهارة منا ولا بقوة تحمل إنما هو محض فضل من الله تعالى: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74)) (الإسراء).

وقد أكرم الله الكثيرين من أهل الدعوة في المحن بهذا الصبر والثبات، ولكن بعضهم عند انكشاف الغمة لم يثبت أيام النعم وإقبال الدنيا والمال عليه فاستأذنوا من الصف أن يستريحوا قليلاً، وما زالوا كذلك حتى أخذتهم النعم، ومن الناس صنف يُعطي ويضحي، وينشط ويصبر ويثبت على الحق ويتمسك به ما دام في عافية وأمن وحرية فإذا تعرَّض للضرر توقَّف وانهار (فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) (العنكبوت: من الآية 10)، ولعل هذا هو أشهر نوعي الابتلاء.

والنوع الثاني، وهو ثبات الأداء، فهناك صنف من الناس فريد أكرمه الله به فهو يفي ببيعته لله تعالى ويفى بعهده، ولا يلتفت إلى المحن أو المنح؛ فهو ثابت في كل أحواله كما جاء في الحديث الشريف: "إذا أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإذا أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له".

وهؤلاء هم أئمة الهدى وأعمدة الدعوة وألوية الحق المرفرفة المرفوعة في كل زمان ومكان, قدوتهم يوسف عليه السلام الذي ثبت في محنة الإغراء، وقال: (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (يوسف: من الآية 23)، وأيضًا: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ) (يوسف: من الآية 56)، وقدوتهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال حين أغلقت الأبواب أمامه وضرب وطرد: "إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي لك العتبى حتى ترضى"، هؤلاء من أمثال أساتذتنا الذين كانوا يقولون لنا: نحن ركبنا القطار لآخر محطة, والقطار له مواصفاته ويجمع الأصناف البشرية كلها ولا مواصلة غيره ويتوقف ويتعطل أحيانًا, فليس أمام الصادقين إلا الصبر على مشاق الرحلة من الخلافات مع طبائع البشر وآرائهم والصبر على التعطيل وطول السفر إلى أن نصل إلى آخر محطة (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الشُّقَّةُ) (التوبة: من الآية 42).

ولو عدنا إلى أجواء الحرية التي تنعم بها الدعوة الآن، وقلنا إنها فتنة للدعاة قد يثبت فيها قوم ويسقط فيها آخرون, خاصةً أن أبناء الدعوة كانوا يتحركون في شبرٍ من الأرض على تخوفٍ من فرعون وملئه أن يفتنهم فأصبحوا الآن يتحركون في أفدنة شاسعة وبحريةٍ مطمئنة وهم يحملون أدوية الشفاء لكل أمراض البشرية فيما يحملونه للناس من هدى رباني قرآني (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ) (هود: من الآية 88)، وهم يحتاجون بذلك وفرةً في التضحيات بالوقت والنفس والمال وجهودًا مضنيةً تسهر الليل وتدعو بالأسحار، وتجوب الأرض بالنهار، وربما لا يذكر لأحدهم اسم ولا يتبوأ مكانة إذْ إن أماكن الرياسة محدودة وطاقم العمل لا حصرَ له, أليست هذه فتنة يسقط فيها المنتفعون وطالبو الشهرة والجاه؟.

ثم إن أجواء المحن والتضييق كانت تستر كثيرًا ممن يتذرعون بضيق ذات اليد وقلة المناشط وضيق مساحة العمل؛ حيث فرص العمل أقل من الأيادي الموقوفة له.

أما في أوقات الحرية واتساع مساحة العمل فالواجبات أكثر من الأوقات والأفراد, فلا عذرَ لأحد, وهذه حالة من التحدى للصف أيكون قادرًا على الوفاء لعهده قابلاً حالة التحدي الذي وضعه فيها القدر بين عشيةٍ وضحاها أم لا, وهكذا قال علماء الاجتماع والتربية أن للتحدي شروطًا:

أولاً: أن يقبل المتحدي التحدي, وقد قبلنا التحدي بقبولنا منهج الدعوة إلى الله تعالى.

ثانيًا: أن يكون التحدي في مجال المتحدي وتخصصه, ونحن نعلن أن هذه المرحلة من التحدي لإصلاح البلاد والعباد من أهم تخصص الدعاة إلى الله ومن صميم وظائفهم.

ثالثًا: أن يكون المتحدي حرًّا طليقًا, وهذه كانت غائبة في الزمن القريب، فكانت حجة الكثيرين (ألقوه في البحر مكتوفًا)، أما الآن فلا عذرَ لأحد. فقد اكتملت شروط التحدي وليس على الصادقين إلا التشمير والعطاء والأخذ بكل الأسباب بعد الكفر بجميع الأسباب والاعتماد على الله تعالى، وطلب العون أن يقوى الظهر لا أن يخفف الحمل.

إنه عصر رجل الدعوة الرباني الذي يقتدي بخالد بن الوليد حين قال لأصحابه: هذا يوم لا ينبغي لأحد فيه الفخر, نعم لأنها أيام استعانة وتضرع واستجلاب معية الله تعالى، إن الدعوة اليوم في حاجةٍ إلى كل الجهود بغير منٍّ ولا أذى فليس من دواعي التضرع المن على الله بما قدمه أحدنا أو اعتبار أيام العطاء والتعبد بأي صورة من صوره بطولات وينتظر بطلها أو فاعلها أن يحمد من أجل تضحياته، وأن يقدم هو ويؤخر غيره (لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا) (الإنسان: من الآية 9)، (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)) (المؤمنون).

ولنتذكر هنا الصحابي الجليل أبا أيوب الأنصاري الذي امتلك أسباب الفخر كلها وعاش إلى أن وصل نيفًا وثمانين من عمره، وهو الذي سمعنا عنه في أول يوم للهجرة؛ حيث بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم أمام بيته "دعوها فإنها مأمورة"، واستضافه لسبعة أشهر ثم هو المذكور في سورة التوبة (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا) (التوبة: من الآية 12)، ومع ذلك ولعد مرور السنوات، وهو ثابت في أدائه يأتي في محاولة الفتح الأولى للقسطنطينية يريد الخروج مع الجيش فيرده القائد الشاب الصغير: ارجع يا أبا أيوب لقد كبرت سنك وانحنى ظهرك وسقط حاجباك، وضاع بصرك، فإذا به يذكر ضعفه لا بطولته ولا مكانته: يا بني إن الله يقول (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً) (التوبة: من الآية 41)، ولقد نفرت لله خفيفًا، وأريد أن أنفر اليوم ثقيلاً فخذني معك وإن مت فلا تقل شيخ مات وإنما احملني على حصانك، وادفني عند آخر بقعة تظن أن يصل إليها من بعدك من المسلمين.

إننا اليوم في حاجةٍٍ إلى هذه الربانية التي تفجر في النفس طاقات ثلاث:

طاقة الفعل وهذه تتفجر بمعرفة الله ثم

 طاقة التحدي، وهذه تتفجر بمعرفة معالم الطريق، وفهم طبيعته

والثالثة طاقة الاستمرار، وهي الطاقة التي يثبت بها الداعية ويستمر حتى يلقى الله فيرتقي بها من مستوى الصبر على المرحلة إلى مستوى الصبر على بعد الغاية، وهذه تتفجر في رجل الدعوة بمعرفته ماذا يريد.

ما أحوجنا اليوم إلى قوة الإيمان وقوة الوحدة وقوة الساعد فلنحمد الله على نعمة الحرية، ونسأله الثبات في منحته، وقد صدق ربنا إذا قال موجها الصادقين من عباده (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) (النساء: من الآية 66).

—————–

هذا المنشور نشر في الفقة الحركي, دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s