الإخوان في مصر الجديدة: سعادة وهموم وضغوط (عائد من ميدان التحرير)

 47 

زار دكتور عبد الرزاق مقري وهو أحد قيادات العمل الإسلامى فى الجزائر مصر منذ اسابيع وكتب سلسلة مقالات بعنوان عائد من ميدان التحرير نشرت بجريدة يناير 25 وهى صحيفة إلكترونية مستقلة . تختلف نظرة الدكتور عبد الرزاق مقرى حول مصر والثورة ووضع الأخوان الآن عن غيره ولذا أنقل هنا آخر مقال من سلسلة مقالاته فى الجريدة والذى يتحدث فيه عن وضع الإخوان فى مصر ما بعد الثورة واصفا إياه بالسعادة والهموم والضغوط وصدق فى الوصف يقول :

تحت عنوان   أذكر أننا حينما كنا نزور مصر ونريد أن نستغل الفرصة لزيارة مقر مكتب الإرشاد في مكان مشهور يسمى الروضة شارع المنيل كان علينا أن نفكر في الأمر ونحسب التبعات لا لخوف من أحد أو من سلطة من السلطات   ولكن ببساطة خوفا من منعنا مرة أخرى من دخول مصر، وعدم دخول مصر هو لا شك حرمان من منافع عدة على دروب العلم والثقافة، والنزهة والسياحة، والعلاقات والسياسة، والعمل والتجارة، أو على الأقل للمرور إلى بلد آخر من البلدان كما حدث لي ذات يوم كنت مارا على القاهرة كمسافر ترنزيت فاضطررت للمبيت في المطار لأنه لم يسمح لي أن أخرج منه مثل غيري من المارّين لقضاء ليلة واحدة في فندق كنت قد دفعت أجره لشركة مصر للطيران.

لم نكن نعمل شيئا يجعلنا نخاف من زيارة الإخوان المسلمين، لم نكن نحمل تبنا في أحشائنا ولا نعمل سرا في أيامنا، وإنما هي رغبة في الوفاء لمشايخ قدموا الكثير لمنهج الوسطية والاعتدال في الحركة الإسلامية. لم يكن يفهم رجال أمن الدولة في القاهرة معنى الوفاء هذا، بل ربما فهموه وذاك الذي جعلهم يحقدون علينا وعلى من نزورهم،

وربما لهذا السبب لم يكونوا أحيانا يتحرجون في إظهار تتبعهم لخطواتنا بشكل فج مكشوف يجعل المشهد ساخرا لا تنقصه إلا الكاميرات لنقول بأننا نمثل فلما بوليسيا كما حدث ذات يوم قرر فيه السائق الإخواني الذي كان يقلنا أن يهزأ بسيارة للأمن كانت تتبعنا إذ عمد إلى الدوران في الشوارع بلا هدف فيذهب فجأة يمينا ثم فجأة شمالا وربما يعود على أدراجه حتى صارت الملاحقة كبيرة استعملت فيها أكثر من سيارة ووسائل اتصال بل وجندت درجات نارية كادت إحداها أن تلتصق بمركبنا ونحن في حالة من الضحك والمرح ذكرتني بالملاحة التي تعرض لها المفتش الطاهر في أحد أفلامه.

هذه المرة لم يكن الحال على ذاك النحو لا أثر لشرطة بزي مدني ولا رسمي على مدخل مقر مكتب الإرشاد، ولا سيارة تتبعك حين تغادره، وحتى الوجوه التي التقيناها في المقر كانت على غير الوجوه التي كانت عليها في زيارات سابقة، تنبئك الوجوه التي تقابلك، خصوصا وجوه القادة الكبار كفضيلة المرشد والأستاذ جمعة أمين والأستاذ محمود عزت وغيرهم، بمزيج من المشاعر والأحاسيس تقرأها في أعينهم، سعادة تزاحمها هموم تلاحقهما ضغوط.

أتيحت لنا فرصة للجلوس الطويل مع الأستاذ جمعة أمين فأنبانا حديثه المباشر والمَجَازي بما أحسسناه في تعابير وجه الناس وأحاديث عيونهم، كان اللقاء معه مفيدا ومغذيا ولكنه كان مختلفا عن اللقاء مع خيرت الشاطر، هاهنا مع الأستاذ جمعة أمين أنت مع والد ومعلم ومربي كلما حاولت أن تستطرد في الكلام لتوضيح فكرتك يُفيدك بموعظة تقبلها بسرور وتود لو ترجع لكراسك فتكتبها ولكن تقول في نفسك يا ليتني أستطيع أن أكمل ما أريد قوله.

حينما تطرقنا للحديث عن مصر عبر لنا الأستاذ جمعة أمين عن سعادته بالنصر المظفر الذي حققته مصر وأرجع ذلك جزاه الله خيرا كله لله، قال لنا بكل صراحة بأنهم لم يكونوا يتوقعون الذي حدث مطلقا بل أن كل الذي كانوا يخططون له في السنوات الأربع المقبلة هو كيف يعيدوا الوعي للشعب المصري ليفيق من سباته وينتبه للمخاطر التي تحدق به وببلده وبأمته وتلا علينا قول الله تعالى (( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين)) وأعطانا درسا بليغا في التوكل على الله وعلاقة ذلك بالتخطيط وكيف أن الله تعالى يطلب منا فقط أن لا نفرط في الأسباب التي نقدر عليها وأنه كفيل وحده دون غيره بتحقيق النصر إذا رأى فينا صدقا وإيمانا وثباتا وجدية وفداء.

كم تكون الدروس مفيدة نافعة وكم يكون وقعها شديدا وأثرها عميقا حينما تكون تعبر عن واقع ماثل أمامك يحكيه لك رجل أفنى عمره كله مكافحا في الدنيا وكان يتوقع أن يعود إلى ربه قبل أن يرى وعده سبحانه يتحقق وأن الذين سيأتون بعده هم الذين سيحكون وقائع النصر وأنه سيكون هو مجرد قصة من قصص التضحيات التي تسبق الظفر، فإذا به هو ذاته من يحكي ما فعله الشباب الذين تربوا على من تربوا على يديه… يا لها  من أحداث عجيبة يعجز العقل على إدراكها والفؤاد على تحملها، لا ينفع معها إلا التفويض التام لله عز وجل والتسليم المطلق لعزه وقدرته وجبروته.

إن هذا السمو الإيماني الذي ظهر به الأستاذ جمعة أمين يعبر عن معنى السعادة حينما تحل في قلب المؤمن فيساكنها في ذات القلب شكر وإحسان وتفويض. غير أن هذه السعادة لا يمكنها أن تكون مطلقة لمن حمل أعباء الدعوة والإصلاح في هذه الدنيا، هكذا علمني إياها الشيخ أحمد بوساق قديما حينما قال لي” يصعب على المؤمن أن يجد في هذه الدنيا سعادة لا يخالطها هم” واليوم أراها بادية كذلك مع الأستاذ جمعة أمين.

لم يُخف علينا الأستاذ جمعة  بأن همومهم كبيرة بشأن التحديات الجديدة التي ستقابلهم فكرر نفس الحيرة عن تحدي العلاقة بين الجماعة والحزب ولكنه كان أكثر وضوحا بخصوص الاختلافات بينهم التي بدأت تطفو على السطح، لقد سماها ” فتنة”، قال بكل وضوح “نحن على أبواب فتنة” بسب الطموحات والاختلافات، بل راح بعيدا حينما قال بأنه قد يصل أوان اتخاذ إجراءات صارمة في حق المتجاوزين، وازداد وضوحه أكثر حينما حاول أحدهم، كان يجلس معنا، أن يوجه الحديث وجهة متحفظة فقال للأستاذ جمعة “لعلك تقصد الشباب” فأجابه بأنه يقصد الكبار والصغار على حد سواء، ولم يكن على كل حال يخفى على أحد من كان يقصد بتدقيقه ذلك وسنعود للأمر لاحقا. ولا أريد أن أواري هاهنا شعوري عن تساؤلي بيني وبين نفسي هل سيذكر هؤلاء الشيوخ الأفاضل سوء ظنهم بنا جميعا وشدتهم علينا حينما اختلفنا ونحن في عمق بهارج السياسة سنوات طويلة قبل هذا.

كثير ما تتسبب الأحداث السعيدة الكبيرة أو الهموم العميقة الطارئة في شل إرادة الأفراد والجماعات ولو لأجل ما، غير أن ذلك لم يظهر في سلوك قيادات الجماعة بل إن دائرة الحركة ووتيرتها زادت ونمت كثيرا مع أجواء الحرية حتى صار عبء العمل يمثل ضغطا شديدا لا يترك لهؤلاء  فرصة للهدوء أو الراحة، لا يكاد أحدهم يستقر في مكانه، وبالكاد يقدر على ضبط موعد جديد لازدحام جداول أعمالهم بأسفار كثيرة كانت ممنوعة واجتماعات متتالية صارت مسموحة و مقابلات صحفية عديدة أضحت مطلوبة، فلو قيّمنا في سفرنا كم التقينا من قيادات الإخوان لوجدنا القائمة كثيرة ولكن لم تكن في جلها إلا لقاءات سريعة بين موعدين مزدحمين.

جاءنا فضيلة المرشد إلى مكان اللقاء مع جمعة أمين فسلم علينا بحفاوة كبيرة واغتنم الفرصة ليعطينا هو الآخر جملة من النصائح ثم أخذنا بنفسه لنسلم على كل أعضاء مكتب الإرشاد فوجدناهم منهمكين في جدول أعمال لا حد له. وأمام هذه الحالة الجديدة التي تركناهم عليها سألت نفسي هل سيستطيعون التعامل مع هذه المعطيات الجديدة بذات الآليات والنظم القديمة.

لا أعتقد بأن تنظيم الإخوان المسلمين السابق بمقدوره التعامل مع هذا الوضع اللاحق، لقد اعترفوا بأنفسهم بأن الأحداث باغتتهم كما باغتتنا نحن كذلك في ثورة 5 أكتوبر 1985 ولو تراخوا في تقدير حجم التحول كما حدث لنا  فلن يكون التنظيم الإخواني فقط هو الذي يخسر وتُحجم هوامشُه بل مصر كلها ستعاني وقد تسقط مرة أخرى لسنوات طويلة قادمة لا قدر الله.

لقد عاينًّا بأنفسنا في زيارتنا، كما طالعنا مع جميع الناس عبر وسائل الإعلام كم يترقب الناس مواقف وسياسات الإخوان في مصر الجديدة إن حجم التساؤلات وعظم المسؤوليات تتطلب منهم تفكيرا عميقا وسريعا وصبرا كبيرا على بعضهم البعض سيما وأن أبواب الدنيا بدأت تفتح عليهم وهي أشد وطأ على الصف من فترة الملاحقة والتضييق، لا يجب مثلا أن يضيقوا بآراء الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح أو الدكتور حبيب، حديث مباشر وتلميحات مفهومة سمعناها من بعض قيادات الإخوان تظهر تأففا كبيرا من السياسة التي انتهجها د. عبد المنعم بل سمعنا وعيدا باتخاذ إجراءات قاسية ضده وهو تصرف في اعتقادي، والله أعلم، غير مدروس أملته الذهنيات التنظيمية الانضباطية التقليدية

إن د. أبو الفتوح ليس متهما بأنه يعارض مكتب الإرشاد لأسباب تنظيمية فهو لم يدخل منافسة انتخابية على موقع في الجماعة خسرها فتمرد أو كان يريد الحصول على منصب لم يصل إليه فغضب وافتعل خلافا سياسيا أو دعويا أو فكريا كما يفعل الصغار في الحركات الإسلامية في مختلف الأقطار منذ عقود إلى يومنا هذا، ليس هذا البتة، الكل يعلم بأن الرجل انسحب من مكتب الإرشاد بإرادته، و هو معروف بآرائه السياسية والفكرية المخالفة للاتجاه الرسمي للجماعة منذ أن كان في أعلى مراتب القيادة وكان يجاهر بها علانية،

أذكر قبل أربع سنوات التقيت به في إيطاليا في أحد الملتقيات الفكرية فحدثني عن آرائه التي يتحدث بها، والرأي الذي يطرحه في مجال السياسة رأي وجيه ستثبت الأيام نجاعته وصدقيته لا على مستوى الحركة الإسلامية في مصر فحسب بل في كل الأقطار العربية والإسلامية. حقيق بجماعة الإخوان المسلمين أن تحافظ على رصيدها الدعوي والتربوي والفكري والاجتماعي وحتى السياسي في قضايا الأمة العامة فلا تغامر به في التنافس المباشر على السلطة وتكتفي بما هو أهم وهو إصلاح المجتمع المصري وتشكيل رأي عام تكون له اليد الطولى في تشكيل الكتل الناخبة التي تفصل في اختيار الأحزاب، ولا يضيرهم عندئذ أن يؤسسوا حزبا يطلقوه في الفضاء السياسي يهبوه للمجتمع المصري لا تجمعهم به إلا جاذبية الرسالة والرؤية وقوة الرأي العام التي لا ترى عِمدُها كما تنجذب الكرة الأرضية بلا عمد إلى كوكب الشمس لحاجتها له، لا تستطيع الأرض أن تقترب من اختصاص الشمس فتحترق ولا تقدر على الابتعاد عنها فتتجمد وتصير بلا وظيفة، فليكن الحزب الذي أسسوه للمصريين جميعا لا أثر لهم عليه إلا بمن فيه من رجالهم ومن ينتخب عليه من المواطنين الذين يؤثروا فيهم بدعوتهم ومختلف مناشطهم، أو أن يكتفوا بدعم أي حزب يخدم الفكرة والرسالة يستعمله لخدمة الإسلام والوطن إخواني وغيره.

أذكر أنني قدمتهم لهم دراسة في هذا الموضوع قبل سنوات خلت وهي دراسة منشورة في العدد الأول من دورية دراسات إسلامية عن مركز البصيرة سنة  2006، وأتصور أن فكرة أبو الفتوح ليست بعيدة عن هذا فقد تناقشنا سابقا في الموضوع وكنا نود أن نلتقي به لنناقش الأمر معه بشكل أعمق ولكنه للأسف الشديد كان خارج القاهرة وتمنّى علينا كثيرا عبر الهاتف أن نمهله حتى يعود ولما أخبرناه بأننا محسورون بآجال السفر حاول أن يعود قبل الموعد فلم يفلح، ورجانا أن نكرر الزيارة  مرة أخرى لأننا في حاجة لتبادل الآراء حسبه، فوعدناه بذلك ولا بد بكل تأكيد أن نعود لأن مهمة استطلاع الآفاق الجديدة في الوطن العربي لا زالت لم تنته بعد ثم ربما يكون لنا دور في لم الشمل بين إخواننا المصريين وبين المصريين والجزائريين نحب أن نؤديه !

هذا المنشور نشر في الفقة الحركي, الثورة المصرية, عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s