أيها الليبراليون عودوا إلى الديمقراطية

230612406 

مقالة الأستاذ  قطب العريى جاءت معبرة عن السجال الأخير حول الجمعة الماضية وتأتى أهمية الرأى أنه لصحفى غير منتمى لجماعة الإخوان :

رغم أنني لم أشارك- عن وعي- في مظاهرات يوم الجمعة الماضي في ميدان التحرير، إلا أنني سعدتُ بمشاركة الآلاف فيها، سواء في ميدان التحرير في القاهرة أو في بعض المحافظات الأخرى، فذلك يعني ببساطة أن الساحة ليست حكرًا على التيار الإسلامي بإخوانه وسلفييه، ولكنها تضم أطيافًا متنوعة، وبأحجام مقدرة.

رغم حفاوتي بما حدث إلا أنني أُسجل أن الحشد لم يتوحد على هدفٍ ومطلبٍ شعبي بقدر توحده على الغمز واللمز في الإخوان المسلمين الذين لم يشاركوا بل حرضوا على عدم المشاركة، وظهرت في الميدان هتافات (صبيانية) لا تُعبِّر عن عقلاء الثوار تشمت في الإخوان وكأنهم هم العدو الجديد الذي قامت ضده ما أسموه بالثورة الثانية، كما أؤكد أن الجدل بين المؤيدين والمقاطعين قبيل يوم الجمعة أسهم كثيرًا في ترشيد الغضب، والابتعاد عن الصدام مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وبالتالي مرور يوم الجمعة بسلام.

كنت واثقًا تمامًا أن القصف الإعلامي المُركَّز ضد الإخوان من قِبل قيادات ليبرالية ويسارية وقومية يومي الأربعاء والخميس، وخصوصًا بعد صدور بيان الإخوان الرافض للمشاركة يستهدف تحقيق هدفين مختلفين تمامًا، ففي حال فشل المظاهرة ستكون الحجة جاهزةً وهي أن الإخوان هم السبب لأنهم "كفروا" مَن يشارك في المظاهرات في استخدامٍ قبيحٍ للدين في السياسة"، تمامًا كما حدث في الاستفتاء على التعديلات الدستورية!!، وفي حال نجاح المظاهرة، يكون هذا النجاح الباهر ومنقطع النظير أو المعجزة حسب وصف الدكتور عبد الحليم قنديل قد تم دون مشاركة الإخوان بل رغم دعوتهم للمقاطعة.

الآن وبعد أن استعاد الفريق الليبرالي واليساري ثقته في نفسه، وفي قدرته على الحشد، وقناعته بالتفاف قطاع من الشعب حوله، فإن هذا يعطينا قدرًا أكبر من التفاؤل بإمكانية إجراء حوار موضوعي وبنَّاء بين أبناء الثورة جميعًا للتوصل إلى توافق عام حول مبادئ دستورية عليا تلتزم بها الهيئة التأسيسية للدستور التي سيقوم بتشكيلها مجلسا الشعب والشورى، ولكن قبل ذلك مطلوب من القوى الليبرالية واليسارية إظهار احترامها لقواعد الديمقراطية، ومن ذلك تأكيد احترامها لإرادة الـ 78% من الشعب المصري الذين صوتوا بـ"نعم" على التعديلات الدستورية في 19 مارس، وهي التعديلات التي حددت خارطة طريق واضحة المعالم محددة التوقيتات للفترة الانتقالية.

من العيب أن تلوح قيادات ليبرالية ويسارية بارزة بالخيار الجزائري إذا لم يتم الاستجابة لرغبتها في تجاوز نتيجة الاستفتاء، وإذا لم يتم وضع الدستور أولاً قبل الانتخابات النيابية بالمخالفة للتعديلات الدستورية التي أقرَّها الشعب، وإذا لم يتم تشكيل مجلس رئاسي مدني بدلاً من المجلس العسكري، والبديل الجزائري لمن لا يعرفه، هو انقلاب العسكر مدعومين بالقوى العلمانية على نتيجة الانتخابات الجزائرية مطلع العام 1992م حين أظهرت النتائج فوزًا كبيرًا للجبهة الإسلامية للإنقاذ، مقابل انحسار للقوى العلمانية، وقد تسبب ذلك الانقلاب على الديمقراطية- الذي يهددونا بمثله الآن- في دخول الجزائر في دوامة عنف وقتل ودمار استمرت لمدة عشر سنوات قتل خلالها آلاف الجزائريين من العسكريين والمدنيين، ولم تتوقف هذه المجازر إلا بعد قبول الدولة الجزائرية التصالح مع الجماعات الإسلامية المسلحة وعفوها عن قياداتهم، وإذا وقع هذا الانقلاب- لا قدر الله- في مصر فلا يعرف أحد المدة التي ستغرق فيها مصر في بحور الدماء، والخراب الاقتصادي؛ وذلك بحكم الوضع المركزي القيادي لمصر في المنطقة ما يجعل تكالب الأعداء عليها يزيد أضعاف المرات عن الجزائر.

هذه النتائج الكارثية للانقلاب على الديمقراطية ليست خافيةً على قادة القوى الليبرالية واليسارية، والمأمول من هذه القوى أن تعلي مصلحة الوطن فوق مصالحها الضيقة، وأن توجه جهدها ومالها نحو عمل ديمقراطي منتج استعدادًا للانتخابات النيابية في سبتمبر المقبل بدلاً من تفريغ الجهد والوقت في الظهور على الفضائيات وحضور الندوات والمؤتمرات في الصلات المكيفة، وفي هذا الإطار ينبغي الإشادة بجهد حزب المصريين الأحرار الذي أسسه المهندس نجيب ساويرس، والذي نزل بالفعل إلى الشارع، وشارك البسطاء احتفالاتهم بالموالد الدينية الشعبية، كما تحرَّك قادته في الداخل والخارج لدعوة المصريين للانضمام إليه وعرض برنامجه وأفكاره، وليت الآخرين يفعلون شيئًا مشابهًا.

أتمنى أن نبدأ سريعًا حوارًا هادئًا وهادفًا بين القوى الإسلامية والقوى الليبرالية واليسارية، وأن نقلع جميعًا عن لغة التخوين، فالجميع أبناء الثورة، وأبناء ميدان التحرير وكل ميادين التحرير في مصر، ولا يحق لأحد احتكار الحديث باسم الثورة أو اسم الدين.

هذا المنشور نشر في الثورة المصرية, عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s