المقدس والسياسة

ikh17

كتب دكتور رفيق حبيب نائب رئيس حزب الحرية والعدالة هذه المقالة شارحا العلاقة بين المقدس والسياسة :

في مسألة العلاقة بين الدين والسياسة، أو بين الدين والدولة، يدور الحوار حول علاقة السياسة بالمقدس، ويرى البعض استحالة أن يكون للسياسة علاقة بما هو مقدس، وبالتالي استحالة العلاقة بين الدين والسياسة. والمقصود هنا بالمقدس هو القيم والمبادئ والمقاصد الإلهية، أما السياسة فهي الفعل البشري. والحقيقة أن كل القيم المقدسة الدينية، هي قيم مطلقة تمثل حالة الكمال الكامل، وهي بهذا صورة تتسامى عن السلوك البشري، لأن السلوك البشري نسبي في كل الأحوال، ولا يبلغ مقام الكمال.

ولكن سلوك المتدين يهدف إلى بلوغ الكمال، ويتوجه نحوه، ولا يبلغه، ولكن يقترب منه. وكل سلوك المتدين في مختلف جوانب حياته، وليس فقط في المجال السياسي، هو محاولة للاقتراب من الكمال، حيث ينجح المتدين في الاقتراب تدريجيا من الكمال، ولكن لن يبلغه في النهاية، لأنه إنسان. ومعنى هذا، أن كل سلوك بشري هو نسبي بالضرورة، وكل قيم دينية هي مطلقة بالضرورة، والقول بأن النسبي يجب أن يكون منفصلا عن المقدس، يعني فصل كل سلوك الإنسان في مختلف جوانب حياته عن القيم الدينية، وليس فقط سلوكه ومواقفه السياسية.

لذا فإن الفصل بين القيم الدينية المقدسة والسلوك السياسي، على أساس أن النسبي يجب أن يكون متحررا من المطلق، يعني عزل كل القيم الدينية عن حياة الناس عموما، لأن كل سلوك البشر نسبي. أما الرؤية التي ترى أن السياسة هي حالة صراع، وبالتالي فهي حالة لا يمكن الاستناد فيها إلى القيم الدينية المطلقة، فهي تعني أن كل موقف فيه تعارض مصالح أو تنوع في المصالح، هو موقف صراعي وبالتالي لا يمكن أن ينظم من خلال القيم الدينية المطلقة، وهو ما يعني ضمنا أن العلاقات التجارية وعلاقات التنافس الاقتصادي والعلاقات المهنية وغيرها، لا يمكن تنظيمها في حياة الفرد المؤمن من خلال القيم الدينية المطلقة. ومرة أخرى نعود إلى نفس الخلاصة، فكل سلوك بشري هو نسبي بالضرورة، والدين ألزم المؤمن به بالتزام قيمه، والعمل على تحقيقها، وكل تصور إلهي أكد على الإنسان يخطئ، ولكن عليه أن يظل يكافح من أجل الاقتراب من الكمال، رغم أنه لن يصل له بالكامل.

ولكن من جانب آخر، يجب أن نلاحظ أن كل الأنظمة السياسية، بما فيها النظم العلمانية تقوم على مقدس، ولكنه مقدس بشري، إذا جاز التعبير، أي قيم أساسية اختارها البشر ووضعت في الدستور، وأصبحت طبقا لقواعد الدستور قيما لا يجوز الخروج عليها، وكل خروج عليها يعد خروجا على الدستور، ويعاقب من يقوم به طبقا للقانون. ففي النظام الليبرالي مثلا، تعد قيمة الحرية الفردية والشخصية قيمه مصانة بالدستور، وهي بهذا تمثل قيمة عليا لا يجوز الخروج عليها، مثلها في ذلك مثل قيمة حرية التعبير، والتي جعلت المجتمعات الغربية تحرس قيمة حرية التعبير، حتى في وجه الدين نفسه، فأصبح الخروج على الدين وازدراء الأديان محميا بقيم دستورية عليها، لا يجوز الخروج عليها. والحقيقة أن في التطبيق لا يوجد نظام سياسي وقانوني لا يفرض قيما ومبادئ على مؤسسات الدولة وعلى الأفراد والمجتمع. ولهذا فكل نظام سياسي يقوم على قيم لا يجوز الخروج عليها، وهي القيم العليا، التي يحميها الدستور، وهي بهذا قيما وضعت في موضع مقدس لا يمكن المساس به. فإذا كان من الممكن صناعة قيم بشرية ووضعها في موضع مقدس، فلماذا لا يكون من الممكن وضع القيم المقدسة بالفعل كإطار منظم للنظام السياسي؟ والبعض يتصور أن القيم البشرية يمكن تطبيقها، لذا فوضعها كقيم عليا في الدستور جائز، والحقيقة أن كل قيمة بشرية يصنعها البشر، هي فكرة نظرية لا يمكن تطبيقها بالكامل، وكل تطبيق لها يكون نسبي، ولا يحققها بالكامل، رغم أن القيمة في حد ذاتها نسبية لأنها من صنع البشر.

ولكن الفرق المهم بين القيمة العليا المصنوعة بشريا، وبين القيمة العليا المقدسة الدينية، أن القيمة المصنوعة بشريا لا تملك قوة إلزام على الناس إلا بحكم القانون والفرض المادي فقط، أما القيمة الدينية المقدسة، فإنها تملك قوة إلزام أدبي ومعنوي، وتملك طاقة إيمانية لتطبيقها، تجعل الناس مهتمة بتطبيق هذه القيمة بدون رقيب بشري، لأنها تفعل ذلك عن إيمان، وخوفا من الرقيب الإلهي. والالتزام الديني أقوى من أي التزام آخر، لذا فإذا كانت القيمة الإلهية قيمة مطلقة وأصعب في تحقيقها من القيمة المصنوعة بشريا، فإن القيمة الدينية المقدسة لها من الوازع الديني المعنوي ما يجعل تطبيقها نسبيا ممكنا، في حين أن القيمة البشرية النسبية تحتاج لقانون حتى يلتزم الناس بها، لأن ليس لها قوة معنوية داخلية فهي من صنع البشر.

خلاصة هذا، أن كل نظام سياسي يقوم على قيم عليا لا يجوز الخروج عليها، والاختيار هو بين القيم التي يختارها البشر، أو القيم الدينية المقدسة. فكل نظام به مقدس إذا جاز التعبير، وكل نظام يلزم فيه الناس بقيم ومبادئ وقواعد لا يجوز الخروج عليها. وإذا كان النظام العلماني يلزم الناس بالقيم السائدة بينهم، وهي القيم العلمانية المادية، الليبرالية منها أو اليسارية، فإن النظام العلماني بهذا لم يفرض على الناس قيما من خارج ضميرهم الإنساني، لهذا يمكن أن ينجح النظام نسبيا في التطبيق. وعليه يكون من المهم لأي نظام سياسي أن يقوم على القيم السائدة في المجتمع، فإذا كان المجتمع متدينا، يصبح من الضروري أن تكون القيم الدينية هي المأخوذ بها في النظام السياسي، كقيم لا يجب الخروج عليها.

هذا المنشور نشر في علوم سياسية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s